داعش قدوتنا !

 

تحليل محتوى محاضرة الأمين العام لحركة المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي يكشف مدى الإعجاب بعقيدة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لدرجة البحث عن معادل نوعي شيعي لعقيدة”خلافة على منهاج النبوة” والتي يقترح الخزعلي أن تكون “العقيدة المهدوية” لتدور حولها رحى التعبئة الشيعية.

سبق أن خضعت مسألة “محور” التعبئة الشيعية للنقاش بين المدارس الشيعية، وقد أختار الخميني والشيرازي الإمام الحسين ع محوراً للتعبئة، لما تتضمنه سيرته من قيم الثورة والفجيعة معاً، بينما اِختارت المدرسة النجفية التقليدية “الخوئي، السيستاني” الإمام علي ع باعتباره محور التشيع ورمز وجوده ومصدر إلهامه، وحول علي ع تدور رحى المعتقد الشيعي “الإمامة” لكن أستاذنا الإمام الشهيد السيد محمد الصدر اقترح محوراً أكثر فاعلية وتأثيراً بحسبه، وكان الصدر يعتقد أن عقيدة المهدي تتضمن جوانب مهمة جداً للإحياء الشيعي منها:
أولاً: المهدي هو الإمام الثاني عشر في عقيدة الشيعة الإمامية، وإعتماده محوراً للتعبئة يعني التأكيد على العقيدة “الأثنا عشرية” وهو التشيع بالمعنى الأخص كما في التراث الكلامي الشيعي.
ثانياً: التعبئة لما يسمى “الأطروحة المهدوية” يعني التبشير بالمستقبل الموعود للإنسانية، وهذا يخرج الشيعة من سرداب الغيبوبة الحضارية وما خلفته من أضرار على التراث والتفكير الشيعي.
ثالثاً: المهدي مشروع حكم وسلطة وثأر من الطغاة وثورة بوجه الظلم ونهضة من أجل العدل الإلهي، وهذه العناوين الكبيرة كفيلة بأن تفجر من الصخر ينبوعاً، وهي مغرية لجيل ورث الهزيمة النفسية والثقافية، وهو مثقل بالإحباط مضلل بالجهل والكراهية.
رابعاً: عقيدة المهدي تقضي أن يثبت للمهدي ما ثبت لمن سبقه من أئمة آل البيت ، وعلى هذا الأساس فإن التعبئة المهدوية تتضمن الدعوة لعقيدة الإمامة في إطارها العام والخاص، كما تتضمن حمولة السيرة المقدسة للائمة الأحد عشرة.

هذه الأسباب وغيرها رجحت محورية “العقيدة المهدوية” على غيرها من عقائد الإمامية عند المرجع الشهيد الصدر الثاني، وقد ألف الصدر موسوعة من خمسة أجزاء تهدف إلى تكريس هذه الفكرة بصورة مفصلة لم يسبق للمكتبة الشيعية أن تناولت هذه العقيدة به .

الشيخ الخزعلي نشأ دينياً في مدرسة الصدر، وعمل مساعداً لوريث الصدر الشرعي زعيم التيار الصدري سماحة السيد مقتدى الصدر، صاحب أول محاولة فعلية لترجمة نظرية أبيه إلى تيارٍ شعبيٍ واسع، وأكثر من ذلك حاول السيد مقتدى الصدر تأسيس جيش عقائدي يأخذ على عاتقه التمهيد لدولة المهدي المنتظر، وأطلق على هذا الجيش اسم “جيش الإمام المهدي” وكان يغرس العقيدة المهدوية في نفوس أتباعه ويسقي ذلك الغرس بالأحاديث المقدسة الواردة في تراث أهل البيت وأطاريح أبيه في الموسوعة المهدوية.
لكن السيد مقتدى الصدر لاحظ جنوح غير مسبوق وغير مسيطر عليه نحو التطرف انتشر في صفوف تياره، ومرجع ذلك التطرف هو تفسيرات وتأويلات لأفكار الصدر في الموسوعة، لدرجة أن عدداً كبيراً من أتباع الصدر صار يعتقد أن السيد مقتدى الصدر هو ذاته المهدي الموعود، كما كان يقال عن أبيه قبل قتله، الأمر الذي جعله يصدر تعليمات صارمة وبيانات متكررة، تمنع وتحرم دراسة وتدريس “موسوعة الإمام المهدي” إلا من قبل المختصين المؤهلين من رجال الدين، فضلاً عن تبنيه مشروع إصلاحي أستهدف المتطرفين ومن وصفهم بالجهلة في تياره وطرد عدداً ليس قليلاً من أتباع “الطريقة” وهم الجماعة المهدوية المتطرفة في تياره.

نشأت مجاميع أخرى من أتباع الطرق المهدوية خلال فترة التسعينيات وما بعدها، أبرزها”السلوكيون” وجند السماء وآخرهم أتباع اليماني.

سبق الصدر حركات مهدوية في إيران منتصف القرن الثامن عشر سميت بالبابية أنتهت بتأسيس الدين البهائي، واجهت حملات قمع وحشي في إيران والعراق ولا تزال حتى اليوم، وفي السودان حركة المهدي التي شيدت حكماً مهدوياً هناك.

لا أدري مدى جديّة الخزعلي في المضي بهذا الإتجاه الخطر على مستقبل الشيعة، ولكني أعلم أنه من المتحمسين لعقيدة المهدي منذ أيام الدراسة التي جمعتني معه قبل عقدين من الزمن، بل وإنه كان يدرس “تأويل القرآن الكريم” وتحديداً سورة الكهف، وقد تبنى آراءً مهدوية في تأويل الآيات، أثناء سجنه في معسكر كرابر الذي تديره القوات الأمريكية، ويؤكد ذلك تسميته “للمجاميع الخاصة” عصائب أهل الحق، في إشارة إلى عصائب أهل العراق المنصوص على ذكرهم في روايات عديدة وهم أنصار المهدي المنتظر.

الشيخ الخزعلي المدعوم إيرانياً لديه كتلة نيابية مؤثرة في مجلس النواب العراقي وشارك في الحكومة عن طريق وزارة الثقافة والسياحة، لكنه لم يعجب بالتجارب العالمية الناجحة، ولم يتأثر بمخرجات العلوم العصرية التي اكتشفت تقنية النانو والعالم الرقمي الحديث، لم تغره جامعة هارفارد أو كامبريدج أو أوكسفورد، ولم تستفزه النهضة العمرانية والتنمية الإقصادية التي أفرزها اقتصاد السوق، ولم تلهمه الديمقراطية الليبرالية التي حققت نجاحاً باهراً في تحقيق الإستقرار الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والأمني في أمريكا وأوروبا وأستراليا، كل هذه المنجزات لم تلهمه التفكير في تجديد الخطاب الديني، ولا العمل الجاد على تجديد آليات التفكير الديني، المريض بالتناقض والتخلف والغموض والجهل، لكن تجربة داعش العدمية التي فشلت في الإحتفاظ بوجودها أكثر من ثلاث سنين، استفزت شهوته في تأسيس “خلافة على منهاج النبوة” بهوية شيعية تتمحور حول العقيدة المهدوية الغامضة، علماً إن الإمام الشهيد الصدر الثاني رحمه الله صاحب الموسوعة المهدوية ومنظر أطروحتها قال في أحدى مقابلاته المسجلة، أنه كتب هذه الموسوعة في ظروف تجاوزها الزمن ولو وجد الوقت لإعادة كتابتها لكتبها بطريقة مختلفة.

لا تعليقات

اترك رد