تنتظرنا الأعماق


 

الإنسان كائن عميق للغاية، عميق لدرجة أنه الوحيد يدرك ما حوله، ويجتهد في استكشاف عوالمه، وهو بمثابة نقطة شروع للبحث والمعرفة والاستكشاف، كلما أبتعد كثيراً في استكشاف الأرض والنباتات والمحيطات والبحار والأنهار والحيوانات والهواء والضوء والجاذبية والفلك والكواكب والمجرات، وكلما عاد ليبحث في عوالمه الداخلية وخباياه، وجدها لا تقل تعقيداً عن تلك العوالم التي تحيطه.

عوالم الجسم ومكوناته ونظامه، وعوالمه النفسية وما تتضمنه من أرض وسماء، وبين هذه العوالم يجد عوالم العقل ونظام التفكير والذاكرة والمعرفة.

عوالم الإنسان عميقة جداً، عميقة لدرجة أنها تشبه الثقوب السوداء، تبتلع وعيه كلما جدّ في مقاربتها واستكشافها، لذلك تتولد عنده الأسئلة الوجودية والمعرفية، فالأسئلة آلة المعرفة وسبيلها الأنجح.

مساران من الأسئلة في رحلة الإنسان الإستكشافية نحو أعماق عوالمه البعيدة:
المسار الأول:
الأسئلة الوجودية: والأسئلة الوجودية هذه وليدة خوفه وقلقه الوجودي المبرر، وهو يريد عن طريقها أن يفهم من أين جاء هذا الوجود، وما هي حدوده، ومتى وجد، ولماذا وجد، ومتى ينتهي، وأين سيمضي الإنسان بعد موته، وأين يجد جسر السراب بين عالم وجوده وعالم ما بعد الموت ووو الى ما لا نهاية من الأسئلة الوجودية المفتوحة والمتوالية.

المسار الثاني:
الأسئلة المعرفية: هذه الأسئلة التي تشبه Antibiotics المضادات الحيوية، تساعد الإنسان على البقاء ممسكاً بما بين يديه من حضور للمعنى، من تلمس للمادة، من حقائق نسبية، أسئلة المعرفة هي رأس ماله في هذا التيه والظلام الدامس، أسئلة المعرفة تشبه العصى بيد الضرير ليستدل بها على طريقه، لذلك يناضل الإنسان المعرفي على تشديد قبضته عليها وحمايتها وصيانتها.

بين العلم والمعرفة والوجود فراغات تنمو فيها تناقضات وتباينات الفكر، وتشوهات الوعي، فيها ينشأ الدين مستغلاً فراغات الأسئلة الوجودية، ليقدم نفسه بوصفه يقيناً وحقيقة وجودية، ويقدم نتيجة لذلك تصورات يعدها معرفية، ويطالب بالتعامل معها كذلك، ويبالغ فيتمدد على العلم ويسعى لتوظيفه لتأكيد بعض تهويماته.

أزماتنا ومعاناتنا وصراعاتنا جميعها، سواء كانت سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أو ثقافية أو غيرها، ليست سوى غيبوبة في هذا التيه، ينبغي أن نتفهم أن صناعة السلام بين البشر يترتب عليها آثار أكبر بكثير من شعارات الحروب السخيفة، والسلام بين البشر مكسب أعظم من جميع مبررات الحروب، نحتاج للسلام بين البشر لأننا بحاجة الى المعرفة والعلم، السلام هو “الغواصة” التي لو ركبناها نتمكن من الغوص بصورة أفضل في عوالمنا وأعماقنا الوجودية البعيدة، البعيدة جدا، جدا جدا.

المقال السابقترنيمَةُ الوَلَه
المقال التالىالتجارة بالمستقبل
يث التميمي باحث وكاتب عراقي يعيش في بريطانيا ولد في مدينة الكاظمية على شواطئ بغداد أكمل دراسته في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تخصص في مجال دراسات الفكر الاسلامي، رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع، عضو الجمعية العلمانية العالمية، ناشط مدني وسياسي، لديه عدد من الأبحاث والدراسات واللقاءات التلفزيون....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد