فريدة كاهلو مستودع المشاعر الدفينة


 
الصدى - فريدة كاهلو مستودع المشاعر الدفينة .. للكاتب سيد هويدي

صحيح ان سلمى حايك اللبنانية الأصل، المكسيكية المولد، الأمريكية الشهرة، أعادت الفنانة التشكيلية فريدة كاهلو الى دائرة الضوء، بعد أن قامت بأداء دورها فى فيلم يحمل أسمها ويتعرض الى جزء من سيرتها الشخصية والفنية، الا ان “فريدا كاهلو” قبل الفيلم وبعده، تعد أحد رموز الثقافة المكسيكية، رغم غيابها منذ أكثر من خمسين عاماً عن مسرح الحياة الفنية، ولكن ظلت خالدة كرموز المكسيك العظام زوجها “دييجو ريفيرا”و “أروزكو روميرو”، رواد فن الجداريات فى العصر الحديث، بعد ان أدهشوا العالم بأسره بفنهم الجدارى الذى تجاوز حدود المكسيك، بل أن الحكومة المكسيكية تدرس إصدار طابع بريد تتصدره صورة فريدا.

حياة أسطورية، ومسيرة حافلة بالإثارة، وقصص حب ملتهبة، وجرأة متناهية، وخيانة غير مشروعة، وموهبة نادرة، وجملة أسباب عديدة دعت الحركات النسائية فى العالم فى بداية السبعينات إلى أن تفتش عن تاريخ الفنانة الاستثنائية “فريدا كاهلو” التى شهدت أحد ضواحى مدينة “مكسيكو ستيى” ميلادها فى 6 مايو من العام 1907 حيث سجلتها جدتها باسم “مجدلينا كارمن فريدا” فيما كان والدها يعمل مصوراً فوتوغرافياً وكذلك جدها لأمها.

وفى الوقت الذى كانت فيه الصبية الصغيرة تفخر بجذورها المكسيكية الأسبانية التى تعود للهنود الحمر من أمها، لم تعبئ كثيراً بأصول والدها اليهودى الهنجارى.

وإن كانت شهرة الرسام الفنان “دييجو ريفيرا” قد فاقت وتعدت الآفاق متخطية محيطها الضيق بانتمائه لبلد من العالم الثالث ليصبح أحد رموز الفن فى القرن العشرين إلا أن زوجته الفنانة الذاتية “فريدا كاهلو” استطاعت أن تحقق شهرة لا تقل عن شهرة ريفيرا بعد أن كانت مجرد تابعة لحبيبها الأبدى لكن هذة الشهرة جاءت متأخرة بعض الشئ نتيجة أنتباة حركات المرأة فى العالم لقصة ومسيرة فريدا الحافلة والخاطفة.

فقد كان القدر يخبأ حادثة أليمة للجسم النحيل-فريدا- عندما وقعت ضحية حادث سير وهى تجلس أمنة فى حافلة المدرسة فإذا بقضيب معدنى يتسلل من تحت خاصرتها ويخرج من تحت فخدها مخلفاً أثاراً عميقة فى العمود الفقرى والبطن وهو الأمر الذى أدى لأجراء سبع عمليات جراحية عديدة فى العمود الفقرى.

وعلى الرغم من هذا الاختراق القسرى الذى أدى إلى أن يفرض على فريدا ملازمة الفراش زمناً طويلا،ً وهجر وترك صديقها لها بعد أن أصبحت مقعدة، إلا أن الألم والغدر صقل تلك الشخصية القوية فطلبت من أهلها شراء أدوات للرسم ومرآة، يغرض تثبيتها فى سقف الغرفة لتبدأ رحلة فنية تجسد فيها صورتها بزهو نادر فى أغلب لوحاتها.

وفى غمرة هذا الحماس الفنى الذى يستعصى على الأصحاء تتزوج من رفيق حياتها وحبها دييجو ريفيرا عن قصة حب عاصفة بدأت إثر لقاءهما فى العام 1928 بعد عودته من الإتحاد السوفيتى حيث ذهبت إليه لتعرض رسوماتها فى وقت لم تكن قد تجاوزت فيه العشريين من عمرها، فى حين كان ريفيرا يكبرها بعشرين عاماً ويتمتع بشهرة كبيرة، وكان دييجو ريفيرا شديد الإعجاب بفلسفة الثورة الشيوعية والرفيق “لينين” وأصحابه فقد شاركته فريدة أفكاره الثورية اليسارية وأيضاً حبه للمكسيك بلده وإحساسه الواعى بوطنه وحضارة المكسيك وأصولها الهندية الحمراء.

مما يثير الدهشة أن أمريكا التى تحتفى بفريدا الآن سواء بإنتاج فيلم عن حياتها أو من خلال أنصافها نقدياً وفنياً إلا أن أمريكا لفظتها وهجرتها فى بداية حياتها عندما شدت الرحال إليها مع ريفيرا أثناء قيامه برسم مشروعه الجدارى فلم تلق الترحيب الكاف من الأمريكان الذين اعتبروا منظرها شاذاً وغريباً ومتخلفاً بجونلاتها الطويلة المزركشة والزهور التى تملأ شعرها علاوة على أن جمالها الأسمر الخمرى لم يكن على هوى الأمريكان فى تلك الفترة، ولأن فريدة تعد مستودع المشاعر الدفينة فعندما تسلل لها هذا الإحساس زادها إحباطاً وتعاسة وانكفاءً على نفسها وهو الأمر الذى دفعها إلى أن تقبل على الرسم بجنون فعادت إلى الوطن-المكسيك-لتمنح العالم أحلى وأجمل الألوان والرؤى الفنية التى بدت أحياناً سريالية.. لكنها تقول:”يعتقدون أننى سريالية، إلا أننى لم أكن كذلك.. لم أرسم يوماً أى أحلام إنما رسمت حقيقتى”.

وفى الوقت الذى كانت فيه “فريدا كاهلو” تعانى من الألم والمعاناة سواء من خيانة ريفيرا لها أو بسبب ظروفها الصحية كانت تظهر دائماً مرحة محبة للحياة، الابتسامة لا تفارق الوجه الاستثنائى الذى تتواصل فيه الحاجبين على نحو فريد وكأن لها نصيب من اسمها فكانت طلعتها دائماً بهية، فيما تظهر فساتينها الزاهية كأنها تعيـدنا للفطرة والتـلقائية والمعانى البكر، كما عرف عنها الوفاء للأصدقاء، فعندما نفى “ستالين” الثورى الشيوعى “تورتسكى”الذى شارك “لينين” فى الثورة البلشيفية لم يجد ملاذاً إلا لدى ريفيرا وزوجته فريدا.

شارك
المقال السابققصص قصيرة
المقال التالىشيخ الفنانين الكبير الراحل محمد توفيق
فنان تشكيلى مصري ، يكتب عن الفن، منذ منتصف الثمانينات، في الصحف والمجلات المصرية والعربية والأجنبية، مؤسس صفحة جاليري بجريدة روز اليوسف اليومية. وساهم في العمل العام من خلال، عمله كمدير فنى لقطاع الفنون التشكيلية. والمشرف العام المركز الثقافي بمتحف احمد شوقي (كرمة بن هانئ). المشرف العام علي ادارة ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد