متى يحمي الشعب حكومته

 

انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي فديو للشيخ أوس الخفاجي قائد قوات أبو الفضل العباس التابعة للحشد الشعبي في لقائه مع بعض شيوخ العشائر ولسنا معنيين به شخصيا فله كل الاحترام والتقدير ولجهوده ومن معه في مقاتلة وحوش الرذيلة الدواعش وتحرير الأرض العراقية الطاهرة ولكنه ومعه ومثله الكثير من القادة حتما يعبر بهذا عن قلقه من موقف الشعب العراقي من الأحزاب العاملة الآن في الساحة العراقية بشكل خاص والحكومة بشكل عام فيما إذا أعادت الولايات المتحدة الأمريكية انتشار قواتها في العراق فيكون الهجوم عليهم كما حصل مع النظام السابق وأركانه عام 2003 وهي ملاحظة مهمة آثارها الشيخ تستحق الوقوف عندها خصوصا وان الأيام العراقية منذ ذلك التاريخ إلى اليوم يزداد حجم حملها وتفاجئ حتى من يجيد قراءتها بما لا يتوقعه ولا زالت الأزمات تتصاعد فما أن يخرج البلد من أزمة حتى يدخل في أزمة سببها ليس الشعب العراقي وإنما الأطراف الخارجية التي تتقاطع مصالحها وتتشابك في العراق والتي لا تريد الاستقرار لشعبه ولا تريده أن يتآلف ويتجاوز مشكلاته من خلال اذرعها التي نشرتها في البلاد فأصبحوا يختلفون على كل شيء وأصبح اغلبهم يتهجم ويسقط البعض الآخر ويعلن ما يسيء إليه ولم ينجو احد ممن يتقصده خصوصا في هذا الوقت الذي أصبح فيه كل شيء سهل وأية معلومة هي في متناول يد الجميع وانتشارها أسهل من انتشار رائحة العطر في غرفة مقفلة.

حقيقة إن الشعب العراقي من بين أكثر الشعوب ميلا إلى الاستقرار والابتعاد عن المشكلات ولا أقول هذا لكوني عراقي وافتخر بعراقيتي ولكنها الحقيقة التي فهمتها خلال تجربتي في الحياة طيلة سنوات عمري ولا يعني هذا أنها قاعدة عامة تنفي وجود المشاكس والمنافق ومن يتجسس على بلده لصالح الأجنبي وهي لا تعني انعدام من يثير الفتن والمتاعب فهذا المجتمع المثالي لم يكن موجود في عصر صدر الرسالة الإسلامية ولا يوجد في الكون بل موجود في عالم الآخرة في الجنة فقط وربما يأتي زمان لا نعرفه وتكون الناس عامة بهكذا صفات وتتعايش بسلام والله وحده اعلم بغيب المستقبل .

سابقا تعلمنا حكمة تقول إن الشعب بقائده والوحدة العسكرية بآمرها وحتى العائلة بربها مع الاحتفاظ بالخصوصيات فحين كان العراق تحت الحكم العثماني قاتل الشعب بإرادته بزعامة الحوزات الدينية ضد الانكليز وفي نظام الحكم الملكي كانت الميول إلى الاتحاد الهاشمي وجاءت فترة العصر الذهبي للفكر الشيوعي وانتشرت الأفكار الأممية وحين سيطر الفكر القومي على قيادة الدولة العراقية توسعة قاعدة العروبة ووحدتها والآن ارتفع سقف التوجهات الإسلامية فشاعت كثير من المفاهيم التي لم يكن لها رواج بنفس الحجم الذي نلاحظه اليوم بل وإننا نتلمس التطرف في الفكر الإسلامي المعاصر حتى بلغنا ذروته عندما أصبح القتل على الهوية وعلى اسم صاحبها في البلد الواحد والشعب العراقي الرحوم المتجانس وذهب لذلك عشرات الألوف من الضحايا الأبرياء بلا ذنب نسال الله أن لا تعود تلك الأيام السوداء القبيحة وان يبقى الشعب العراقي واعيا ومنتبها ليفوت الفرصة على من يتحينها فلازال هناك الكثير من المنتفعين من هذه الفتنة ويحاول إرجاع العراق إليها.

لن نعود إلى الوراء كثيرا ولكن في آذار من عام 2016 اقتحم الناس المنطقة الخضراء ولم تمنعهم كل التحصينات والغازات والرصاص الحي والمطاطي ودون دعم وإسناد القوات الأمريكية أو غيرها فقد سقطت بإرادتهم القوية كل الكتل الكونكريتية الضخمة وسحقوا الأسلاك الشائكة وسكتت بنادق الحرس ودخلوا مبنى البرلمان وصورت أجهزة الهواتف التي يحملونها تزاحم السيارات للهرب من كل التحصينات بل وقد حملت الطائرات الكثير من السياسيين إلى خارج البلاد ولا نتحدث عن شخصيات طالتها أيدي الناس بقصد أو دون قصد فكان هذا درسا قاسيا جدا لمن يعتبر نفسه ممثلا للشعب يفترض به أن يعيه ويعتبر منه كحالة جماعية عفوية والأكثر منها عفوية ما حفظه موقع آليو توب لشخصيات واجهها الجمهور بكلام خادش للحياء ليس من الضروري التطرق لأسمائها والأكثر منها التحديات التي يقوم بها المتظاهرين في الساحات العامة ولم يتوقفوا رغم كل وسائل المنع التي تضعها الجهات المختصة والاعتقالات المستمرة وتشويه سمعتهم ونسبهم إلى جهات محظورة داخليا أو إلى جهات خارجية واتهامهم بالعمالة ولازالوا يرفعون شعارات اشد قسوة ومطاليب كل يوم يرتفع سقفها وباستمرار مع العلم أنهم يعرفون أن لا احد يستجيب لهم.

إذا كان أي شخص في موقع قيادي ولم يتمكن من خلق قاعدة جماهيرية يقنعها بصحة منهجه الذي يستمده من الشريعة من خلال الفعل والعمل ومن خلال تطبيق ما يحمل من نظريات فما جدوى شغله للمنصب اللهم إلا شيء واحد هو فائدته المادية ومنفعته الشخصية وهذه حتما ستكون لعنة عليه وعلى من يخلفهم وراءه من أجيال لا يمكن أن تلغى من ذاكرة التاريخ فسيكون مسيئا لشخصه ولنظرية حزبه وانتمائه الفكري والعقائدي وان شعبه سيتخلى عنه في اقرب فرصه بل ربما استعان بالأجنبي من اجل الخلاص منه وان القائد الجماهيري الفعلي والحقيقي له مجسات لقياس نبض جمهوره بشكل دقيق فهو لا يحتاج إلى حماية ولا إلى مدرعات وأسلحة بل جمهوره هو من يحميه ويفتديه ويقدم في سبيله الدماء رخيصة لأنه يدرك إن هذا القائد سيكون من بعده أبا وراعيا لعائلته ولا ينساهم ولا يعلق دعاياته الانتخابية فوق صور الشهداء ليخفيهم ولعل الشيخ الجليل وغيره يشعرون بمعانات شهداء الجيش والشرطة والحشد الشعبي المقدس وكذلك تضحيات رجال الصحوة الذين استشهدوا دفاعا عن العراق وتحرير أرضه من دنس الأقذر على الأرض داعش ومن لف ودار في فلكها .

إن من يريد من شعبه أن يحميه عليه أن يلتفت إلى المتظاهرين يملئون المدن العراقية ويستمع إلى مطالبهم ويناقشهم في آلية تنفيذها بما هو متاح وما لا يمكن تنفيذه لا أن يتعالى عليهم ويفرقهم بالرصاص الحي أو بسيارات المياه ولا بقنابل الغاز وان يخلي المعتقلات من معتقلي الرأي والقائد الذي يريد ضمانة شعبه عليه أن يكون الأب المثالي الحقيقي له ويلتفت إلى معاناة شعبه في كل المجالات من الصحة ومستشفياتها التي ينقصها كل شي إلى التعليم الذي صارت مدارسه في العراق تجمعات لتخريج شباب يائس وفاشل بلا مستقبل إلى الخدمات بكل اتجاهاته إلى الكهرباء التي لم تتمكن الدولة من حلها منذ خمسة عشر عام إلى شحة المياه وجفاف انهار العراق التي حافظت على نفسها منذ خلق الله الأرض إلى البطالة التي خلفت الجوع والعراق من أغنى بلدان العالم وما ينتج عنه وما أدراك ما نتج عن جوع الشعب العراقي ولجوء عوائل كثيرة إلى المزابل للبحث فيها عن لقمة تسد جوعهم والباقي يكفي أن يستمع المواطن العراقي إلى أي نشرة أخبار في أية قناة ليرى ما لا يسر نفسه أبدا وما يعجز اللسان عن عده.

لقد كانت خطوات السيد عادل عبد المهدي رئيس مجلس الوزراء ناجحة حين زار مدينة البصرة وحين تجول في بغداد ولكنها تحتاج إلى كثير من المتابعة وتعزيزها بخطوات أكثر مساسا بحياة المواطن اليومية وليكسب ثقة الشارع عليه تنفيذ وعوده بجدية يتجاوز بها من يضع في طريقه العراقيل والحديث ذو شجون ويطول.

لا تعليقات

اترك رد