التجارة بالمستقبل

 

عندما نقول التجارة بالمستقبل، فإنني نعني بها همًا إنسانيا يشترك فيه عموم البشر، وإن اختلفت ثقافاتهم وجنسياتهم وأديانهم، فالكل ساع إلى معرفة ما ستحمله الأيام القادمة إليه، هل ستتقلب به من غني بعد فقر ، أو فقر بعد غنى؟ ثم يحضر هم العمر ، وما يتبعه من شبح الموت ، واقترب الأجل. ناهيك عن الخوف من المرض والعجز ، وفقدان الأحباب ، وغدر المقربين والأصدقاء ، وما يرتبط بها من السعي إلى الانتقام وحب المال والنجاح والشهوات وتبوأ المناصب والسلطة .

وهنا تنشط تجارة الوهم / الزيف ، التي تقدّر تكلفتها المالية في عالمنا العربي بحوالي خمسة مليارات دولار-وفق إحصاءات رسمية منشورة في العام 2015م -تنفق على المشعوذين، والدجالين ، ومدعي السحر، يستوي فيها المثقف والمتعلم والجاهل والأمي، الفقير والغني، تبدأ التجارة من الواقع الحي، حيث الركض وراء المشعوذين في قراهم أو مدنهم القريبة أو النائية، وتتمدد إلى القنوات الفضائية، ومواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي، بجانب التجارة بالهاتف وغير ذلك .

*****
يتناول الفيلم التلفزيوني ” ريال فضة ” ( 1985م)، هذه القضية بشكل مبسط، من خلال شاب ( الفنان محيي إسماعيل ) ، الذي تعرض لأزمات عديدة في حياته، وعاش فقيرا معوزا ، حتى قابل رجلا كبيرا في السن( الفنان محمد توفيق )، نظر إليه متفحصا، على ضوء القمر، فوجد شابا جائعا ، يائسا، وقد قرر التخلص من حياته، فراح يبشره بمستقبل سيكون فيه غنيا، وفي زمن قصير، إن اجتهد وعمل، لقد تظاهر العجوز أنه يقرأ طالعه، وهو يتأمل وجه الشاب المحبط، المغبّر بالتراب، ثم ينبئه بأنه سيحب فتاة، وسيكون متيما بها ، ولكنها ستموت ، حتما ستموت ، ثم أعطاه العجوز ريالا فضيا ( حوالي خمس جنيه مصري ) ، ولكنه كاف لتوفير طعام يوم كامل في زمن سابق ، وأخبره أن يحتفظ بهذا الريال ، فسيكون فاتحة خير له . وبالفعل ، يبدأ الشاب حياته من جديد، وينجح ويغتني ، ويتعرف بالفعل على فتاة ، تسانده في رحلة كفاحه، وعندما تطالبه بالزواج يتهرب منها، مستحضرا دائما نبوءة العجوز، وهو يشير بإصبعه محذرا . وتشتد الأزمة وتتعاظم بالهواجس ، حتى يدخل الشاب إلى مستشفى الأمراض النفسية، ويحاول معه الأطباء النفسيون ، ولكنه مؤمن إلى النخاع بمقولات العجوز، فكلها تحققت، ويخشى على حبيبته من الموت. تتطور الأحداث ، فيهرب الشاب من المستشفى، ويهيم على وجهه في الشوارع، باحثا عن العجوز ، ليتأكد منه، وبالفعل يصل إليه، ويذكره بنفسه ،فيتذكره العجوز، وقد اشتد الوهن به، ، ويسمع منه عن حبيبته التي عشقها، والخوف عليها من النبوءة، يضحك العجوز، ويقول له : إذا كان كل شيء حققته ، فهو باجتهادك أنت ، لقد كنت شابا مقبلا على الانتحار، فكان علي أن أخرجك بطريقة مختلفة ، فكان ما قلته لك . ويعود الشاب ليسأله : ولكن تحققت كلها ! فيضحك العجوز ثانية ، ويقول : الله هو الرزاق، لمن اجتهد وسعى. فيسأله الشاب عن وفاة حبيبته ، فيضحك العجوز ثالثا ، ويقول : كلنا سنموت، أردت فقط أن أجعلك تأخذ الأمر بجدية . فلا يصدق الشاب نفسه ، فقد اكتشف أن الأمر كله كلمات ونصائح. فيقرر أن يعوض العجوز بما يشاء من مال ، ولكن العجوز يرفض ويقول له أعطني الريال الذي أخذته مني ، لا حاجة لي بالمال الآن .

أتقن العجوز دور قارئ الطالع أو بالأدق أعطاه حلما جميلا ، أمام شاب قتله اليأس، فاستطاع أن يزرع فيه وهما بالمستقبل، حوّله الشاب إلى واقع ونجاح .

*****
إن التفسيرات والاجتهادات تتعدد في تحليل أسباب انكباب الناس في مختلف أنحاء العالم على متابعة الشعوذة ، والانشغال الدائم بما يدوّنه من يُسمّون أنفسهم بالفلكيين أو الروحانيين، والتي هي بالطبع تسميات زائفة، لا تمت بصلة لعلم الفلك في مفهومه العلمي الرصين المعني بدراسة النجوم والأفلاك في السماء، ولا للروحانية التي تختص بتنقية الروح من هواجسها واضطراباتها، خاصة في الجانب العقدي والقلبي منها .

أرى أن هؤلاء المهووسين بهذا الوهم ما شابهه من أنشطة مثل قراءة الكف، وقراءة الفنجان ، وفتح الكتاب ، ورمي الودع في الرمال .. ؛ إنما هم أناس يبحثون عن المستقبل/ الغيب ، وما يخبئه القدر بالنسبة إليهم . إنهم يريدون ببساطة أن يعرفوا قادم الأيام ، وما ستحمله السنون ، وكيف ستكون تقلبات الدنيا بهم .

وإذا أخذنا على سبيل المثال ، هؤلاء المهتمين بالأبراج ، نجد أن الأمر وصل ببعضهم إلى المتابعة الحثيثة يوميا وعلى مدار الساعة، عبر تصفح المواقع الإلكترونية والصحف

ذات الشأن ، ومن ثم يبني تصوراته على ما يقرأه في فكر يلامس الخبل العقلي. حتى لو ادعى بعضهم أنه يفعلها من باب الطرافة والتسلية ، فدوما المصائب النفسية والفكرية تبدأ بالتجريب ثم تتحول إلى اهتمام ومتابعة، ثم تنتهي إلى الهوس.

وبعضهم لا يختار أصدقاءه إلا إذا عرف من أي برج هو ؛ ليرى كيف سيكون التوافق بينهما ، ولا يتزوج إلا وفق سمات البرج الذي سيكون عليها شريكه في الحياة، وفق ما يتكهن به فلكيو الأبراج المزعومون، وينسى في ذلك العوامل المشكلة للشخصية مثل الثقافة والبيئة ومستوى التعليم والخبرة في الحياة ، والعطاء والقدرات والمهارات ، فكل هذا لا قيمة له أمام ما تقوله الأبراج .

ومن المفارقات في هذه القضية ، أن أحد علماء الدين ، قام بنفسه بقراءة باب الأبراج في أربع صحف يومية لفترة طويلة، فاكتشف أن كل برج يختلف في تنبؤاته من صحيفة إلى أخرى، بل يتصارع المتنبئون فيما بينهم ، وكأن من يسجل هذه التوقعات يكتب وفق مزاجه الخاص، دون أدنى استناد لقراءة ما يدعيه من حركة الأفلاك والأجرام السماوية . والغريب أيضا أنه اكتشف أن الأبراج تختلف في زمانها ومفهومها وسمات حامليها بين ثقافات العالم، فهي في الصين تختلف عن أوروبا وعن العالم العربي .

عجيب أمر هؤلاء ، الذين يرون أن سمات أصحاب الأبراج لا تتغير ، وإنما هي ثابتة في الشخص على مستوى النفس والمستقبل ، وثابتة أيضا على مستوى الفعل والمستقبل والرزق؛ وهو ما دفع علماء الشريعة لتحريم كافة أشكال الاعتقاد والمتابعة والاهتمام بالأبراج وكافة أشكال الدجل والشعوذة الأخرى.

إنها أزمة الذات ، عندما تترك اليقين الإيماني الذي يوكِل الغيب وما وراءه إلى الله وحده ، بما يجعلها نفسا مطمئنة بمعية الله سبحانه ، وتتخذ من السعي والجد والعمل سبلا للترقي الروحي والسلوكي والحياتي ، فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، ولن يُرزِق كسول أو مهمل أو فوضوي، ولن تنجح حياة زوجية دون تفاهم وتناغم بين الشريكين، يسبقهما ثقافة في أدب المعاشرة ، وحسن التبعّل. ولن ينال منصبا من كان في أسفل الدرك، دون أن يرتقي بذاته ، ولا يطور مهاراته .

إن المستقبل تصنعه الذات بإيمانها ويقينياتها وسعيها وكدها وعملها ، ولكل نفس رزقها وما قدره الله لها ، وكما ورد في الحديث الشريف : ” أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا ، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ” .

لا تعليقات

اترك رد