التشكيلي سالم الدباغ – تكوينات الرؤيا ورؤية الانعتاق الفني


 

إن هذه المحاولات المضادة في الشكل الواقعي كانت تمر بمراحل متعاقبة من الاختصار و الاجتزاء و الازاحة و الحذف الى الحد الذي يكون الشكل فيه قائما بذاته بمعناه ومنطقة ومظهريته التي تتجرد من الطبيعه وتنفصل عنها هذا هو سالم الدباغ.

و هذا مكاني و جسد جوهر المحاوله الى الرسم للدماغ خلال الفترة الماضية كان يبدأ من شكل واقعي يمسك بمعالمه الظاهرة ويعيد تأليفها في الكويت اليوم او اي خامه اخرى كما تبدو عليه في المصدر الذي اخذت منه و هو في الاعم الاغلب جسد انساني او تفصيل منه ثم يبدأ بالاشتغال على هذا الشكل الأولي الظاهر و المحدد ويعيد صياغته و حذف معالم منه و إزاحة تفاصيل تربطه بمصدره الارضي و بعد محاولات عديدة يتجزأ كل منها تفصيلا او سمه يتحول الشكل تدريجيا الى ظلال غامضة للشكل الاساسي الذي استمدها منه او الى رمز لا يمكن اعادته بسهوله إلى أصوله التي استعارها الرسام او انطلق منها في البداية و بالتأكيد فان الرسام سياحة الى اخفاء مصادره وبتكتم على تسلسل المراحل التي قطعتها محاولته وصولا الى الشكل النهائي الذي استقرت المادة فيه وسيعتبر ذلك سرا من أسرارها وسيقدم حلا موازيا يفيد بانه يصنع شكلا قائما بذاته لا صلة له بإشكال الطبيعة.

كانت الاعمال الماضيه بمجملها تتحدث في هذا الاطار و كانت تنفذ في مواد متنوعة تستدعي من الفنان جهدا للعثور على ما يمكن خلف سطوحها.

ثم من خلال الاستفادة من تجربة معاصرة صانعها وبما يشبه المعجزة لقيم مثالا حيا على امكانية الجمع بين المتناقضات الشكلية والنظرية جاء كل منها من مصدر مختلف.

وكان محور التجربة الفنية في العراق ذات العمر الطويل حيث يدور حول تعاليم تنفيذية ونظرية تتعلق بجدول الرسوم وماله ومعناه تعود باتجاهاتها العامة الى تجربة الرسم الاوربي وتكرار مبادئه وطرائقه التي تجعل الشكل الانساني محور للطبيعة وعنه تنبثق كل الاشكال الاخرى. كما تتم بذلك معالجة نسبها ومظاهرها رياضيا من خلال نسب الجسد الانساني والعلاقة بين اعضائه شكليا ووظيفيا وهذه المبادئ والطرائق تعود اصولها الى الحضارة الاغريقية في مرحلة نضوجها عندما قررت وضع الانسان الفردي مركز للعالم.

كان الدباغ من خلال تعلقه باشكال الماضي ومن خلال بحثه الشخصي ، ومن خلال تواصله مع حركة الرسم العالمية ، وايضا لاسباب تتعلق بمزاجه الشخصي قد توصل الى صياغات شكلية رمزية يختصر فيها ملامح الشكل الخارجي ، ويتوصل الى ما خلف السطح ان يركز الحركة في اقل ما يمكن من اوجه الفعل او من الدلائل التي تشير اليه ذلكم هو ما يتوضح من خلال تجاربه في الماضي وهي التي كان يتبلور فيها قيود المادة الخام ليصل الى ابتكار اشكال لا يمكن فيها ان نضع حدودا او فواصل بين المادة وما تتجسد فيه او تتحول عبره من مظاهر.

ان اعمال تلك الفترة التي عرض اغلبها في معارضه الشخصية والجماعية كان الدباغ في هذه العروض قد اعاد الى اللون شكلا غامضا في كتلة اللون اولا ، وان ينقل صداها في تكوين محاولا ان يحقق حلولا وسطى بين ما يمكن انجازه على الماتدة وبين ما يمكن تنفيذه في اللون الذي يتمظهر في ما بعد تكوينات لونية هي الاخرى مدمغة ومجردة وغامضة ومرئية . كما كانت قد نفذت على شكل اخر من قبل ثم اعادة صياغتها وتكوينها في اشكال متداخلة ومجزاة وذات انحناءات وتقويسات محيرة .. كانت التجربة في هذه المرحلة تتولد عما سبقها ولكنها تتجاوز مستوى المادة السطحية وإمكانيات المعالجة المحدودة للشكل الى مايشبه تأملا روحيا في الشكل لم يقيض لها ان توجد من قبل .. اشكال تتناسل في منطقة غامضة هي التي يقترحها الرسام او يعود من خلالها الى ماضيه ليعيد اكتشاف مالم يستطيع العثور عليه حين كان طفلا يسعى بين اطلال وخرائب الماضي وبين اللقى التي تفلت بصعوبة من بين ايدي كائنات العالم التشكيلي . كانت اعمال الدباغ ورسوماته ورؤاه واحلامه وكوابيسه التي تتجسد في مظاهر متعددة هي وثائق وشهادات يحاول من خلالها ان يشير الى الماضي أو يؤكد سطوته عليه ومهما اختلفت خصائصها وسماتها عن بمظهرها الاول ..مظهر اللون الاساس في صورته البدائية الاولى . اما في السنوات المتقدمة وبما يشبه العودة الى نقطة البدء ريمكن القول ان سمات وخصائص اعمال الدباغ لم تتغير جذريا ولكن اضيف اليها منبر جديد شكلي في جوهره يتمثل في محاول الحركة في اللوحة الفنية من فعل مضمر الى صيغة ظاهرة من خلال تجزئة اللوحة الفنية الى مجموعة من الوحدات يؤلف بينها كيان موحد يقوم على وحدة بناء الخارجي وعناصر الانسجام والتوازن وبطريقة تتيح للمتلقي ان يعيد تأليف اجزاء اللوحة الفية وفق الطريقة التي يراها اكثر جمالية وتحقيقا لشروط الشكل الحر الذي يقترحها الرسام ولا يفرضه على المشاهد وفي سعيه للتواصل مع ظاهرة عالمية كانت قد بدأت في الخمسينيات لأحداث الحركة في الرسم في نقل اللون من السكون الى الفعل ..قد يحدث اختلاف جوهري بين ملامح الشكل الذي كان يعمل عليه من قبل وبين تلك التكوينات الملونة جيدا التي تكاد عروقها الداخلية تطفو على السطح ان كانت من تكوينات متنوعة . الفنان سالم الدباغ وهو رسام ..ولد في الموصل عام 1941 .. درس الفن في بغداد ولشبونة .. شارك في اغلب المعارض داخل وخارج الوطن . وله معارض شخصية ايضا .. حصل على جائزة الشراع الذهبي في الكويت دبلوم شرف في معرض لايبزك الدولي يعمل استاذا للكرافيك في معهد الفنون الجميلة في بغداد

لا تعليقات

اترك رد