يوميات مواظب (ع . س) ج1

 
اللوحة للفينيق حسين صقور
اللوحة للفينيق حسين صقور

كان علي الاختيار بين انتظار باص النقل الغافي أو سباق الأرجل قبل أن ينتصف النهار كان الأمر يبدو كمن يترقب ورقة يا نصيب وهي غالباً ما تخبو ونادراً ما تصيب استسلمت للحالة الأولى اتكأت بجسدي على العمود وأخذت راحة كفي تمارس غيظها على ما بقي في جيبي من نقود .. عيناي تارة على الطريق تتلهف وتراقب و تارة أخرى تسترق السمع و النظر إلى التعساء وترسم ذاكرتي ما تخبئه عيونهم البلهاء خيبات و تذمرات حناجر سجانة الكلمات شفاه تتمتم و أفواه تطلق عن غصب الزفرات بعد ربع ساعة على تلك الحال مر باص مخنوق .. لهفة الوصول أنستني قراءة وجهته كما أنستني السؤال فزاحمت الصاعدين إليه وكان نصيبي نصف يتوسل لنصفه الآخر بعضي معلق في الفضاء وبعضي الآخر يستنجد بالحديد والركاب المتزاحمين و بالأنبياء بقيت على تلك الحال إلى أن أتاني جواب السؤال

إلى أين وجهة الباص ؟
لم يكن الباص وجهتي وهذا ما أراحني فنزلت مستنكراً فعلتي وحمدت الله أني نزلت في الوقت المناسب فمفتش الباص عند المحطة التالية صعد ليحاسب

حسمت أمري ووجهت فكري لسباق الأرجل كان علي أن أسابق الوقت المخادع فحين تصارع الشمس الغيوم يمارس الوقت جنونه والمجون تارة حاسر الرأس يكشف عن نهار وأخرى يغطي بغمامة تبعث في النفس الحيار

استحوذت على رأسي فكرة واحدة صرت أجري خلفها

كانت فكرة الرغيف تبعث في القلب الحسرة … فرائحته وريحه تمد جسوراً من اللهفة والشوق بيني وبين الفرن مقصدي وبيني وبين زوجة مقطبة الجبين وأبناء لازالوا ينتظرون وهم على بعد ساعة من الآن إلى المدرسة سوف يذهبون

( إن كان الرغيف جزرة فلا حاجة لكثير من الذكاء كي تعلموا من صار الحمار ومن ذاك الذي يقوده .. يرسم له طريقه ويجندله بقيوده )

أذكر حين كنت أخرج في السابق كنت أترنح متخبطاً بأفكاري وكان إيقاع حركتي يتناغم معها ويترجمها كانت وقودي وطالما حققت من خلالها وجودي ..

أما الآن فلن أهتم لعيون لم تعتقني يوماً فالوقت ليس من صالحي وهاجسي صار الوصول بعد أن تحطمت آمالي بابتياع ربطة من إحدى المخازن حين أدركت مدى الحرص على المواطن

فبيع العيش صار محظوراً ومحصوراً في قليل من الأماكن بعد أن صارت الربطة تباع بضعف السعر ولقاء هذه الدوامة المتواصلة من القهر علينا أن ندفع أضعاف سعر الربطة مواصلات وأضعاف أضعافها وقت قد مات

أخيراً وصلت ولكني أعتقد أن قطار الوقت قد فات وعلي أن أنتظر عند الفركونة الأخيرة أمام إحدى النافذات هو المخبز الأكثر رقياً في المحافظة ثلاثة نوافذ ومنافذ طابور للبنات والنساء وآخر طويل لن ينتهي حتى المساء وهناك طابور للعسكر وأمام تلك المأساة وقفت في طابور الربطة الواحدة كي لا أتأخر

وأقول لكم كنت سابقاً متجهماً وقليل الصبر أما الآن فربما صارت تسليتي سخرية هذا الزمان أقف في الطابور وأراقب الوجوه المنكسرة لا حول لهم ولا قوة بدت لي عيونهم أكثر استسلاماً وخوفاً وربما لم تعد نفوسهم تنتظر رحمة سوى الموت

لا غاز لا ماء لا كهرباء الضرائب لا ترحم و الفواتير تنتظر وبدوري أنا كنت لازلت أنتظر غير آبه بمزاحمة بعض العيال ووصولهم السريع وهم بعض من معارف البائع ( السلطان ) .. ربما كانوا ممن يتاجرون سراً بربطة أو ربطتين على الرصيف المجاور ولولا أن طال انتظاري لفكرت أن أشتري منهم وأغادر لكني كنت معلقاً بالأمل فبيني وبين النافذة مسافة صبيين و تمتمات تكسر الملل … وأخيراً صرت بمواجهة البائع .. مددت يدي بكامل طولها لأعطيه الورقة المالية المتعرقة بين ثنايا قبضتي .. أما هو فقد تأفف مستنكراً فعلتي ثم أشعل سيجارة وصار ينفخ غير مكترث بالأيادي الممدودة وكلماتهم المعهودة ( أبو راغد الله يرضالي عنك رغيف واحد , أنا إلي كثير ناطر ما في لهالشيبة عندك خاطر , أنا من طرف أبو سعيد الله يخليلك راغد وعيد ) نفخ سيجارته وطال الانتظار وإلى مسمعي تسللت الأخبار كمية الطحين تكاد تنفذ و للمخبز من الباب الرئيسي منفذ ولكنه خاص بحملة البطاقات الخضراء وهم خدم وحشم لبعض المتنفذين والأثرياء … تسللت الحيرة إلى نفسي أأغادر بعد كل هذا العناء لن ترحمني كلمات زوجتي وستجلدني العيون المنتظرة

…….. يتبع

لا تعليقات

اترك رد