معنى واهمية الفن ج8

 
اللوحة للفنان ماضي حسن
اللوحة للفنان ماضي حسن

المجتمع :
تبقى النتاجات الفنية عبر عصورها المبكرة هي ارتباط ذات الفنان مع استساغة وتقبل الرأي الجمعي للمجتمع..وهي بذلك أرتباط ملزم في غالب الأحيان بعوامل كثيرة التذوقية والعقائدية السائدة، والتحولات التي تحصل هي بفعل العوامل الطارئة والصاخبة التي تدفع المنتج الى التحرر واجراء تبدلات مستحدثة تساير شعوره وشعور الآخرين من المجتمع كذلك، يأتي بعرض القضايا الاجتماعية والسمو بتلك القضايا إلى إبداعية فنية جمالية، ومضمونية، يصور تلك اللحظات والأحداث النادرة ليستنبط جوهرها الذي خفي عن الجمهور. أن حضور الفنان يكون مقروناً بمقدار إنتاجه ومدى مشاركته وفعاليته وتأثيره، فالفن عند الفيلسوف الألماني “بومجارتن ” محاكاة للطبيعة، وقد وحد علم الجمال وعلم المنطق في مصطلح واحد هو علم المعرفة وهذا الكل يتوحد عن طريق الفنان من خلال موضوع متماسك هو ثورة العرض الفني في تجميع الوحدات العاطفية والصورية والقيمة الجمالية للعمل الفني تتناسب مع الحيوية الحدسية للصفة المنصهرة للتجربة التي تبعثها. والمشاركة الوجدانية لا تجعلنا نشعر بالآخرين فحسب بل تجعلنا نهتم بالمحاكاة لأنها طبيعية بالنسبة لنا وهذا قائم في أساس فن التصوير والنحت والشعر اضف إلى ذلك ان الغموض هو خاصية الأعمال الفنية وجهلنا بالأشياء هو الذي يسبب إعجابنا ويثير انفعالاتنا.

البيئة :
هي الأجواء التي يعيشها الفنان ويتفاعل مع مظاهرها وأحداثها، فتترك تأثيراتها في أعماله الفنية أو ربما يكون الفنان قد عاش في بيئتين متباعدتين فكان لحياته التشكيلية وجهان وجه عانى فيه التأخر والجهل والكبت، والوجه الثاني من الحياة التشكيلية حيث التطور في أسمى مظاهره والحرية بأوسع معانيها في ظل أنظمة منفتحة. كان حصيلته التعبير بصدق فني في تجسيد البيئة المعاشة ومنحها رؤى وأبعاد جمالية يراد بصدق التجربة أن تنبعث من سبب صحيح غير زائف ولا مصطنع ، فالموت يبعث اللوعة في النفس، والنجاح في العمل يثير شعوراً بالفرح والسعادة، المآسي الإنسانية تثير شعوراً بالتعاطف والحزن العميق، والمناظر الجميلة تفتح النفس على نوافذ الدهشة والمتعة تغذي الروح بالأحاسيس السامية. وإذا اعتبرت البيئة مدرسة للفنون لا يتعلم فيها كيف يرسم بقدر تعلمه كيف يلاحظ نفسه وهو يرسم وذلك حتى يستطيع رفع فعل الرسم من مستواه النفسي الطبيعي إلى مستوى الفن بأن يصبح واعياً به ومن ثم يستطيع تحويله من تجربة نفسية إلى تجربة واقعية، والفن لا يمكن أن يقف موقف عدم مبالاة بالحقيقة، فهو أساساً يرمي إلى بلوغ الحقيقة.

الخيال :
بالرغم من أن الخيال ينحو بأتجاه واسع من الأفق تسرح فيها البصيرة والفكر والتأمل كونها قوة مدركة لخفايا الحياة، الا أنها تحلق فوق أساسيات الواقع وأصوله الحقيقية، فعندما يقال في الحديث العادي أننا تخيلنا شيئاً ما فأن ما نتخيله ليس دائماً من الأشياء “غير الموجودة بالفعل ” فمن يستطيع الرؤية بالفعل ويتعذر عليه التخيل لن يرى عالماً صلباً متماسكاً من الأجسام بل سيرى ألواناً مختلفة منظمة بوسائل شتى وعلى هذا يتضح أن الخيال ملكة لا غنى عنها لمعرفتنا بالعالم المحيط بنا. فالخيال له قابلية التوليد والتجريد والملاحظة والجمع والإلغاء والحلم وهو القدرة على أستنباط صور تتعدى الواقع وتتغنى به، وهو المجال الطبيعي للأبتكار والإبداع الفني وهو يحقق الشكل الأسمى للحرية، وتصبح أعمق صدقاً من واقع الحياة فعندما تكون منقلبة إلى أحساسات مؤلمة أو لذيذة تبرز القيم لمبدعات الخيال المتجسدة في التماثيل واللوحات. تحاكي تلك الأفكار الخيالية الشعور الوجداني والنفسي بالاشعور والعقل الباطني.. حسبما اشار اليه (سيغموند فرويد) ومن ضمن هذه المدارس السوريالية والتعبيرية والأعمال الرومانسية التي تحلق بعيداً في الخيال..وفي الوقت ذاته هناك حالات من الخيال يزيدها الوهم وعندما تجيء اليقظة ينزاح الوهم ويبقى الخيال للأفكار الثابتة حيث يتم التمايز بين المحسوسات الحقيقية والمحسوسات المتخيلة غير الخاضعة لارادتنا، فالخيال تعبير عن موقف روحي يعمل على تفكيك الصور العقلية وإعادة تركيبها في صور إبداعية من جديد، فلا يمكن للخيال ان يعيش بحال من الفراغ بل يتعامل مع كافة الوان النشاط الروحي للإنسان، فالتأمل هو اقرب ما يكون للخيال الذي يصور ما سيكون عليه المستقبل، والفن التأملي هو الصيغة التنفيذية للتخيل. والتخيل هو القدرة لدى الفنان على التركيب من عناصر الواقع لطرح شيء جديد، والفنان يمارس هذه القدرة في الذهن ثم يحاول ان يجسد المركب الجديد في العمل الفني و يطرح تصوراً جديداً يستهدف به تغيير الواقع في العالم .

التراث :
الماضي الموروث الذي يؤثر في الإبداع بما يحمله من أشكال ثابتة متعلقة بالنوع مما يؤثر على التجديد في الشكل والصياغة والأسلوب والقيم الجمالية، ويشمل القناعات الأدبية والفنية والثقافية واللغة، و براعة الفنان في استغلال التراث لإضافة جديد يصبح هو أيضاً تراثاً جديداً و يطالبنا ” هيدجر” بان يحملنا التراث لا أن نحمل التراث، والتراث قد يكون شفاًهياً وقد يكون مكتوباً وهو يدخل في صراع مع الأصالة، يقوم الفنان المعاصر باستحضار تلك الفنون بروحية جديدة تلاءم المستوى الحضاري وتحاور الجيل بلغته المتطورة فكثير من الفنانين تثيرهم أحداث بعيدة عنهم مكانياً و زمانياً او تحفزهم دوافع متخيلة فيستجبون لها. إن كل فنان لابد من أن يسقط منه في كل تيار أثر فني، فهم ينتجون لدوافع باطنية تتحكم في العمل الفني، ومن جهة أخرى فالفنان حين يصطدم فجأة بعقبة مجهولة فيشعر بعدها بإخصاب في قدرته الإبداعية بعد أن يحول إحساسه إلى استجابات حركية ثم يجسد تلك الاستجابات في لوحة أو تمثال من الرخام .

الأحداث :
أن الأثر الفني الناضج لا يظهر حينما يكون الفنان تحت تأثير صدمة الأحداث او نشوة المناسبات، بل يتكامل تدريجياً بعد فترة تكفي لاختمار تلك الحوادث في مخيلته خاصة الحوادث الطارئة والمفاجئة التي تهز الفنان بعنف، فيكون لها صدى عميق في نفسه وتأثير بعيد على مشاعره فيتأثر بها سريعاً و ينفعل بتجاربها، وان سر عظمتها لا يكمن في تقنيتها وألوانها وأشكالها فحسب، بل في عمقها وحركتها مع الزمن ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فهو الممر العميق إلى الحدس الجمالي ويعني الشعور المتوافق الجديد مع الأشياء والإحساس بضرب من الوئام بين الفكر والوجود مع تجاوز مستوى الفعل والتجرد عن مطالب الحياة العملية، فالحدس هو المشاركة الوجدانية التي بمقتضاها ننفذ إلى باطن أي موضوع لكي نتطابق مع ما في ذلك الموضوع من أصالة فريدة وهي شعور مباشر أو رؤية لا تكاد تتميز عن الموضوع المرئي، فهي في صميمها تماس ان لم نقل أنها تطابق واتفاق، وهو حدس عقلاني تحول إلى حدس موضوعي .

والحدث هو السلسلة الرئيسة للأحداث التي تشكل العقدة وهو راجع إلى ترابط الأفكار من خلال العلة والمعلول، على أن الفن يجب أن يجد الحقيقة مهما كانت هذه الحقيقة فيما هو حاصل ومهما كان الثمن بكل ما في الحياة من فقر وعنف ويأس على مدى امتداد الإدراك الحسي، لهذا فان الفن عيان مباشر واستيعاب مباشر .

التذوق في الحياة الفنية التشكيلية :
التذوق هو إحساس باطني وظاهرة دائمة عند أغلب الناس الذين يستجيبون الى أشارات الأثارة التي تبثها مصادر القيم الجمالية الطبيعية والفنية..أنه تقديرجمالي فني يتم الأستمتاع به وهي شعور بوجود نوع من الأنفصال بين العمل الفني والواقع من جهة وبين العمل الفني والمتلقي أو المتذوق من جهة أخرى ويجري أستشعار العمل الفني على مسافة، بمعنى أنه يتم تذوقه وتقديره جمالياً وعلى إلا يختلط بالواقع وهو يرجع إلى “كانت” في كتابه ” نقد ملكة الحكم ” كما نشر “بولو” عام 1912 مقالاً بعنوان (المسافة المادية كعامل في الفن) والمبدأ الجمالي، والمسافة الجمالية عنده لها جانبان سلبي وهو طرح الموضوع بمعزل عن الحاجات العملية وجانب إيجابي هو تطوير تجربتنا على أسس جديدة. والمسافة الجمالية ترتبط بالانطباعات التذوقية التلقائية، فالتذوق يرهف مع السنين لدى الفنانين الحقيقيين، ويزداد سرورنا بالآثار الفنية التي بلغت الى نقاوة الصورة، فيصبح الفنان أقل رضى بما يعمل، و يصبح المشاهد أقسى حكماً على ما يتذوق، ولكنه إذا اعجب بعمل فني كان إعجابه عميقاً وكانت حماسته عظيمة.

الخبرة الفنية هي المعرفة التي يحصل الفنان عليها نتيجة تجاربه في حقل الفن واحتكاكه المباشر بالمجتمع العام وبمجتمع الفنانين الخاص ودراسته لروائع الفن وبحوثه لمراحل الفنون. إن الخبرة مقياس دقيق لمعرفة أصالة الأثر الفني فهو يتيح لنا التفريق بين الروائع الفنية وبين الآثار الفنية المقلدة والمزورة وتعطي التمييز بين نتاج الفنانين الأصلي ونتاج مقلد له، في عصر خلفت أزمانه المادية مزورين بارعين، فأسلوب الفنان المبدع هو مسحة فنية لا يمحى أثرها حتى لو حاول الفنان التخلص منها ومهما طرق الفنان مواضيع متباينة فان الملامح تبقى نابضة يدركها المتذوق الخبير من نظرة عابرة ويتحسسها المشاهد الواعي خاصة إذا كان على دراية بين “التكنيك” وبين الأسلوب.” فالتكنيك” مهارة ادائية إبداعية بينما الأسلوب مهارة ادائية، فيها لمسات من التقليد. والفن هو التعبير عن المستحيل الممكن، لا الممكن المستحيل، والمستحيل المقنع أفضل من الممكن الذي لا يقنع، فرغم وجود أيدولوجيات لنزعات فنية مثل الفن الضد ANTI-ART نوع من الفن يهاجم كل الأشكال التقليدية في الفنون بل وحتى مفهوم الفن نفسه، والفن للفن ART FOR ART`S SAKE التي تؤمن بأن العمل الفني قيمة ذاتية دون هدف أخلاقي أو تعليمي ، والفن يخفي الفن. أتى هذا التعبير في اللغة اللاتينية أي أن خير الفنون هو الذي يبدو تلقائياً رغم أنه نتاج جهد شاق من جانب الفنان ويسير مع هذا أن الكتابة الشاقة تفضي إلى القراءة السهلة وعلى هذا تكون الفكرة ذائبة في العمل الفني. أوضح ” فنكلشتين سدني” FINKELSTEIN SIDNEY (1900\1974) الناقد الأمريكي في كتابه الواقعية في الفن، أن الواقعية هي الرؤية المتقدمة في كل عصر داخل الفن، و يرى أن الفن يربي الحواس من خلال الواقع محولاً المجهول إلى معلوم وزيادة الوعي والفن هو شكل متخصص من العمل الإبداعي وتاريخ الفنون هو سجل للمراحل المتعاقبة وبه يستكشف الناس العالم الخارجي واكتشاف صفاتهم وقدراتهم كبشر، والفن يحاول أن يكشف العالم الداخلي على نحو متطابق مع العالم الخارجي، والجمال هو الوعي بتطور الحواس الإنسانية التي تطورت استجابة لتقدم اكتشاف غنى العالم الخارجي، والانفعال الجمالي وإدراك الجمال هما الوعي الفرح بالقفزة الشديدة للقوة الإنسانية. ولما كان شأن الرسام والفنان بصنع الصور، فينبغي عليه بالضرورة أن يتخذ دائماً إحدى طرق المحاكاة الثلاثة فهو يصور الأشياء كما كانت او كما هي، او كما يصفها الناس، وتبدو عليه او كما يجب أن تكون .

في النتيجة كخلاصة إلى تنوعات وجهات النظر حول معنى ألفن – وعلاقته بالتقدير الجمالي – والاستساغة التقبلية والتقييم التذوقي، يبقى مرتبطاً، بجوانب التقبل الفردي وتاريخنا وتقاليدنا المتنوعين. إن كنا ذوي حكمة، سنطالع وننصت بروح منفتحة، وإن ارتسمت على وجوهنا تعابير التجهم والنفور، لكننا سنظل دوماً نحتفي بتنوع المخيلة الإنسانية وإنجازاتها. وهنالك صلة مترابطة بين مفاهيم (معنى) الفن وبين مفاهيم (أهمية) الفن فعندما أشرنا في سياق حديثنا الآنف الذكر، بأن معنى الفن مرتبط بصلته التأريخية في حياة الأنسان، منذ أن رفع رأسه من الأرض ليتأمل الفضاء والأرض في الأشجار وموجات المياه وسحب الغيوم وتنوعات الألوان ومخلوقات الكائنات الحية..تلك المرحلة رفعته من منزلة المعايشة مع الكائنات الاخرى التي تجري مسار حياتها على وفق غرائزها وأحتياجات العيش من الطعام والصراع بين الأطراف الأقوى مع الأدنى، وأرتبط الفن مع بدايات التسليح البسيط من أدوات الدفاع والأستثمار بأبسط تصاميمها الى مراحلها اللاحقة المعاصرة التي اقترنت معها التصاميم الجمالية الفنية بكل أنواع الحاجات الضرورية للأنسان من آلات وملابس وعمارات وكل مجالاتها الصناعية والفنية الجمالية..التي أرتبطت بوسائل الحاجات الضرورية والأشكال الفنية المرتبطة بالأفكار والعقائد..تلك المرحلة تلتها مرحلة الأهمية التي توازنت بين المعنى المفاهيمي لمفهوم الفن وبين أهميته الأساسية التي تزامنت مع الحياة البشرية منذ النشيء.

المقال السابقالرقابة وأشكالها
المقال التالىظاهرة الفساد والأنظمة السياسية
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد