من مظلومية الدين والمذاهب إلى مظلومية الليبرالية والحريات


 

الإنتاج الغزير لسرديات المظلومية في المنطقة العربية والإسلامية أصبح اليوم مرتكزا لممارسة الظلم على الأخر المختلف، سواء أكان بشرا أم ضد الدولة والمجتمع. وهذه المفارقة الغريبة في التحول من مظلوم الي ظالم نجد صداها في مجتمعاتا العربية والاسلامية بشكل كثيف وعنيف ومستمر لأسباب عدة سنأتي على ذكرها لاحقا. فالمظلوميات الكثيرة في التاريخ البشري في غالبها تتجه الي نوع من المظلوميات في السياسة والاقتصاد والحقوق العالمانية، بينما في مجتمعاتنا ارتكزت على الهوية والأصل والدين والمذهب. وينطلق مفهوم وشعور الفرد والجماعة بالظلم والمظلومية من الإعتقاد، ليس فقط بأن جماعتنا وديننا ووجودنا على حق، بل وأن ما يمارس ضدنا هو الظلم المطلق بكل الأحوال حتى لو أن جماعتنا تفتقد للمقاييس الأخلاقية، فالمهم والأهم أننا مظلومين وعلينا مواجهة المجتمع والدولة بالمزيد من التنازلات من أجل مصلحة جماعتنا. ورغم أننا لا ننكر تاريخيا بأن هناك جماعات قد تعرضت الي مظالم حقيقية على نحو تمييزي بأشكال سياسية واجتماعية، الا أن استحضارها بشكل عدائي وشخصي وتمييزي ضد الآخر هو الظلم بعينه بل السذاجة في جلب التعاطي مع المظلومية بشكل إنساني.

وحتى نفهم لماذا استمرت قصص المظلوميات في المجال التداولي العربي، علينا أن نفهم الذات العربية في طريقة تعاطيها مع الأزمات الوجودية التى تواجهها، فالذات العربية تعيش بشكل مقيد، فالعقل مكبل والحرية ممنوعة والجسد ممتهن والولاءات موزعة بين الدين والمذهب والقبيلة والحاكم، ولهذا تكون العدالة مجزأة ومختلفة بين اصلها وبين ولاء الإنسان لما يؤمن به دون أن يعطي للعدالة عدالتها في إطلاق الأحكام بدون مواربة أو انحياز. ولم يتخلص العقل العربي المسلم حتى اليوم من تلك المحددات لغياب سؤال الحرية في داخله الإنساني وبقاء نزعات التعصب والكراهية في أخلاقه

وسلوكه ونمط تعليمه وتدينه على مدار التاريخ العربي الاسلامي كي تحدد تعاطيه مع ذاته ومع الاخرين بشكل لا عقلاني بل دوني باعتباره فاقدا للمعرفة والعقل والفهم.

ينطلق خطاب المظلومية من إنكسار النفس وتحطيمها معنويا ومحاولة الإلتصاق بالجماعة والتماهي معها بالشكليات والطقوس الغارقة بالسوداوية والحزن وحض النفس على البقاء ضمن دائرة من الألم وانتظار الخلاص من خلال التأكيد السايكولوجي كإطلاق صفة المذهب المظلوم أو الشعب المظلوم أو الدين المظلوم وهكذا حتى ينغمس الوعي الجمعي بالمظلومية دون أن يجد لها حلا. ولعل أكثر الأمثلة وضوحا في مجتمعاتنا العربية والاسلامية داخل ضمن هذا المفهوم هو مظلومية الشيعة ومظلومية اليهود والعرب والكرد والسنة والبربر والأمازيغ والعلويون والمسيحيون ومؤخرا ظهرت في مجتمعاتنا مظلوميات المثليين والملحدين والليبراليين والحبل على الجرار.

وتلقى مثل هذه السرديات رواجا في مجتمعاتنا لأسباب عدة، يتعلق بعضها بالأنظمة والسلطات الحاكمة التى تستغل هذه الأقليات لتحقيق مآرب سياسية وضرب التيارات السياسية ببعضها البعض لإشغال المجتمع بالصراعات الداخلية وتغييب قضايا الحريات والديمقراطية وتداول السلطة، ويتعلق بعضها الآخر بالعطب الداخلي الذي يصيب تلك الأقليات ويحولها الي فعل وسلوك وطاقة سلبية. فعلى سبيل المثال استمرت مظلومية الشيعة مئات السنين لانها تملك تراث عميق من مظلومية آل البيت الموجه بضمنه ضد أحفاد معاوية أو يزيد الخ..هذا الإستمرار المفجع بالسواد واللطم والحزن يستمد رمزيته وذاكرته من معركة كربلاء والحسين الشهيد أو زينب السبية (لاحظ الإسقاط الإسمي ومفاعيله النفسية والعاطفية لدى عقل محتجز أصلا لمذهبه)، وغيرهما من الأشخاص الذين يتم احياؤهم كل عام بما فيهم الحيوانات كالأسد وغيره. وهو استرجاع تاريخي مكرر لا ينفك عن أدلجة أجيال كاملة بهذه المظلومية دون التقدم خطوة واحدة الي الأمام أو تجاوز الألم والحزن والتركيز على المشتركات الإنسانية والتعايش وقبول المغاير. ولا غرو أن تستمر تلك السردية في المخيال الشيعي الجمعي، فالعدو أو

المنافس أو الظالم هم السنة أو النواصب الذين يمثلون المخزن الداعم لبقاء المظلومية بشكل متقد لا ينطفئ مما أصاب علاقاتنا السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية بشروخ وعداوات ظلت الي اليوم بشكل مأساوي لتشكل أطول صراع ديني مذهبي بين جماعة مؤمنة واحدة في التاريخ البشري.

وفي ملهاة أخرى، يتكرر اليوم بشكل ملاصق لمظلومية الشيعة مظلومية من نوع آخر، مظلومية لا يجب أن تكون كذلك ولا أن تخطو خطاها في البكاء والحزن، ما عدا اللطم على الصدور، وربما هي مرحلة لاحقة لهم. فاليوم تعلو أصوات البعض من الليبراليين ودعاة الإنسانية والحريات والحقوق بالمظلومية التى يدعونها، وبالظلم الممارس عليهم وضدهم من الناس والمجتمع والدولة وحتى من المثقفين غير المنتمين اليهم. هذه المظلومية، وأرى أن أسميها بأسمها المناسب وهو مظلومية الإستعلاء النفاقي، لكونها تنطلق من ما يسمى بالنخب المثقفة أو المفكرة أو الناشطة سياسيا واجتماعيا وحقوقيا الي آخر هذه المسميات الخالية من أي مضمون فكري، وليت شعري أي نوع من النخب أو الثقافة تلك التى تبكى وتنتحب على وضعها دون أن تغير واقعها أو تنتج إرهاصات سياسية واجتماعية واقتصادية فاعلة ومنتجة ومؤثرة أو حتى تنتقد الأسس الثابتة وتسقط اليقينيات الموروثة التى يدعون انهم يحاربونها، أي نخب تلك التى تحارب الدولة والمجتمع والناس ثم تطلب منهم المساعدة والإسناد، أي ثقافة تلك التى ترتكز على فعل التسفيه والاحتقار والإزدراء والشتم والطعن لكل ما يخالف رأيهم حتى يبقى فكرهم هو الحقيقة المطلقة والصواب الأكمل، أي أفراد هم وقد إنغمسوا بالصفقات السياسية واللعب على الحبال الوطنية وتشويه مضامين الليبرالية والعلمانية والحريات وفقا لمعتقداتهم الدينية والقبلية ومكانتهم الاجتماعية التى لا يريدون فقدانها من أجل عيون الليبرالية والحريات والحقوق. فالسجون ليست مكانهم، وانما اللطم واتهام الكل والهروب الي الخارج وحضور المؤتمرات والسكن في الفنادق هو نضالهم الموعود.

إن الخطير في موضوع المظلوميات وجعلها واقعا لا يمكن نقده أو الغاءه، ترتب عليه أمور معنوية ونفسية ومجتمعية تمثلت: أولا، أن المظلوم بكل أشكاله، لابد له أن يبقى أسير ظلامه وظلامته ومظلوميته انتظارا للمخلص الذي سوف ينقذه ويعيد العدالة الي مجراها، وهذا التعطيل للذات يؤدى بالضرورة الي بقاء الكراهية نافذة ومستمره، وبقاء هذا الفرد متوجسا من الآخر المختلف ومنعزلا ضمن جماعته وهويته لا مع مواطنته. وثانيا، كي تستمر المظلومية يجب أن تتوافر قيم مجتمعية وثقافة مجتمعية وقوانين مجتمعية تدعم وتحض على المظلومية وتشريعها وإضفاء القداسات عليها وعلى أصحابها واستغلالها سياسيا في السباق على السلطة والبرلمان، مما يعطل بالتالي انتاجية المجتمع والعمل وإشغال القضاء والتشريع القانوني بقضايا لا طائل من وراءها أو لا تجدى نفعا للمجتمع والدولة في التقدم كما في حالة المظلومية الشيعية، أو في خلق صراعات سياسية وحزبية تعيق الديمقراطية وتخلق تشوهات في مفاهيم النقد والحداثة كما لدى مظلومية الليبراليين والملحدين الجدد. وثالثا، بقاء الصور والأشكال والتمظهرات الطقوسية يمثل علامة على الإنسداد التاريخي والفشل الحضاري الذي تعيشه الشعوب والمجتمعات العربية والاسلامية في العصر الحديث.

إن وجود الظلم واستمراره، ووجود المظلوميات وانتشارها، ليس دليلا على صحة الذات والمجتمع، بل هو مؤشر على انحدار سياسي واجتماعي كبيرين. لذا يلزمنا اليوم، في سبيل مواجهة المظلوميات الظالمة وخصوصا الحديثة، أن نفصل بين المفاهيم الحداثية وبين من يدعي تمثيلها، كما وعلينا مقاومة وتفكيك مقولات نحن الافضل وغيرنا الأسوأ واستبدالها بفكر المواطنة والمساواة والتعايش الأخلاقي. فالعدالة تقتضي أن يكون الإنسان مساويا للآخر ولا يتفوق عليه بسبب دينه أو هويته أو ثقافته، وأخيرا علينا مواجهة من يفصل الحقائق على منطقه الخاص أن نذكره بالتاريخ، وأن ليس هنالك من شئ خارج التأويل لانعدام الحقائق العلمية في العصور القديمة.

عبدالعزيز القناعي

لا تعليقات

اترك رد