رائحة قميص عاشق

 

تعجبت من لباسها الغير معتاد والذي يبدو من مظهره أنه رجالي بعض الشيء لكني تحرجت من سؤالها ولا يحق لي..لكنها بذكائها المعتاد عرفت ذلك في عيناي فسارعت بتأكيد ما كنت أشك فيه..وقالت:”هذا قميص حبيبي اعتدت على لباسه وقت غيابه عني لأن فيه رائحته”.. أصابتني دهشة وضحكة وفخر.. وتساءلت بعيدا عنها: هل للحب رائحة تربطنا به حتى لانقبل فراقها؟.. وما أجمل هذا الرقي في التعبير عن المشاعر خاصة أني عرفت منها أنها تضع أيضا من “برفيوم” هذا الحبيب كلما غاب استئناسا به.. يا الله.. “عشق يغلفه وفاء ورائحة للحبيب أينما ذهبت صاحبتها”..

وعندما نبحث في حياتنا وتفاصيلها نجد فعلا لكل ذكرى حلوة رائحة نحب شمها ونربطها دوما بالذكريات الحلوة والهادئة عندما كانت أحلامنا طفولية نقية.. نظرة من حبيب..أو كلمة أو جواب عليه “ريحة” أو جواه وردة أو قلب صغير مكتوب فيه كلمتين..

لبيوت الجدات العامرة بالخيرات رائحة معروفة.. وللجد والجدة روائح عطرة دافئة تؤنس تواجدنا عندهم.. للأم رائحة لاتخطئها أنف ولا قلب.. عندما نغوص في حضنها يلفحنا عطرها الحنون.. وللأب أيضا رائحة جميلة تشعرنا بالقوة والاعتزاز ونحن بجواره أو في حضرته..

في صغري غاب عني أخي الصغير عني وكان رضيعا فترة من الزمن بسبب سفر..كنت كل ليلة أمسك “هدومه” وأشم رائحته الطفولية وأبكي اشتياقا له.. وتكرر الأمر معي كثيرا.. بعد انتهاء كل مرحلة دراسية والتي عرفت كلها قصص حب ..انتهت للأسف مع انتهاء الدراسة لأننا كما قلت كنا أطفال حتى في أحلامنا.. بعد التخرج كانت لي “أجندة” صغيرة أسجل فيها كل شاردة وواردة حتى اكتشفت إني كتبت شعرا وأغاني وقتها..كنت أحب قراءتها من وقت لآخر وكانت لها رائحة مميزة تستحضر معها كل موقف أو حدث جميل..

حتى الأماكن التي نحبها لها روائح لا ننساها.. شط إسكندرية وريحته الحلوة.. مصيف رأس البر وجمصة.. قهاوي وسط البلد.. عربات الفول والكشري.. الدرة المشوي.. بيوت النوبة وتماثيل الأقصر وطيبة أهل أسوان.. وتتجدد الذكرى مع كل زيارة حتى لو تغيرت معالم هذه الأماكن..

في القرآن العظيم موقف جميل جدا عن رائحة الحب.. يتلخص في قصة نبي الله يوسف وأبيه يعقوب “عليهما السلام”.. ولما عاد إخوته وكان أباه قد فقد بصره.. قال: “إني لأجد ريح يوسف..” وقال كان يبعد عنه مسيرة ثمان ليال.. عرف ابنه بريحة مؤكد أنها مميزة عنده كانت قد نقلته له الريح..

..أحيوا الذكريات بتذكر روائحها.. فللحب الأول رائحة لا تنسى..رائحة أول جواب غرامي.. أول مسجد صليت فيه..أول عمرة أو حج.. ريحة الكعبة.. ريحة أكل الحبايب… ريحة الشتا والصيف والخريف.. ريحة التلج وريحة شط إسكندرية.. ريحة الحبيب اللي بتفكرك بتفاصيله..

.. “الروائح تحيي القلوب والأرواح فلا تهملوها”

لا تعليقات

اترك رد