سارة شمة تحرر أنساقها على إمتداد الوجع

 

سارة شمة ( 1975 ) حالة مجتهدة في التشكيل السوري المعاصر ، حالة تكشف الجوهر الإنساني على إمتداد وجع و صخب عملها ، حالة دربت نفسها منذ الخطوات الأولى بأن إنتزاع مساحة ما من المشهد التشكيلي تليق بها لا بد أن تنتمي بتأملها و شظف عيشها ، بأشيائها و رقع وجوهها ، إلى الحياة حتى النخاع ،

و هنا يبدأ فعلها الإنساني ، الحضاري في لاحدوديتها ، فهي و بلغة لونية تخصها تشارك في رفع الحواجز عن الأمكنة كلها ، بل عن الفضاءات كلها لتتجاوز حدود المكان نحو الإنسان لترسم ملامحه أولاً و هي مشبعة بألوانها التي كانت تغمرها القلق و الخوف و لو إلى حين ،فكلما لامست الخطر كلما عادت إلى إختزال تلك الملامح ، حتى سقطت جميعها وتاهت في الحرب و زحامها .

سارة حالة فنية تشكيلية سورية تجاوزت حدود الجغرافية السورية نحو مدارات ، البحث فيها يتطلب بالضرورة : جرأة غير معتادة تجعلها تلين المغامرة في متواليات قريبة و بعيدة ، و موهبة متمكنة من آفاقها المفتوحة ، و خصوصية التجربة وما يحيطها من جمالياًت بصرية ، وكونها جمعت هذه الشروط الثلاثة في ثنايا واحتها ، كان لا بد لهذه الواحة أن تثمر ، و تبدأ هي بقطف ثمارها أولاً ، و نحن المتلقين ثانياً ، و بالتالي كان من الطبيعي أن تتجاوز حدود البلاد ، و تخرج من الدائرة الضيقة و تبدأ بحصد الجوائز ،

فتجربتها الإبداعية متميزة تحمل قدرتها العالية على الخلق ، وعلى رصد التحولات للحظات الكثيفة بتراكماتها ، و على إيقاظ جميع الأصوات السردية من عتبات نصها و متنه ، لتختزل مشهدها البصري بمقولات تلخص بدورها تفاصيل مزاميرها الحاملة لكل معاناة شخوصها ، فتضطر و برؤية جديدة ، فيها من الخبرة و التجربة الكثير لتندفع نحو رسم ملامح جديدة لإنعطافها الجديد ، أقصد بعد القيامة السورية ، فإزداد عندها التوتر النفسي القائم أصلاً على اللحظات الإنفعالية و التي باتت كالغبار و التراب على السطوح ،

فهي القادمة من الواقعية و من وجوه بلورت تجربتها في بداية الطريق ، فتلك البورتريهات التي إشتغلت عليها شمة بداية و لفترة زمنية أكسبتها القدرة على الإبتكار و التنويع ، و هذا ما حقق لها الدعم لإحياء حداثتها الأولى ، لرسم مقولاتها التي هي رهانات لتحقيق منجزها ، بل هي مقومات لصدى مشروعها الجمالي و. الإبداعي ، نحو تحرير أنساقها على إمتداد الوجع ، و تظل إشاراتها نابعة من مناخها هي ، فليس مصادفة أن يعج عملها في السنوات الأخيرة بالرعب و العنف و التعب ،

فهي تحترم الحياة جداً ، و لهذا تحترم العدالة و الحرية و البقاء جداً ، و لهذا فهي لم تغادر خارج تعب المكان الذي لوث بقيم الدمار و الخوف و الحرب ، فما تبقى فيها من ضرورات الحياة مازالت تغوص في لاوعيها ، بل في وعيها كمحطات تعني على نحو ما إيحاءات لمدخل تجربتها الأكثر تحملاً و الأكثر تعباً و الأكثر جمالاً ، و هنا و للخروج إلى مساحات حافلة بالأسرار و بالجسد المرهق إلى حد الغياب ، كان لا بد لها أن ألا ترفض المناخات الصعبة التي فيها تمارس لحظاتها القلقة مع جر تداعيات متوترة لتزاحم أشلاءها المبعثرة كمعطيات فنية ترقد بهدوء في شقوق روحها ، إلى أن تتسارع نبضات فرشاتها و هي تعبر تلافيف اللوحة بموجبات ملحمية تحتكر عناصر إنشائيتها ضمن حكاية ألوان ،

و حكاية أوجاع تنشغل سارة عليها بصيغ تتضمن مقاطع موالية للإنسان ، لها ، لمعزوفاتها الداخلية ، بها تنخرط في الفسحات و المساحات ، بها تنخرط بإستطرادات تعبيرية ، بل بتعبيرية سحرية تذكرنا بقلم ماركيز في الأدب ،و تشعل كل الصخور المطفأة على الصدور مع إصرارها على رسم تيمة مداراتها ، التيمة التي ستحمل العلامات التي ستجعلها فنانة موقف ، فنانة فعل ، تيمة إليها يتدفق كل الأحداث الأليمة و العنيفة ، و التي ستتقد فيما بعد بين أصابع شمة و هي تتكوم بين ألوانها و لوحتها ، و التي ستحكي قصتها بمشيرات أسلوبية ترفرف بحيادية و موضوعية و هي ترتب وقائعها الطافحة بالحزن و تجاعيده .

شمة حين تقذف بنفسها ، أو ببعض أجزائها ، أو لنقل ببعض ملامحها إلى عملها ، فهي تدرك بأنها الأقرب إلى ذاتها و لهذا تتحول إلى مرآة لتلك الأعمال التي تجد ذاتها في وجهها هي و في بعض ملامحها بتفاصيلها ، فيتشظى كل منهما في الآخر ، و بآليات سردية تبدعها شمة ، و ذلك بالركن إلى إنتقال أنفاسها إلى العمل و بالعكس أيضاً ، أي حمل أنفاس العمل في صدرها ، فكلاهما يتحولان إلى عمل فني و متلقي ، كل منهما يقرأ الآخر ،

فقط نحن كجدار ثالث نقرأهما معاً ، بإرجاعهما إلى نص واحد يحمل كل الحماس والخصلات الجليلة و ما يبرر وجوده .

لا تعليقات

اترك رد