دمشق عام 1070م

 

يرتبط هذا العام من تاريخ دمشق بحاكم أتى اليها من الشمال من خوارزم على ضفاف بحيرة أرال على مشارف السهوب التركية . ثم انتقل نحو الجنوب مع النزوح السلجوقي نحو الجنوب الغربي حيث إيران وأذربيجان وأرمينية ثم تزعم جماعة سميت الناوكية . إنه إتسز بن أوق الذي أغرته الأناضول فاتجه إليها بعصابته مغامرا جبارا مخربا قاتلا .

وعندما أغرته أخبار دمشق اتجه اليها وعاث في الأرض فسادا وتخريبا إلى أن وصل الرملة المدينة القريبة من دمشق عاصمة الشام . فاحتلها بسهولة ووضع بباله اجتياح بيت المقدس واشتبك مع الفاطميين الذين كان يعتبرهم كفارا فاحتل بيت المقدس ولم يقترب من ساحل فلسطين لخوفه الشديد من قوة الفاطميين فعاد أدراجه نحو دمشق لكنها صمدت في وجه عدوانه فضيق عليها الحصار وواصل الغارات على الغوطة الغناء وقطع المياه عنها ورعى زرعها كل ربيع. صمدت دمشق أمام الحصار الجائر سنوات طويلة وقل الزاد وزادت الأسعار ونزح معظم أهلها عنها وخربت المنازل واستحكم الخلاف والخصومات بين سكانها.

وفي عام 1075 م زأر شبح الموت بين السكان في دمشق بسبب المجاعة وصار الموت يختطف السكان كالغول فقت شحت المؤن ونقص الغذاء وانتشر الوباء وعمت الأسعار الفاحشة فصار الناس ينظرون لبعضهم كفرائس الطعام . في ذلك العام لم يكن الموتى يصلون المقابر لأن الناس تأكلهم قبلها أما القطط والكلاب والفئران فقد نفذت من المدينة . دمشق عاصمة للمقاومة عبر التاريخ وعاصمة للحزن في ذات الوقت .

كان إتسز بن أوق ينتظر سقوط المدينة بدم بارد ، فطلب الوجهاء تسليم المدينة مقابل الأمان لكنه نكث عهده معهم كما نكث من قبله قادة أخرون العهد . وعاث في الأرض فسادا وقتلا وتهجيرا. قتل الشيوخ واغتصب النساء واعتدى على الممتلكات وبالغ في سوء النوايا حتى تواصلت عليه الدعوات في الصلوات لعل الله يهلكه ويريح المدينة من ظلمه .

بنى إتسز بن أوق قلعة دمشق وبدأ يحضر نفسه لمشروع كبير في رأسه . كان يحلم بغزو مصر وتدمير الخلافة الفاطمية . كان إتسز يحلم بغزو مصر التي خرجت من محنة مجاعة وفقر ألمت بها منذ عهد قريب فجهز لها جيشا من عشرين ألف مقاتل واتجه إلى مصر من الساحل . في هذه الأثناء كانت الصلوات في دمشق الفيحاء تدعو له بالموت . وعندما وصل دلتا النيل لقيه بدر الجمالي الوزير الفاطمي ومعه مجموعة من الجنود والبدو . وكعادته أقام إتسز مئة وخمسين يوما في المنطقة يجمع الأموال ويسبي النساء ويذبح الأطفال وهو في هذه الأثناء يراسل بدرا الجمالي ويطلب منه المال ليعود أدراجه . كان يريد أن يخدعه في مناورة دنيئة وقرر في لحظة أن يتجه بجيشه إلى القاهرة التي كانت تعاني شيئا من الفوضى وعدم الاستقرار .

اجتمع الناس والجنود والرجال من كل الأجناس أما القصر الفاطمي في القاهرة كما حضرت النساء حاسرات الرأس يتضرعن ايجاد الحل ورد المعتدين في حين كانت جحافل إتسز تضرب بقوة أطراف القاهرة . اعتقد الجميع أن القاهرة ساقطة لا محالة لولا حدوث خيانة في صفوفه أدت إلى انقلاب الموقف القتالي رأسا على عقب .فوجد إتسز نفسه وسط رمال الصحراء و جنده مستباح للسيوف والرماح وكانت عدته للحرب مستباحة لمن يشاء في الصحراء المصرية وضربت النيران خيامه ومؤونته فهرب إتسز من مصر تاركا خلفه ثلاثة آلاف حصان وعشرات المئات من الصبية والنساء والسبايا وبقي الناس شهرا يكدسون الغنائم في ساحة القصر الفاطمي .

وعندما وصل إتسز غزة هاجمه الغزيون وقاتلوه فهرب إلى الرملة التي عسكر فيها أول مجيئه إلى بلاد الشام . وجاءه إليها وفد دمشقي قال له: أيها الملك لم يبق في دمشق إلا عشر العشر من الجوع والعطش . فإن بقيت بيننا فلا حول ولا قوة لنا وإن بعدت عنا فلا طاقة لنا بقتال أحد.

عاد إتسز إلى دمشق وبدأ يجمع حوله الجنود من التركمان ويأتي بهم من كل مكان وعندما انقلبت عليه بيت المقدس جهز حملة وهاجمها وقتل ثلاثة ألاف فاحتمى الناس بالصخرة فأخضعها ثم سار إلى الرملة الفلسطينية فلم يجد فيها أحدا فاتجه نحو غزة فدمرها وحاصر العريش ثم حاصر يافا وهدم أسوارها .

وحين عاد إتسز إلى دمشق الحزينة لم يجد فيها سوى ثلاثة ألاف إنسان بعد أن كان سكانها يقارب الخمسمئة ألف . وكان فيها خبازان بعد أن كان العدد ثلاثمئة وهبط سعر البيوت لأنها لا تجد من يشتريها .

كل هذه الظروف والظلم والفاقة والحزن والأسى والإجرام مهد الطريق للغزو الصليبي الذي اجتاح المنطقة بعد سنوات قليلة من هذا التاريخ .

إتسز كلمة تركية مركبة من كلمتين تعني من لا أب له ولا اسم . وكانت النساء العثمانيات تطلقنه على من مات لديها عدة أطفال وبقي أحدهم حتى يتوه عنه الموت فلا يخطفه .

أما إتسز فكيف مات ؟ إليكم الحكاية . شعر إتسز في مرحلة من حياته بالضعف وخاف من انتقام الفاطميين فاستنجد بالعباسيين والسلاجقة . فأنجدوه وبعثوا إليه شقيق السلطان السلجوقي في ذلك الوقت وكان اسمه تتش فاستقبله إتسز أحر استقبال وفي الليل قام تتش بخنق إتسز بوتر قوسه في قلعة دمشق التي بناها .

وهكذا انتهى ذكره المشؤوم في غمضة عين . داس عليه التاريخ ومحاه من سطوره لتبقى أوابد دمشق شامخة تروي للأجيال القادمة حكايا الألم والحب.

لا تعليقات

اترك رد