سكة الموت

 

من يتخيل ان زوال النظام الحالي في العراق او اصلاحه ممكن داخليا فهو واهم، فقد نشر هذا النظام عبر ميليشياته ورجال الدين ومساعي التجهيل الممنهج واعلاء الهوية الطائفية، شبكته التي قيدت حركة الاصلاح والتغيير، اضافة الى عوامل اخرى تتعلق بالوجود الاميركي والايراني اللذين يهمهما بقاء نظام متخلف فاسد سائب ضعيف يحفظ لهم سبل تحقيق اهدافهم بالتخريب والتدمير والافقار المتواصل لشعب يمتلك من الثروات والقدرات المادية والبشرية ما تسمح له بالبناء والتقدم والتطور وتحقيق الذات والوجود، وايضا من يعتقد ان بقاء النظام الى الابد واهم ايضا ذلك ان دوام الحال ليس من قوانين الوجود اولا، وثانيا وهو المهم ان رحلة العد العكسي للنظام قد ابتدأت ليس اليوم وانما منذ اللحظة التي خرج فيها اول متظاهر عراقي عبر عن احتجاجه وسخطه نتيجة الفشل والفساد والظلم وتمزيق الهوية وانتهاك الكرامة وسحق السيادة، ورغم ان التظاهرات والاحتجاجات لم ترق الى مستوى الهوية الوطنية الهادرة ، واكتفت بمناطقيتها وبمطالبها الخدمية التي لاتعبر عن فهم حقيقي لمستوى صراعها مع النظام، الا انها كانت وستبقى اشبه بجذوة تحت الرماد، تشتعل كلما اشتدت سخونة الاوجاع او حرارة الصيف، وما الصيف القادم ببعيد، ولكن ايضا لن تكون التظاهرات مهما كانت قوية سبيلا للتغيير فاميركا وايران افقدتا الشعب ثقته بنفسه وببعضه ولطغيان الفساد وحب المصالح الشخصية، ولذلك فان التغيير داخليا اصبح ضربا من المحال..

ماهو سبيل التغيير اذن؟.. اذا اتفقنا على ان العراق اليوم ليس سوى محافظة ايرانية، وهو واقع ليس من السهل قبوله من قبل البعض، وليس صعبا رفضه من الكثيرين، فان التغيير يجب ان يكون في المركز، وانا مؤمن تماما ان الامل في تغيير وضع العراق معقود على الشباب الايراني الذي يمتلك القوة والقدرة والرغبة والفرصة مادام ضغط العقوبات الاقتصادية قائما وفعالا ايضا على تغيير نظامه، وتغيير النظام الايراني يعني فقدان النظام العراقي لاهم وسائل بقائه ودعمه رغم ان ملكيته ستكون حصرية لاميركا الا ان الوجود الاميركي وباي صورة لن يكون مانعا صعبا نحو التغيير الجماهيري الشعبي مثلما هو الحال اليوم لاسباب كثيرة تقف هيمنة رجال الدين وسيطرة الميليشيات التي ستزاح وينتهي وجودها وستبدا رحلة مطاردة افرادها كما حصل لقوى النظام السابق في مقدمتها.. اهم ما يسند اعتقادي هذا هو ان العراق يفتقد للنخبة الفاعلة ميدانيا والمؤثرة على الراي العام، اما نخبه السياسية فاغلبها ان لم نقل جميعها قد سقط في وحل الفساد وبيع الذمة او العمالة للاخرين ، حتى اصبح الجهر بالتعامل مع الاجنبي وخدمته على حساب المصالح الوطنية فخرا وشرفا ووسيلة للبقاء والحصول على المكاسب والامتيازات..

ورغم ان بعض الشخصيات المتواجدة في اوروبا واميركا قد نشطت مؤخرا للتعبير عن حراك من اجل التغيير، وعقدت مؤتمرات تدعو لتشكيل حكومة انقاذ او طواريء، وسعت للحصول على دعم اميركي لمساعيها، ورغم انها واجهت سيلا كبيرا من الاتهامات باعتبار ان خلفيتها مشبوهة او انها تسعى لاعادة حزب البعث الى السلطة، فان تلك الشخصيات وحراكها لاتمثل في حقيقتها سوى ورقة من اوراق الضغط الاميركي على النظام القائم في بغداد، وعلى ايران في نفس الوقت، وهي لاتختلف ايضا عن الطبيعة المشبوهة المتآمرة التي كانت عليها النخبة الحاكمة حاليا ايام وجودها كمعارضة زائفة لنظام صدام، وبالتالي فانها لن تكون ابدا اذا ما قررت اميركا ان تضعها كبديل، الا بديلا سيئا لوضع سيء ايضا، وفي الحقيقة وضمن قراءات الوضع الحالي فلن يكون حتى اذا ما حصل التغيير في ايران، البديل القادم في العراق افضل من النظام الحالي ما دامت الهيمنة الاميركية قائمة ومتمكنة، نحن نتحدث عن مسيرة العد العكسي للنظام، اما مسيرة الشعب فهي على سكة اخرى اشبه بسكة الموت..

المقال السابقصراع النفوذ الامريكي الايراني في العراق
المقال التالىوفاء
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد