فنجان قهوة


 

يعرّف ابن جنّي اللغة بأنها أصوات يعبر فيها القوم عن أغراضهم، والقهوة صوت أصله من قها، يقول ابن منظور في لسان العرب: أقهى عن الطعام واقتهى أي ارتدت شهوته عنه من غير مرض، وأقهى الرجل إذا قلّ طعامه فهو أقهم، وقهي عن الشراب أي تركه، وعيش قاهٍ أي رفيه. ويطلق لفظ القهوة على الخمر واللبن والخصب والرائحة والقائمة تطول، وقد سبقت كلمةُ قهوة شرابَ البن المغلي فلم يعرف العرب القهوة قبل الإسلام ولا بعده إلا بسبعة قرون رغم أنّ أصل القهوة من اليمن أصل العرب، وبمناسبة ذكر القرون يقال للتيس المسن الضخم القرون قهوان، فسميت القهوة قهوةً لأنها تذهب بشهية شاربها إن كانت بنّا مغليا أم خمرا معتقة من تمر أو عنب.

قال أبو نواس:
يا قهوةً حُرّمت إلا على رجلٍ      أثرى فأتلفَ فيها المال والنَشَبا

الغوص في أصل الأشياء حرفة لا يتقنها إلا عاشق، ولا يبصر عين فرائسها إلا باشق، فإن اشتبه عليك أمر فاٌرجع لأصله، ففي ذلك تجريد غمد العقل عن نصله، قالها الشيخ الوقور لضيوفه وهم يشربون قهوة غير قهوة أبي نواس.

القهوة امرأة غير كل النساء، هي لا تحلو إلا بوجود ضرة أو أكثر، أشربتها يوما دون أنْ تتجمع عليك الأفكار كمطر آذار؟ كل قطرة فكرة، كل فكرة ضرة تشدك اليها فالأفكار نساء تغار، وربما كانت القهوة أما تلد بناتها أفكارا، تسأل البنت أباها أأحضرت لي هدية وهي متعلقة بأحد أطرافه المتعبة، ولا يرف للقهوة جفن فهي غير كل النساء.

في محلات العطور الراقية، تتنازع عليك الروائح كالغواني، كل منها تريك بعض مفاتنها ليستقر على عنقك أو معصمك عبيرها، ولأنّ كثرة الخيارات تولد الحيرة والاشتباه، تذكرْ يا صديقي ما قاله الشيخ الوقور لضيوفه، عندها سيقدم لك أحدهم بعضا من حبيبات القهوة لتشمها فترجع حاسة الشم عندك لأصلها، فكأنّ القهوة ملكة تأمر جندها فينتظمون صفوفا، أو مقطوعة موسيقية لا مجال للحن نشاز في محرابها البهي، أو انها ببساطة امرأة غير كل النساء.

عندما تكسر حاسة قيودها تتبدل بقية الحواس تباعا، فإذا أدركت احداها ما ليس لها كخروف قفز جدولا، سارت بقية القطيع في أثره، فسق خراف حواسك الى المرعى وارعها من ” أخرجَ المرعى” فلربما رأيت صوتا أو سمعت نورا، شممت لونا أو لامست عطرا، وحسبك أنْ تتذوق المعنى، “سبح اسم ربك الأعلى”، وعند الوصول الى روضة الحقيقة، تُدرَك الأسرار بلا حواس، وما عُلم بهذه الطريقة، يصعب على أي لغة تثبيته وتحقيقه.

طوبى لمن هتك سترا وأفشى سرا.
يقول المؤرخ البريطاني الشاب بيتر فرانكوبان في كتابيه الصادرين بالإنجليزية “طرق الحرير” الصادر عام ٢٠٠٠ و”طرق الحرير الجديدة” الصادر قبل شهرين بأن الشمس بدأت بالمغيب غرب العالم لتعاود الشروق في أصله أي شرقه، والمتتبع لآثار الاقدمين يكتشف بأنّ ما يجري على الساحة السياسية والاقتصادية العالمية يكرر نفسه تكرارا مملا، فربما ثأر الأباطرة البريطانيون ومن بعدهم الأباطرة الأمريكان لسلفهم الروماني فيلاريان، عندما صعد على ظهره أحد أباطرة الفرس عام ٢٦٠ بعد الميلاد ليمتطي جواده فيأمر بعدها بسلخ جلدصاحب الروم، من ايران على شكل عقوبات، وتكتشف بأن جعجعة العالم الغربي عندما سيطرت روسيا على شبه جزيرة القرم عمرها يزيد على ٢٥٠ عاما- وصفت رد الفعل الأمريكي والاوربي بالجعجعة لأن ترامب نفسه مستعد للاعتراف بحق روسيا في منطقة القرم وإزالة العقوبات الأمريكية ضدها اذا نجحت روسيا بتحجيم الدور الإيراني في سوريا ضمن صفقة تسوية، فتقارب ايران وروسيا قديم، وأنّ الصين ، ذلك التنين الجاثم المالئ للفراغ أينما وجد، تعيد بناء طرق عمرها ألفي سنة على شكل سكك حديدية.

قال الشيخ الوقور لضيوفه وهم جلوس تحت غيمة من بخار القهوة المتصاعد من فناجين أنيقة بأن المؤرخ نفسه قد ذكر في كتابه الأول أنّ منظمات صهيونية مثل ستيرن اليهودية والتي كان أحد أعضائها اسحق شامير أرادت التحالف مع هتلر خلال الحرب العالمية الثانية ضد القوات البريطانية مقابل نقل اليهود الى فلسطين فردت القوات البريطانية بمنع المهاجرين اليهود من السفر الى فلسطين بل وقامت بتدمير سفنهم المحملة بالنساء والأطفال بعد سنوات من وعد بلفور، وزاد ذلك المؤرخ الشاب، والكلام للشيخ الوقور، بأن السبب الرئيس الذي دفع ألمانيا النازية لتجويع ومن ثم قتل ثلاثة ملايين ونصف أسير سوفيتي وكثير من اليهود هو فشل التوقعات الألمانية بأن الأراضي السوفيتية المحتلة ستنتج محصولا كافيا من القمح، فقاموا بالتخلص من الأفواه الزائدة بنظرهم. ببساطة لو توفر القمح لما حدثت المحرقة، وهنا أذكر بأنّجون بيركنز صاحب الكتاب الذي ترجمته “اعترافات قاتل اقتصادي” قد أفرد فصلا سماه انقاذ صدام لشافيزـ رئيس فنزويلا السابق- إذ أنّ أمريكا كانت تريد إزالة حكم شافيز ولكنّ احتلال الكويت حوّل نظرها مؤقتا من فنزويلا الى العراق، فما تراه الآن على الساحة الفنزويلية قديم أيضا.

بعد أن تقرأ جيشا من الكتب تكتشف أنّ المعرفة واحدة وأنّ المنطق مادة المعرفة، قالها الغزالي ومن بعده هيجل، وأقول بأنّ من المنطق أنْ تسعى لأصل الأشياء لتعرف كيف بدأت وكيف عاشت وكيف تموت، ولأنّ الأيام دول والتاريخ خبر كما قال ابن خلدون، يسعى كل ذي سلطان ومواليه من ذوي الخذلان ليحيطوا التاريخ بغابة من التفاهة والنسيان، يخفون عيوبهم ويظهرون عيوب غيرهم وعيوبهم أشد وأكبر، فعندما تتشاجر بنت مع عائلتها في بلد ما مثلا ترى الطبول قد اعتلت المنبر، وعندما يصرح مسؤول اتحاد الشباب في الحزب الحاكم في الصين بأنهم قد احتجزوا ٨٠٠ الف مسلم لأنهم يحملون أفكارا سيئة يجب مكافحتها فتلك قضية لا تكاد تذكر، وعندما تفصل أمريكا أطفال المهاجرين عن أهلهم فتلك مسألة يستحسن أنّ تُقبَر.

يقول الشيخ الوقور بأنّ الطبل آلة يشد عليها الجلد ونحوه لينقر عليه، يكون ذا وجه وذا وجهين، داخله فراغ يملؤه هواء. لمْ يعرف ضيوفه لِمَ قال ذلك واستمروا بشرب القهوة.

فسأله أحد الضيوف: هبْ أنّـا على حق، فَلِمَ الحال كما ترى؟ استبشر الشيخ بسؤال ضيفه وقال هذا سؤال جميل، وزاد: الحق هو ذلك الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتناقض، والحق ظاهر ومن أراد أنْ يكفره – يغطيه ويخفيه – سيحتاج الى مجهود كماكنة إعلامية أو سطوة سياسية، ومعركة الحق مع الباطل قصيرة، فإنّ طالت فلا يخرج الأمر عن احتمالين: الأول، أنّها معركة باطل مع باطل ولنا بمعركة المعسكر الشرقي مع الغربي، حارة أو باردة، مثل. والثاني: أنْ لمْ يستوفِ أهل الحق شروط النصر، فلو انتصر المسلمون في معركة اُحد رغم مخالفة الرماة أمر الرسول لَما كان لأمر الرسول وزن، فالنصر على قدر الاستيقاظ، ومَنْ عَمُقَ استيقاظه تأكّـدَ نصره، والسيف معلوم وموجود ولكنْ ضاقت الأيد أنْ تحمله.
وعادة السيف أنْ يزهى بجوهره وليس يعمل إلا في يَدَي بطلِ
قال العارف بالله بعد أنْ شرب قهوة من كأس محبة ربه أنّ من يقوم بالطاعات والأفعال السنية من دون لذة فتلك طاعة قد خلت من معناها، كالجوز الكثير بدون لب، وانّى تصير البذرة دون اللب شجرة؟ وإنْ دخلت جنة يا طالب الشوك فلن تجد فيها شوكة سواك.
سرُّ القمح والطين النار والصبر خبز الدرويش، تُطهى وتُحرق بالنار حتى تجد الطريق، النار تطهو الخبز والعشق يطهو الدرويش.
طابت قهوتكم.

لا تعليقات

اترك رد