الفعل السياسي بين العمل الدعائي المسيس و إعادة إنتاج العنف – ج٣


 
الفعل السياسي بين العمل الدعائي المسيس و إعادة إنتاج العنف

وعمل القائمون في الحقل الإعلامي عامة على تقديم مضمون دعائي متنوع يقوم بالتسويق للأحزاب السياسية فالمؤثرات التي يعتمدها الإعلام بالغة الفاعلية ” فلم يعد قادة الأحزاب هم الذّين يقرون في اجتماعاتهم الحزبية للمحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية لبرامجهم الانتخابية بل أصبحوا يلجئون إلى خدمات خبراء الإعلام والإشهار من أجل تسيير حملاتهم الانتخابية باعتبار أنّ الناخبين أصبحوا يلجئون إلى خدمات خبراء الإعلام و الإشهار في تسيير حملاتهم الانتخابية، باعتبار أنّ الناخبين أصبحوا لا يصوتون على البرامج والأفكار بل على الأشخاص والصور، لهذا يجب أنّ يقدم لهم أشخاص مناسبون (على المستوى التلفزي) من أجل الحصول على ثقتهم .”

وتسعى وسائل الإعلام على اختلافها لرصد خطاب الفاعلين في الفضاء السياسي ونقل تصريحاتهم وبياناتهم ومنها الإنتاجيات الإيديولوجية والرمزية التي ينتجونها ويقومون بإعادة إنتاجها فتستغل المنابر الإعلامية ما يخدم مصالحها ويحقق لها منافعها الربحية والتأكيد على اختلاف البرامج والأفكار هو أساس الفعل السياسي .وركيزة الدعاية التي تعمل على تبليغها للجماهير، فالفاعلين الاجتماعيين هم إزاء منتوجات سياسية في غاية التمايز والتناقض ولكل فاعل مشروعا ومنتجات يدافع عنها ويسعى لإعادة إنتاجها حتى تضمن له المنافسة في حقل النزاع الدعائي القائم و” يرى بعض خبراء الماركتنج إنّ المنتوج السياسي Le produit politique الذّي يعرض على الناخبين من أجل إنشائه في شكل تصويت لصالحه، يتمكن من جزأين أساسين المدلول le signifie ويتحدد من خلال مقاربة مادية،إذ أنّه يتضمن المبادئ الإيديولوجية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والقرارات الأساسية التي يحتويها البرنامج السياسي للمرشح والدال Le signifiant ويدخل في إطار مقاربة سيميائية Sémiotique وهو يحتوي على الوسائل السيكولوجية المستخدمة في التواصل العقلاني انطلاقا من المظهر الخارجي للمرشح إلى طريقة تغييره .”

وسعت الأحزاب للسيطرة على بعض الوسائل الإعلامية الهامة ومنها الصحافة الحزبية التي أعتمدها الفاعلين لتبليغ أفكارهم ومواقفهم إزاء المشهد السياسي وواقع الفعل وفق مقال بجريدة الضمير صرح عبد الرزاق الهمامي:” الهزيمة الانتخابية التي منيت بها أحزاب اليسار لها أسباب موضوعية وأسباب ذاتية, موضوعيا لم يكن هناك توازن من الإمكانيات الهائلة الأحزاب اليمنية والمحافظة سواء في مستوى الأموال المرصودة أو وسائل الإعلام المسخرة المحملة الانتخابية وبين الإمكانيات المتواضعة بقوى اليسار المناضل, هناك معطى موضوعي آخر وهو الميول المحافظة لدى شرائح واسعة من الشعب التونسي في المدينة والريف على السواء ولكن ذلك لا يعني قول اليسار التي خسرت الانتخابات من الاعتراف بان خطابها مازال يعاني من الإنبات الثقافي والحضاري ودون معالجة مجمل هذه الفئات لا مجال لتدارك الأوضاع. وأكد أن تداركها ليس مستحيلا ولكنه يقتضي الوعي بها والعزم إصلاحها .” فلعبت الصحافة دورا بارزا في توجيه الخطاب الذي يرويه الفاعلين السياسيين من خلال تصريحاتهم وآراءهم حول أفعال وأعمال باقي الفاعلين في حقل الصراع ، فالعديد من الأطراف تسخر أقلام الصحافيين لتصبح فاعلة في حقل السلطة ،ومنها تكون طرف فعال في إنتاج علاقات السيطرة الرمزية وأنّ تقصي كذلك من لا يتوافقون معها في الأفكار والمواقف. وتحولت بذلك الصحيفة إلى موجز وأناشيد ترددها أفواه القائمين في الحقل الدعائي لتمجيد وتجنيد الجماهير بغاية التعبئة ولكسب امتيازات أصحاب رؤوس الأموال والساسة و”تواجه الصحيفة اليوم أزمة تعكس على خطابها الإعلامي وتحديد دورها والخطاب السلطوي دائما وحيد الرؤية و استبعادي للآخر ومعدوم. مرجعية هذا الخطاب الهموم الآنية للسلطة (و لا أقول الدولة) وأساليبه هي الخطابية والانفعالية, وغايته التمجيد والترويج وأداته من الموظفين والإعلاميين والبيروقراطيين ومن الانتهازيين, ومن كل الأصناف والأنواع البارعين في إنتاج إعلام الموظفين وإعلام الضجيج.”
ويهدف الإعلام في تونس إلى توليد استعدادات وإستراتيجيات فاعلة تجعل منه قادرا على إنتاج رؤية خاصة حول المشهد السياسي القائم ،وينتج بنياته الرمزية التي تساهم في إعادة إنتاج تأثيراته في الأعوان عامة والجماهير العريضة المستهدفة “فان إعادة الإنتاج تتم فقط من خلال الخطط والممارسات التي يتزامن بواسطتها الفاعلون يصنعون زمن العالم.”

1) الإعلام والتأثير على الرأي العام:
شهدت تونس لحظات تغيير هامة عامة ومنها التغيير السياسي خاصة والذي كان له تأثير على الرأي العام والإعلام الجماهيري بمختلف وسائله المعتمدة من رصد لأحداث ووقائع. وعمل الإعلام على أنّ يجاري الحراك الجماهيري التونسي و يغير من الممارسات وتولد استعدادات فعلية لتعبئة الفاعلين في مختلف الحقول حتى تضمن فاعليتها في ميدان النزاع. إنّ التغيير الذّي أقامته وسائل الإعلام في أدائها لوظائفها وتبني ممارسات جديدة للدحض والنقد خاصة للقائمين بحقل السلطة كان له أثر كبير على الرأي العام التونسي الذي يعتبر فاعلا سياسيا بارزا في فضائه المجتمعي, وانّه أوّلا وأساسا قائما على حرية التعبير والاختلاف في المواقف ومجال سياسي قائم على التعددية والديمقراطية و” أنّ البيئة السياسية التي يسودها القمع وغياب الحرية بكل أبعادها تتميز برأي عام منكفئ, مكبوت، محبط و غياب الحرية يحقق ظهور أللآراء الصريحة ويؤدي إلى إحلال الخوف والانكفاء محل المشاركة الفاعلة في الحياة العامة……فضلا عن غياب مظاهر الحياة السياسية المعبرة عن المشاركة العامة في الشأن العام: غياب الأحزاب، الصحافة الحرة والإعلام الحر والانتخابات الحرة. وما إلى ذلك من مظاهر الحياة السياسية السائدة في الأنظمة الديمقراطية .”

وتعتبر تونس بيئة سياسية ترتكز على ضرورة من ضروريات البلدان الديمقراطية وهي الحياة الفردية الفاعلة وبذلك اكتسب الرأي العام التونسي استعدادات لبناء مواقف واتجاهات تسهم في تفعيل مشاركته في فضائه المجتمعي. كذلك جاء في تعريف حديث على الرأي العام وضعه ” ليونارد دووب” الباحث المعاصر ما يلي: “يعني الرأي العام اتجاهات ومواقف الناس إزاء موضوع معين حين يكون هؤلاء الناس أعضاء في نفس..الرأي العام وتأثره بالدعاية والإعلام .”
إنّ المكاسب التي حققها الفاعلون بإدراكهم ذواتهم وقدرتهم على الحراك والفعل هو عامل أساسي في بلورة رأي عام يدرك فاعليته في النشاط الاجتماعي ،فتجاوز العجز واللامبالاة مدافعا على مكاسب الحرية والحق في الحضور مع باقي القوى السياسية المتواجدة في المجتمع. كما أن الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدنها تونس كان لها دور هام في ترسيخ عقلية الرفض والنقد لسياسات الحكومات التي تراها لا تعبر عن انتظار اتهم ومطالبها وحاجاتها المتعددة وأما “هوبرت بلومر Hebert Blumer” يرى أن الرأي العام يستمد شكله من الإطار الاجتماعي الذّي يتحرك بداخله،ومن العمليات الاجتماعية التي تجري بداخل هذا الإطار كما يذهب إلى أنّ وظيفته تتقرر وتتحدد وفقا للدور الذّي يتحرك بداخله في دولاب النشاط الاجتماعي وانّ الرأي العام من الناحية الواقعية بكلية وجهات النظر والآراء المتباينة التي توقع تحت نظر الأفراد المطلوب منهم أنّ يتخذوا قرار ما بشأن الموضوع أو الرأي المعروض .”

ويعتبر الفضاء السياسي ميدان اختلاف وتعارض بين أفكار ومبادئ العديد من الفاعلين.انعكس ذلك على المجتمع ،فهو بدوره رافض لمشاريع وأفكار وحتى فاعلين لأن للجماهير إدراك وتقييمات خاصة حول الواقع السائد وهي تعبر عنه كذلك بآرائها ومواقفها ويعتبر “هارووك تشبلدز” يقول: أنّ الرأي العام هو أية مجموعة من أللآراء …..عديد من الأفراد بصرف النظر عن درجة الاتفاق والتطابق المسبق..ذلك أنّ درجة التطابق المسبق إنما هي مسالة ينبغي التحقيق فيها بيد أنّها ليست أمرا يجب بطريقة تعسفية توافره كشرط لقيام الرأي العام.

وانعكست الأوضاع السياسية التي عاشتها تونس في جانب منها بنتائج إيجابية على انفتاح وتبادل الآراء وصعود قوى فاعلة في الفضاء المجتمعي منها حركات وأحزاب كان لها دور في تكوين الرأي العام التونسي ،ولكن في جانب آخر كان لهذه الأوضاع تأثيرات سلبية. وحالة الحرمان والفقر التي بقيت على حالها، والوعود والبرامج ذات الدعاية القوية والفعل العاجز التي قادت الرأي العام التونسي إلى التعارض مع من هم قائمين على السلطة.وإنّ يكون له رأي مخصوص باعتباره فاعلا اجتماعيا له استعداداته وإدراكه للتعبير عن استيائه و سحب ثقته من بعض الأطراف التي أساءت توظيف التفويض الذي منحه إياها، فانحصرت الممارسة السياسية في المصالح والمنافع المادية و حرمت الجماهير المتعطشة لثمرات الثورة وحقوق منها الشغل والعمل و”أنّ حالة العوز تولد التفاوت بوجه عام فترى قلة قليلة تعيش في الوفرة وترى السواد الأعظم يعاني حرمان كبير . إثراء وترف ينعم بها عدد قليل من الناس وفقر متقع يعاني منه السواد الأعظم, إنّ التفاوت يولد صراعات عميقة جدا والسياسة في مثل هذا المجتمع, عنف من الجماهير التي هي في حالة ثورية مزمنة وعنف من المجتمعين بالامتيازات الذّين يدافعون عن امتيازاتهم .”

وفي ظل التباين والاختلاف القائم بين الفاعلين في الفضاء المجتمعي سارعت العديد من الأطراف إلى كسب تأييد الجماهير من خلال استمالتها وتوجيه رأيها وكذلك باستقطابها. وسعت أطراف حزبية إلى أنّ تكسب القوة السياسية للرأي العام وأنّ تعرض نفسها كمفوض منحته الجماهير سلطتها في حقل الفعل. وحاولت الأحزاب من خلال العمل الدعائي أنّ توجه الرأي العام وتستثمر إنتظارته وتقوم بإعادة إنتاج مشاريعها وإستراتجيتها وفق إدراك وتقويمات الفاعلين الاجتماعين، وأنتج ذلك دعاية تقوم بها بعض الأطراف للسيطرة الرأي العام وتحويله إلى سلطة وعلاقات قوة تعزز بها نفوذها داخل حقل الصراع القائم و”إذ تأخذ هذه الرسالة الدعائية بنظر الاعتبار الجمهور الموجهة إليه رسالتها وبالتالي هي تحاول التلاعب به من أجل اصطناع عالم وهميا تغذيه تحيلاته التي هي محاولة هروبه من الواقع الذّي لم يحقق انسجامه. ومن هنا تسعى تلك الدعاية إلى تحقيق هدفه من خلال اعتماد قطع الصلة ما بين الجماهير والعالم الواقعي وذلك قبل أنّ تمتلك السلطة إصدار ستار من الحديد بغية الحيلولة دون أنّ يعكر أحد بسلخه من واقعيته هداة عالم مرعب مستغل تماما .”.

ويعتبر الإعلام من بين الوسائل الفعالة لتؤثر على آراء الفاعلين بمضامينها. وتتنوع أدواتها منها الصحافة الحزبية ،التي تسعى جاهدة لكسب تأييد قرائها ،وتقوم بتعبئة مناصريها ،و تؤثر في الجماهير انطلاقا من إيديولوجياتها وآراءها ففي مقال لجريدة الضمير:”بالتزامن مع إغلاق مكاتب الاقتراع كثرت التكهنات والقراءات خاصة توضع درجة الحضور الشعبي وقدراته الاتصالية لتتهاطل علينا نسب التحدث عن فوز حركة نداء تونس بأغلبية الأصوات وبفارق شاسع عن اقرب منافسيها تجاوز 10 % والحال أن اغلب الصناديق مازالت لم تصل إلى مكاتب الفرز مما ساهم في أحداث موجة استياء في صفوف رأي العام على اختلاف مشاريعهم.” سعت بعض الصحف لتمثيل أحزابها والتعبير عن أنشطتها في الفضاء الاجتماعي والسياسي.وان تخدم بدورها إعادة إنتاج نمط مخصوص من المعرفة يخدم أطراف سياسية معنية, فأغلبية الصحف تولد مفردات وكلمات لها وقع خاص وقوة رمزية خفية تعتمدها للتأثير في الفاعلين وتوجيه آرائهم و”أنّ أبسط حقل سياسي يستعمل شبكة معقدة ومتشعبة من العلاقات التاريخية للقوة بين المتكلم المتوفر على سلطة اجتماعية خاصة وجمهوره الذّي يعترف بسلطته درجات مختلفة .”

(IIIالعمل الدعائي وإعادة إنتاج العنف:
تعتبر الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية ذات فاعلية هامة على التحولات التي شملت مختلف قطاعات الإنتاج الرمزي من إعلام سمعي وبصري ومرئي كذلك الأحزاب والحركات المتعددة في الفضاء المجتمعي التونسي، وأنّ جميعها طامعة لامتلاك السلطة التي تخول لها امتلاك الشرعية والتأثير على الجماهير. وتقوم باستمالتها لتحقيق منافعها الخاصة وتخدم مصالح الأطراف القائمة بعملية تمويلها والفاعلة في الحقل الدعائي والإعلامي والسياسي. أنتجت نزعة الهيمنة على هذه الحقول والتي تعتبر جميعها مؤثرة في عملية الترويج والاستثمار لمشاريع وأفكار السياسيين والإعلاميين الطامعين جميعهم في تحصيل حيز هام من الخطاب: “بالخصوص مؤسسات الإنتاج الرمزي(الإذاعة’ التلفزة’ الكنيسة) أي في كل المجالات حيث كان صراع ناشئ بين المسؤولين على مشروعية الخطاب والطامعين الجدد فيها.” وهكذا تتم عملية إخفاء القوة الرمزية المتنوعة والتي تسعى لفرض معرفة خاصة وأنّ نعمم نموذجا سياسيا أو اجتماعي معين وتعمل مؤسسات الإنتاج الرمزي على استغلال الدعاية لتقلين وتعليم الناس لآراء وأفكار معينة تمثلها وتستثمر إيديولوجيتها بجعلها في غاية الفاعلية و”أنّ نشاط تربوي هو موضوعيا نوع من العنف الرمزي’ وذلك بوصفه فرضا من قبل جهة متحسنة لتعسف ثقافي معين .”

الحرية باعتبارها أساسا للفعل ومنحت الفاعلين قدرة للاتصال بالجماهير والتعبير عن الاختلاف القائم في حقل العلاقات الاجتماعية والسياسية على حد السواء. وإنّ تهافت السياسيين على استغلال وسائل الإعلام واستعمالهم أساليب دعائية مختلفة الغرض الأسمى منها هو البروز وامتلاك حيز من الفرض الرمزي الذّي يؤهلهم للسيطرة على رأسمال رمزي وبدوره يوفر لهم فرص لاحتلال مواقع جديدة في حقول أخرى تكثف من حضورهم وترسخ برامجهم وأفكارهم في عقول وأذهان الأفراد و”لا يمكن للنشاط التربوي بوصفه نفوذا رمزيا لا يختزل من حيث تعريفه نفسه إلى عملية فرض للقوة، أنّ ينتج أثره الخاص أي الرمزي حصرا ، إلا إذا مورس من خلال علاقة اتصال. ”

ويعتبر التفاعل القائم بين مختلف الحقول الاجتماعية في تونس عامل هام في تنوع استعدادات الفاعلين للسيطرة على علاقات القوة، والقيام بعملية توزيع السلطة الرمزية في مجال اشتغالهم. كما أنّ التعددية السياسية مكنت الفاعلين من تنويع نماذجهم التي تفترض وجود عنف رمزي خفي يمارس للسيطرة على الطبقات الاجتماعية التي لا تمتلك استعدادات كفيلة بفرض نموذج مغاير لها يقع الترويج له من خلال وسائل الاتصال المختلفة ففي مقال لجريدة “الضمير” ومن بين التجاوزات التي عددها رئيس الهيئة مسألة الإشهار السياسي وتحليل عملية ير الآراء والبث المباشر والمسترسل لملتقيات واجتماعات المرشحين بالإضافة إلى عدم احترام برامج القانون الانتخابي والقرار المشترك بين هيئة الإعلام وهيئة الانتخابات حول التغطية الإعلامية للانتخابات و خص بالذكر البرنامج الذي عرضته قناة نسمة على شاشتها حول مرشح الرئاسة سليم الرياحي.” ،ان التنافس السياسي انعكس بدوره على التنافس الإعلامي والدعائي عامة وأنّ علاقات الصراع القائمة بين الفاعلين أفرزت بدورها علاقات نزاع بين الإعلاميين وكل منها يدافع على نوعه الخاص من رأسمال الموجه ،وحتى الأقلام الصحفية لها استعدادات كفيلة بفرض أنشطة تعليمية تروج لأفكار تعتنقها أطراف سياسية دون أخرى و”يتعين النشاط التربوي موضوعيا في حيثية أولى كعنف رمزي ومن كون عىقات القوة بين الجماعات والطبقات التي تتألف منها التشكيلة الاجتماعية، تؤهل النفوذ التعسفي باعتباره شرط لانعقاد علاقة الاتصال التربوي إلي فرض وترسيخ نموذج ثقافي تعسفي وفق نمط تعسفي من الفرض والترسيخ .”

وأنّ التفاعل بين الإعلاميين والسياسيين ينم عن وجود علاقات قوة متباينة وأنّ يسعى كل طرف لفرض نوع خاص من السيطرة على الآخر، ويثبت من خلالها هيمنة رمزية ومادية في الحقل السياسي والدعائي ،وهذا ما يدفع القائمين على مختلف الحقول بتوليد إستراتجيات مختلفة يتأقلم مع الأوضاع المتباينة والمواقع التي يشغلونها وبالتالي احتكار العنف المشروع وكذلك فرض شرعيتهم على منافسيهم في الفضاء العام و”اللاعب الجيد هو شكل من أشكال اللعب بما هو إنسان يقوم في كل لحظة بما عليه فعله وهو ما تتطلبه اللعبة وهذا يستوجب ابداع مستمر, وكما يجب التأقلم مع سياقات اللعب المختلفة و الامتناهية”.

ويبقى الهدف الأسمى للفاعلين باختلافهم تحقيق النجاح على مستوى فرض السيطرة وتحصيل رأسمال متنوع يعزز حظوظه لمنافسة باقي القائمين في حقل السلطة. وامتلاك السلطة أيا كان نوعها وحجمها ومصدرها هو أساس لكل فعل يقوم به الفاعل ليوجه الأفراد ويتحكم بهم. وكل فاعل يطمح لامتلاكها لأنها بدورها تضفي على أعمالهم الشرعية ومنها تنشأ علاقات توتر بين الفاعلين في مقال لجريدة “الضمير”: “لقد دخل المناضلون السياسيون منطقة التدويخ حتى أصبحوا يبحثوا لأنفسهم وأحزابهم عن “خيمة” رجال أعمال ويشهدون بصاحب “معلومة” ويعرفون أنفسهم كما المتسولين على وسائل إعلام يتحكم بها المقتدرون “،رغم الفاعلية التي تثبتها بعض أللأحزاب والحركات السياسية فهي تظل في حاجة للإشهار ووسائل التغطية أللإعلامية التي تمكنها من نشر أفكارها وبرامجها وهو ما يجعلها في منافسة مع القائمين في الحقل الإعلامي ليثبت كل طرف قدرته على التحكم في حقل علاقات القوة وفرض السيطرة الرمزية على المتقبلين والفئات المستهدفة.
وتعتبر الممارسة السياسية فعالة لاستثمارها مؤثرات ووسائل الاتصال ولكن هذه الأخيرة تسيطر عليها أطراف دون أخرى ذلك أن رأسمال مادي الذي تتمتع به أحزاب وحركات سياسية يجعلها تحتكر الفضاء الدعائي والإعلامي عامة، وكان سببا حقيقيا في تراجع أطراف أخرى ليست لها نفس القدرات الدعائية التي تؤهلها للمنافسة والنزاع “ومن أجل ضمان استمرار توليد ميكانيزمات جديدة لبقائها واستمرارها على جهازين أساسين الأمن والإعلام. أنتجت فعالية البشر واستمرار العمل السياسي. وغاب إعلام التفاعل والإبداع و ساد إعلام الضجيج, إعلام الموظفين والبيروقراطيين..”

تكريس الخصومات السياسية:
وتعتبر المضامين الإعلامية ومنها الدعائية هامة خاصة في الظروف التي تعاني فيها المجتمعات من أزمات وانتكاسات فهي تمكن الأعوان من الحصول على المعلومات والإطلاع على الأوضاع والوقائع. ولم يتسنى الإعلام التونسي قبل الثورة أنّ يقوم بالمتبعات الميدانية المتنوعة ومنها السياسية وبتسليط الاهتمامات حول الفاعلين ونشاطاتهم وتصريحاتهم وبياناتهم. وكما أصبح الإعلام التونسي استعدادات للنقد والدحض والمعارضة بأساليب تختص بها وسيلة إعلامية دون غيرها وكل طرف يقوم بإنتاج الرسالة التي يختارها والتي تعبر عن أهدافه الخاصة، فتعددت الرسائل التي يعتمدها الإعلام للقيام بعملية الاتصال ومنها التلفيزيون والصحافة مدفوعين بمنطق التهافت وراء الإقبال المتزايد للمشاهدين وتحول الإعلام إلى فاعل أساسي وبارز ويقوم بدور جوهري في عملية التغيير والتعبير عن الفعل السياسي القائم في الفضاء المجتمعي و”القنوات التلفزية وبشكل خاص الفضائية منها لم تعد مجرد قنوات تقدم برامج التسلية أو التثقيف ان هي كما يؤكد على ذلك “بورديو” قد أصبحت أدوات الضبط والتحكم السياسي والاجتماعي في المجتمعات الراهنة و أو هي وفقا للمصطلح الذّي يستخدمه “بورديو” عبارة عن أدوات “العنف الرمزي” الذي تمارسه الطبقات الاجتماعية التي تهيمن وتسير هذه الأدوات .”….(.يتبع)

لا تعليقات

اترك رد