المبادرة المفقودة


 

الاختلاف والتنوع والتعددية في الأفكار والمعتقدات والحضارات لم يكن وجودها نابعا فقط من استيعاب مبادئ حرية الرأي وإبداع الفكر وإيقاد العقل في التفكير والصناعة والتحليل والتجريب. بل كانت قبل ذلك تحمل روح المبادرة في داخل الإنسان، في التغيير والتجربة والبناء والنهضة. فالمبادرة كما جاء تعريفها في قاموس المعجم الوسيط هي “القدرة أو الميل المطلوب لبدء شيء ما مثل تجارة ، أو عمل …. الخ يقرره الشخص”.

وتكمن أهمية المبادرة في الإختلاف وفي إحداث وصناعة أمور غائبة عن العقل البشري، كما وأن المبادرة فعل يساهم في تقديم الحلول المتعددة التى تواجه الإنسان والمجتمع. ولهذا حملت العديد من التجارب الدولية والمحلية مبادرات مختلفة في السياسة والتعليم والاقتصاد والتنمية والثقافة الوطنية. إلا أن الكثير من المبادرات وخصوصا في مجتمعاتنا العربية تكون حبرا على ورق أو عرضة للإستنزاف الحكومي والمجتمعي وهيمنة الفساد والمحسوبيات على برامجها وخططها.

في المجتمعات المتقدمة والحاملة لقيم الفردانية والصناعة والعقلانية والحريات، تزدهر الديممقراطية وتتراجع السلوكيات الاستبدادية، حيث تسود قيم المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص وتداول السلطة وبسط هيمنة القضاء والبرلمان على الفساد والغش والتلاعب. لهذا يصبح من المتعذر ان يواجه الإنسان أي عقبات في طرح المبادرات الفردية وتنميتها وخصوصا في مجالات العلم والمجتمع والتطوع وغيرها من القضايا التى تهم المجتمع والدولة، لأنها مبادرات سوف تمر في مختلف القنوات الرسمية والمجتمعية التى تؤكد صحتها وفائدتها من عدمها، وبنفس الوقت لا يخشى الفرد من سرقتها من المشاهير أو من الحكومة، ونستثني هنا بالطبع المبادرات السياسية التى تدور في فلك المكر السياسي والإستفادة من مناطق الثروة وشراء السلاح، حيث تكون مثل تلك المبادرات مجرد صفقات لتنمية الشركات الدولية أو لإحداث تغييرات سياسية تطال الحكام الفاسدين وتمكين الديمقراطية السياسية في المناطق المنكوبة.

بينما من ناحية أخرى، في المجتمعات التى تسود فيها التنظيمات الهرمية مثل الجماعات العقائدية والقبلية والفئوية والطائفية، يصبح من المتعذر على الإنسان أن يحظى بمساحته الخاصة للحرية والابداع، وبالتالي تتقلص هنا كل جهود القيام بالمبادرات الفردية وحتى المجتمعية لانها تكون محاصرة بنظم دينية واجتماعية وسياسية تراقب وتمنع كل ما يتعارض مع محدداتها الايديولوجية، وهو ما يجعل من حصيلة الحراك الفكري والعلمي والحضاري في المجتمع يقترب من الصفر أو العدم كما هو حاصل في بعض مجتمعاتنا العربية القابعة في أسفل مؤشرات الابداع والتنافس والانتاج. وهو ما يقود بالتالي الي اضعاف قدرة المجتمع على تحقيق التنمية والنهضة المستدامة. ونستثني هنا بعض المبادرات الفردية الخاصة لبعض الشباب والشابات الذين كافحوا وقدموا أفضل ما لديهم في مجال التصنيع والانتاج والابتكار حتى وصلت أفكارهم الي العالمية لتستقطبهم الدول المتقدمة وتحضن إبداعاتهم. كما أشيد بالمبادرات الشخصية في دبي وحاكمها محمد بن راشد الذي أستطاع فعلا القيام بتبني الكثير من الطاقات والأفكار الخلاقة لجعلها حقيقة على أرض دبي بعد أن دعم وصنع البيئة الحاضنة لمثل تلك المبادرات والمتمثلة في التمويل وتقليص الدورة المستندية وتمكين الثقة بين الفرد وطاقته المبدعة.

إن شعوبنا العربية اليوم، تعيش في عصور ما قبل الصناعة بضعف قدراتها على الانتاج والصناعة والتفكير، ورغم حصول بعض الدول العربية وخصوصا الدول الخليجية على مال وفير من النفط من دون عناء يذكر في استخراجه واستصناعه، الا ان الشعوب العربية عامة تميل الي انفاق أموالها على نشاطات استهلاكية وليس انتاجية، فتشييد البنى التحتية الحديثة لا يشفع ابدا في التقدم طالما ان الموارد البشرية في تلك المجتمعات يتم تهميشها وتجهيلها وتغييبها عن دورها المحوري والمركزي في

التقدم وصناعة التغيير بأيدى وطنية وكفاءات عقلية يتم لها فتح الابواب لخوض مغامرات الابداع والانتاج والصناعة بدون قيود وبدون روتين الحكومات المتعارف عليه في مجتمعاتنا والمعطل الاساس في إطلاق العمل الفردي. إن الثقة الاجتماعية بين الحكومات العربية وبين مواطنيها غائبة تماما في مجال العمل الحر وهو ما أنتج بالتالي رأس مال بشري فشل في تحقيق التنمية الاقتصادية وتقليل الاعتماد على النفط وغيره من الموارد الطبيعية الجاهزة، ونجح في زيادة أعداد البطالة المقنعة والتكدس الوظيفي والعمل الحكومي غير المبدع والفساد الرسمي والشعبي في مختلف الأماكن.

وبدلا من أن تعمل الأنظمة العربية على تبني استراتيجيات تنموية تقوم على إحداث تغييرات اقتصادية هيكلية قوامها تمكين الشباب من إطلاق مبادراتهم الفكرية والصناعية، وتغييرات وتحولات ثقافية واجتماعية وسياسية واسعة في مجالات الحرية والديمقراطية ودعم الابداع وجهود التصنيع، إلا أنها رفضت هذه الخطوات أو خشيت مما قد تؤدي اليه من تغييرات حقيقية في شكل الحكم وتمكين الديمقراطية. فعززت بالمقابل مبادرات حكومية هشة غرضها التنفيع وتعطيل التنمية الحقيقية مستخدمة في هذا الشأن سفهاء المجتمع ومروجي الدعايات الاعلانية ومثقفي السلطة الذين يأكلون الفتات على طاولة الزعماء والأمراء والمستبدين. وفي مثل هذه الأجواء لن تنمو المبادرات الشبابية ذات الطابع الحقيقي ولن تتقدم المجتمعات فكريا وصناعيا بل سوف نعيش في فوضي إعلانية وتدفق معلوماتي ضحل وساذج يمثل، بعد تغييب الوعي العام، بأنه الأولوية القصوى للدولة.

المبادرة المفقودة في مجتمعاتنا العربية، هي مبادرة الإنسان في تنمية ذاته وتطوير كفاءته حتى يكون قادرا على مواجهة التحديات والأزمات. وحتى يكون فردا مستقلا لا يخشى من القيود والعثرات ، وحتى يكون فعلا ذلك الإنسان المبدع والمفكر والباحث والمشكك في كل ما حوله حتى ينجح في الحياة. إن الإنسان قيمة وثروة عظمى غائبة عن مجمل تطلعاتنا وحراكاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولهذا نفشل دائما في خلق التغيير لتتكرر التجارب الفاشلة والمحاولات العقيمة في التطور.

لذا عزيزي الإنسان العربي، حين تعجز عن ايجاد الحلول أو تحبط من وضعك وأزماتك في الحياة، تذكر أن هناك دائما أنت، أنت من أستطعت بناء الارض وصنع الحضارة واكتشاف العلوم، أنت خلقت المعجزات وخاطبت كل البشر بمختلف اللغات، أنت عالجت المريض ورسمت البهجة على النفوس وتحديت الطبيعة، فلا تركن الي الماورائيات والمجهول، بل الي نفسك، الي ذاتك، الي نظراؤك في الطبيعة والوجود، فلا تيأس حين تخفق ولا تنزل الي مستوى الخوف والقلق، فوجودك كان هبة الطبيعة الخلابة وأسمى أشكال التواصل الكوني، فقط كن أنت.

لا تعليقات

اترك رد