في القصة القصيرة جداً !

 

مع الـ : ق ق ج نحن أزاء نصّ مراوغ، نصّ يوحي بالسهولة، بسبب من قصر متنه ربّما، بيد أنّه في المُمارسة يتكشف عن صعوبة ما بعدها صعوبة، فهي تتأسّس على ضبط صارم يسوسها، سواء أكان ذلك على مستوى الحدث، أو في لغتها ،أو على مُستوى الزمن، ما قد يغري بالمُقاربة ممارسة أو تقعيداً، ذلك أنّها لم تتبلور بعد على المستويين، فهل نشير إلى أنّها تتطلب قدرة هائلة على التكثيف، ما يربأ بها عن إنشاء مجانيّ يثقل على كاهلها الغضّ، وبالتالي عن ترهّل مقيت لا يحتمله حجمها!

ربّ قائل ولكن أليست الأسس ذاتها، التي تحكم القصّة القصيرة أيضاً!؟ هذا إذا لم نذهب إلى أنّ الأجناس الأدبيّة كلها تتكىء على اقتصاد ينأى بها عن الترهّل؟! ثمّ أنّ القول بمبدأ الحذف والاصطفاء – أي أن نحذف ما هو عارض بحسبنا، ونصطفي ما هو جوهريّ – يحكم هو الآخر – مُختلف الأجناس الأدبيّة، غير أنّنا نقول بأنّه في الـ : ق ق ج يرقى إلى خانة الضرورة القصوى، ذلك أنّ أّيّ نتوء في متونها يُطيح بها ككلّ!

يقوم العمل الفنّيّ – أساساً – على تحويل التجربة إلى ذكرى، والذكرى إلى تعبير فنيّ، لكنّنا في الـ : ق ق ج محكومون باختزال شديد، قد يتجاوز التكثيف إلى مفهوم التأبير، كمفهومين ينتميان إلى مقام الشعر، وبخاصة قصيدة النثر، فماذا إذا تفكّرنا في تعريفها تعريفاً يُفرّقها عن الأجناس الأخرى!؟ مرّة أخرى سنجد أنفسنا عاجزين عن تعريفها تعريفاً جامعاً مانعاً، فقد تكون حدثاً شديد الضبط في زمنه على وجه العموم! ولكنّ ألا ينطبق ما تقدّمَ – من كلام – على القصة القصيرة أيضاً!؟ على زعم منّا بأنّ كلمة ” شديد ” تمنح الـ : ق ق ج علامة فارقة، ما يزيد اللوحة المُلغزة إبهاماً، ثمّ أنّنا مُجبرون على الاعتراف بأنّ هذه التعاريف – في اتفاقها – أنشأت تغيم، ربّما لأنّ القصة القصيرة ذاتها بدأت تغادر محطة الحدث، لتنعطف نحو خانة اللحظة أو الحالة، أي نحو شكل غاب الحدث – عن متنه – أو كاد، وذلك في اتكاء غير مُعلن على تشبّه بتيار الوعيّ، مُتاخمة – بذلك – الشعر بحدود وإذاً فنحن – إذ نتجاوز الحجم – سنتساءل أن ما الذي يُكسب الـ : ق ق ج خصوصيّتها كنمط خاص من القصّ!؟

إنّنا أذ نسمها بالمراوغة، إنّما نرى بأنّها أوهمت الكثيرين بسهولتها، لتتكشف لهم عن سهل مُمتنع، يتأبّى على التطويع والتشكيل بسهولة، ولكن ما هو نسب الـ : ق ق ج!؟ أهي ابنة شرعيّة – أو غير شرعية – للقصة القصيرة، أم أنّها تشرك مع هذا النسب بنوّتها لقصيدة النثر الكريستالية!؟

تعالوا نتفق في قضية خلافية كالأدب، أنّ الـ : ق ق ج لم تستو على عودها بعد كما أسلفنا، أي أنّها تتوضع في خانة التشكّل، سواء أكان – ذلك التشكّل – على مُستوى المُمارسة أو على مُستوى التقعيد، هذا إذا تجاهلنا غير رأي يُنكر عليها انتماءها إلى مملكة القصّ أو جنته، لا سيما أنّ توأمها – أي قصيدة النثر – هي الأخرى محلّ إنكار عنيد يخلص إلى إقصائها عن فردوس الشعر، فإلامَ يرجع هذا المُشْكِل!؟ أهو تلخيصُ أنّنا أسرى العادة مثلاً، أم أنّنا رهن خوف له ما يُبرّره على مُستوى علم النفس، ربّما لأنّ النفس إذ تركن إلى المألوف، تنأى بنفسها عمّا تجهله!؟ أي عن جديد يهزّ القارّ الذي ثوى في الأعماق على تسليم!؟ ولكن ألسنا بهذا نناقض حركة التأريخ في معرض تطوّره!؟

نحن لسنا بصدد إنكار ردّ فعل مضاد، تخلق بسبب الكمّ الهائل من الـ : ق ق ج، الذي وصلنا في أردأ نماذجه، ولهذا سنقول بأنّنا مُطالبون بأن نُشرع صدورنا للرياح التي تهب من غير جهة .. كيف، ولماذا!؟ وفي كيف نرى أنّ اكتناه مفهوم التطوّر، الذي يسوس حياة البشر، بما هُمُ كائنات عاقلة، مُنحت نعمة التسآل، فلم تركن إلى السكون الآسن، قد يُشكّل جواباً مقنعاً عملياتياً! أمّا لماذا تلك فلكي نمنح الجنس الوليد الفرصة ليعيش أو يموت، ذلك أنّه سيتلاشى من تلقاء ذاته إن لم يتحصّل على مقوّمات الحياة، وذلك من غير أن ندّعي – مُسبقاً – بأنّ ولادته قيصريّة!

على هذا سنتساءل إن كان الوقت لاستنباط الأسس التي نفترض تواترها في الـ : ق ق ج لمّا يأزف بعد!؟ وفي الجواب سنذهب إلى أنّنا – ربّما – كنّا معنيّين بتلك الأسس بدءاً بالعنوان ذاته، إذ نتوّخى منه – عبر نظام سيميائيّ، أي نظام من العلامات والإشارات – أن يوحي بفضاءات النصّ، من غير أن يفضح أسراره كلها، لكي لا يقتل لعبة التشويق التي ينهض عليها أساساً، مُذكّرين بأنّ غياب هذه اللعبة قد يفقده القدرة على توريط القارىء في تواطؤ مُضمَر ينتهي بـ / أو يفضي إلى قراءة المتن لتحرّي عوالم لاطية خلفه، ذلك أنّ علاقته بالمتن لا تقوم على التجاور فحسب، بل أنّها تقوم على اشتباك عناصر العمل الفنيّ في وحدة لا تنفصم، بشكل يمحضه وظيفة معرفيّة أيضاً، ناهيك عن أنّه يُكسب النصّ غنى في الدلالات، ولن ندّعي بأنّها مهمّة سهلة!

إنّ اجتراح نصّ من الـ : ق ق ج يستدعي – بالضرورة – ذكاءً في التناول، ذكاءً يمكّن القاصّ من التقاط لحظة المُفارقة، تلك التي يتأسّس عليها العمل الفنيّ عادة، على أن ننأى بأنفسنا عن الوقوع في مطبّ التضاد ، ربّما لأنّ التضاد – لوحده – لن يُنجز قصّة قصيرة جداً، فنتجنب وهماً زائفاً مفاده أنّ التضاد هو الـ : ق ق ج في خطل بيّن!

وبالاشتغال على مفهوم الضبط – حفراً – بالمُمارسة والتقعيد، سنذكّر بأنّه يتشبّه بتكثيف هو في أصله خصيصة في قصيدة النثر، أما إذا رمنا تبسيطه للعموم، فسنوجزه في مقولة تتلخص في : ” أن نعبّر عن أكثر ما يُمكن من المعاني بأقلّ ما يُمكن من العبارات “، مُترسمين الطريق إليه عبر كمون جمّ من الدلالات، تقوم عليه اللغة في لعبة الظهور والاحتجاب، وذلك عبر طيف واسع من الإيهامات والإيماءات والإحالات، إذ أنّه سيُحيلنا – من كلّ بدّ – إلى الخوض في لغة القصّ، لنذهب إلى أنّها ينبغي أن توكأ إلى الشاعريّ، لأنّ الشاعريّ يقوم على المُجنّح بأفيائه وظلاله وتورياته، وإلاّ فكيف له أن يوحي بما لم يأتِ عليه النصّ تصريحاً!؟ هل نحن بصدد الزعم أنّ لغة القصّ ستنأى بنفسها عن التعبيريّ الدال والمُنضبط !؟ أبداً، وإلاّ فكيف سنُطالب ” مُقترفي ” هذا الضرب من القصّ – باعتماد هذا وذاك – باقتصاد لغويّ صارم كنّا قد جئنا عليه، إذا لم يحلّ الإيحاء محل المُباشر، ما يمنح المتن آماداً وسيعة لا تحدّ، آماداً تتاخم لعبة الانزياح على مُستوى اللغة، والإحالات على مُستوى التعبير!؟

ربّ متسائل مهموم بما يفصل هذا الجنس عن قصيدة النثر الكريستاليّة، لا سيما بعد أن خضنا في قصة الحالة أو المناخ، لنقرّ بأنّنا نواجه سؤالاً مشروعاً وذكيّاً، فهل نُوجّه الإجابة نحو مُمارسة وتقعيد مفتوحَيْن!؟ أم نتحايل على الإجابة تحايلاً مشروعاً، فنستدعي الحدث – الذي تنضوي عليه الـ : ق ق ج – ليميّزها ليس عن قصيدة النثر فحسب، بل وعن الخاطرة أيضاً!

أمّا الزمن في الـ : ق ق ج فحاله من حال الزمن في القصة القصيرة، ذلك أنّه قد يأتي على الفيزيائيّ التقليديّ، ليمضي قدماً من الماضي صوب الحاضر فالمُستقبل، ولكنْ تعالوا نتساءل : ” أليست الحداثة نسقاً، واعتماد هكذا زمن يُخلّ بهذا النسق “!؟ ما يرفع التوليف بين هذا الوليد الجديد وزمن مُنكسر – مثلاً – أو دائريّ – ينضوي تحت جناح الحداثة – إلى مُستوى الضرورة!؟ ثمّ أنّ الحديث من الأساليب المُبتكرة – ناهيك عن الزمن – يضخّ مزيداً من التوتر الدراميّ في المتن!؟ وهذا يشمل المكان كأحد عناصر القصّ، حاله هنا من حال القصة القصيرة، لنقف – من ثمّ – بالخواتيم على إدهاش ، إدهاش يرجع – في أصله – إلى الاشتغال على المُفارق والصادم، بشكل يمحض هذه الخواتيم لحظة كشف وتنوير، إذ ذاك – فقط إذ ذاك – سيتحقّق للنصّ القصصيّ نقطة تقاطع تأتلف إليها عناصر العمل الفنّي في اجتماعها الوظائفيّ، وبؤرة تفجير تقوم على الكشف والتنوير اللذين أتينا عليهما!

بقي أن نتساءل : ” ولكن ما الذي تبقى من رابط ينسب الـ : ق ق ج إلى القصة القصيرة بنسب البنوّة!؟ وهو سؤال مشروع له ما يُبرّره بلا شكّ، حسناً .. ألا ينتمي النمطان إلى النثر الفنيّ!؟ ألا تتنطح الـ : ق ق ج – هي الأخرى – للمضامين ذاتها، لتقف تلك المضامين بالشخصية الإنسانيّة في إحدى حالاتها، في لحظة تندّ عن السيطرة، إذ تنبت عن الجماعة على نحو قسريّ غالباً، سواءً أكانت هذه الجماعة قبيلة أو طائفة أو عائلة، ليبدو المتن في إجماله كحداء الشخصيّة الرئيسة في تواصلها مع روح الجماعة!؟

لننتظر إذاً، وسيقدّم لنا ” مقترفو ” غواية الـ : ق ق ج الأجوبة المناسبة، حينئذ سنكسب جنساً فنياً جديداً، يتمّ التقعيد له لاحقاً، أو نئد حالة بدت مُبشّرة، لكنّها لم تزد عن كونها زوبعة في فنجان، ثم انتهت إلى زبد، مُجرّد زبد ولا شيء آخر، صحيح أنّنا – لتفاؤل في طبيعتنا – نميل إلى الخيار الأوّل، إلاّ أنّنا لتاريخه لا نستطيع المُراهنة عليه راهناً!

وفي الخواتيم قد يحتم علينا الواجب أن نذكّر بأنّنا لا نجزم بصحّة ما تقدّمَ من آراء، تحتكم إلى الكثير من الذاتيّ والقليل من الموضوعيّ، بيد أنّنا – في الفنّ وفي الحياة أيضاً – محكومون بالأمل على حدّ تعبير الراحل الكبير سعد الله ونوس، ما قد يقتضي التنويه!

لا تعليقات

اترك رد