الابعاد الجمالية وتقنياتها في مخطوطات ميثاق الغزي

 

تعرف الابعاد الجمالية لدى الخطاط “ميثاق الغزي ” بانها هندسة النسب التي يوظفها في الوصول الى فكرة الجمال وتعبيراته متخذا من العلاقات التناسبية في الرص والانفتاح مجالا وظيفيا فنيا فضلا عن صناعة اسلوبه المتميز والتفنن باطلاق الحرف العربي فوق السطوح المقهرة باحتراف تام والتي كانت مدعاة لتميزه باتقان تلك القواعد الهندسية والزخرفية داخل الخط الممشق لا في محيطه وبالتحديد فيما يستهله من تنفيذ شكلي في ضوء اللعب بقيمة الحرف المعجمي ودوره في الامتداد السيميولوجي , اذ يظهر ذلك ان “الحرف العربي ” رمز قصدي يعنى بحقيقة الثبات العقائدي والفكري لفن الاسلام والنهضة الاسلامية منذ 1440 عام في نشأة الرسالة مع الرسول الاعظم محمد بن عبد الله صلوات الله عليه , وبالتالي فالبعد الجمالي ليس بمساحات ولا اطولا ولا قياسات سيمترية فحسب وانما هو قيم فلسفية ترنو نحو الذائقة التي تلذها الروح والنفس , بوصفها أثرا يعالج كينونات فنية تتسابق في المجال النهجوي النظري والتطبيقي الحروفي , حيث “الغزي ” يعمل على البنيات الخطية بمباشرية لصناعة الحرف دون اللجوء الى( التطريس ونعني به تمشيق الخط بقلم ph ثم تطويخه )وهذا مالا يرغب في الانقياد اليه وتلك خصيصة تملكها الخطاط “الغزي ” بجدارة وراح يساجل بها عبر تكويناته وتصاميمه فتناول التقنية التنظيمية وبناء عناصرها المرئية حرفا وكلمة ومقطعا شكليا ويعد ذلك منهجه الجمالي , في حين ان تقنية التصميم لديه لم تكن بعيدة لما لها من توزيع خطي ولوني داخل التشكيل (التكوين ) معنيا بالتوازن والانتظام بغية الحصول على البعد الجمالي وهو بحد ذاته هدفا واعدا تبناه منذ البدء.

اما المخطوطات التي تتكرر ذات الخواص في معيار الاوزان ونسبها لدى اغلب الخطاطين قد تتقارب او تتجاور او تتناسخ لكنها تختلف من واحد لاخر فيما يمتلكه من لغة خواص التصميم والتكوين , ومانجده في خاصية البعد الجمالي وهو صلب عنوان الدراسة هو ماتمثله المعاني والمداليل لآيات قرآنية ولخطوط معينة عبرت بلا شك عن ماتعرفنا اليه في الوظيفة ذاتها من خلال الفكرة , اي ان الفكرة اصلا اعتمدت الاشكال التجريدية في بناء الكتل الشكلية في اختزال تلكم المساحات وفقا لنظام التقارب والتجاور والتراكب في الرص كما اسلفنا وهي ايضا استعادة الى اعادة تجسيم الخط العربي تقمصها “الغزي ” باستلهام العناصر المستهدفة ومن ثم صياغتها وتحويلها من القيمة البصرية ذات الملمس البصري الى قيمة بصرية اكثر دقة في وضع اليد عليها والاشارة اليها , اذ ان هنالك اهدافا جماليا هي التي تؤسس الى البعد الجمالي عبر ما اكدناه في العناصر ( الكتل والسطوح والخطوط والملمس واللون ) حيث البنية تبقى في حيز تقويم علاقتها , ذلك ان الكتلة الخطية كالتي تتموضع في الاشكال الكمثرية والدائرية والمربعة والمستطيلة ومنها المجسمة و” الجيو فنية “اي ماتميل الى ان تكون وفقا لاشكال بشرية او تضريسية او نباتية ونحوها ” فضلا عن تبعيتها اي الكتلة الى حجم معين يتم اختياره بناءا على المساحات المتوفرة في السطح المختار \ المنتقى لتصبح انذاك ما نعرفه بالحجم , في حين يجىء دور السطح المبني بعلاقته الاتجاهية , بمعنى حركة السطح بزاوية ميل محددة كالمنحني والمستقيم والالتفاف وتؤدي عادة الى التأثير في الفراغ وملئه , فالخط العربي سيكون تعبيرا مكانيا يسهم في الوضوح البصري شأنه شأن الخط الاتجاهي المتميز بالتغطية الايحائية والتي تجعل فيما يكتبه او يمشقه “الغزي”تشكيلا يوحي بالانسيابية , فمثالها كلما كانت مساحات الاعمدة الشاقولية التي تظهر في الحليات المستخدمة كمستطيلات هندسية ترتكز الى الثبات فهي تعني الاستقرار وكلما شابها الميل العمودي سوف توحي بالعكس واللااستقرار وكذلك ما يمكن تطبيقه على المساحات الافقية ونحوها من المقعرات والمحدبات , وبذلك تكون السطوح الخطية اشكالا يستدعيها الخطاط لاجل بيان نوع الايقاع وتبايناته كما تماثلاته .

وتظهر خصيصة الجمال عبر استخدام نوعية الخط وتجويده في “خط الجلي ثلث والثلث ” حيث انهما خطوط معقدة تتسم بالتداخل السطري والتركيبي وعدد مستويات الافق والمنظور الخطي ولو تتبعنا بعض من (لوجو) لاسماء ونماذج خطية كتبها “الغزي بالخطين المذكورين ,وفقا لميزات ومنها الملمس ما اكده بقيمة عرض القلم “عريض او دقيق او نحوه ,وجلها تعنى بملمس المشق وهنا يبقى الدور الحقيقي لذلك في ادراك صفة البصري منه حينما يتجلى ظهورا بصفة ناعما او خشنا وقد يظهر في استخدام حجم الطومار والقصبة او حجم القلم بسعة (ملم ) كما اشرنا وهو ناتج بالتالي لتحقيق جمال الملمس لما يجاور من ترجمة لمعنى الصلابة في صراع الاحساس الداخلي للخطاط وبالتالي متابعة اللوحة الخطية قراءة وتحليلا وتفسيرا وهي تعد تكوينات ليست ايقونية لما ينتجه من شكلية خطية جاءت رغبة لميوله فضلا عن انها استحضرت كبنية كتابية متحولة الى بنية صورية اتخذت طابعها القراءي والصوري , هذا وكلما حاولنا تفكيك وتحليل نصوص “الغزي” سنكون في العديد من الزوايا والامكنة التي من شأنها ان تحيلنا كمتلقين نوازي ونساوي ما تذهب اليه في ترصين البعد الدلالي لظواهره التجويدية تجويدا حروفيا واخر بنائيا وهما ايضا ابعاد جمالية ناتجة لخطابه الخطي .

واخيرا يمكن ان يكون الخطاط (ميثاق الغزي) في نصوصه متموضعا داخل فضاءاته الخطية الا اننا جزء منه في التمثيل والتنظيم ونكون مشاركين له في ذلك التمثيل والتنظيم ساعين الى التحقيق بمقبولية القياس الناتج عن سماته البنائية لنكون بالتالي جزءا من نصه الفني وهذا يعني ان الخط العربي ونصوصه غير مغلقة وليست حكرا على الخطاط نفسه وانما تنفتح بقدر التحليل وتفسيره .

لا تعليقات

اترك رد