عرض وتحليل ونقد مؤلف الكاتب الجمالي الإسكندر ببادوبولو الإسلام والفن الإسلامي 3 ـ وسط الحضارة

 

تمهيد:
L’Islam et l’art musulman، مؤلف أنيق، من الحجم الكبير، صدر باللغة الفرنسية عن دار مازينو Mazenod للنشر بباريس سنة 1976، صفحاته من الورق الرفيع، اشتمل على 173 صورة ملونة و562 صورة بالأبيض والأسود و298 رسما توضيحي (تصاميم وخرائط ورسومات وبيانات).
تصدرت صفحة الغلاف الأولى صورة جزئية لمزوقة فارسية.

بعد التمهيد الموقع باسم الناشر والتشكرات الموجهة إلى الشخصيات التي ساهمت أو ساعدت على إنجاز المؤلف يلج القارئ فصول الكتاب الموزعة على قسمين رئيسيين:

1- الفصل الأول «الإسلام” يأتي مباشرة بعد المقدمة التي خصصها المؤلف لحالة الفن الإسلامي. ويشتمل هذا الفصل هذا على بابين: الفتح العربي ووسط الحضارة.

2- الفصل الثاني حمل عنوان: “الفنون الإسلامية” واحتوى على سبعة عشر بابا: تكوين الجمالية الإسلامية، الفسيفساء والتصوير الحائطي، المزوقة، المناظر الوطنية ونهاية التصوير الإسلامي، الفن اللاتمثيلي، الفنون الصغرى، الهندسة المعمارية، أصل المساجد، التقدمة البيزنطية وسنة المدينة، الإرث الهندسي اليوناني، سلالة النماذج الأموية، التقدمة المعمارية والجمالية الإيرانية، تأثير الأشكال الجمالية الإيرانية، العمارة في تركيا، العمارة الدينية في مصرفي عهد المماليك، العمارة الإسلامية في الهند، العمارة المدنيَة في الإسلام.

واختتم المؤلف كتابه بفصل خصصه للوثائق الإكنوغرافية اشتمل على صور ورسومات بيانية عن العمارة وتكوينات المزوقات التشكيلية وتطور الأشكال المعمارية تاريخيا وجغرافيا عبر أرجاء العالم الإسلامي، كما أدرج في هذا الفصل فهرست الفلاسفة المسلمين والعلماء والمؤرخين والجغرافيين والشعراء والكتاب والمصورين والمهندسين والملوك ورجالات الدولة.

تحدث الكاتب فيما سبق ذكره عن انتشار القراءة والكتابة وعن دورهما في تدني مستوى الأمية، وكان نتيجة لهذا تقدم جد ملحوظ للعالم الإسلامي بالمقارنة مع الأمم الأخرى، ويوافق هذا التقدم الفكري وعي بكل ما يتعلق بصحة الأبدان وسلامتها من الأمراض، إذ أن “المسلمين كانوا أنظف من الغربيين” كما جاء على لسان الكاتب نفسه.

ونظافة البدن هذه يرجعها المؤلف إلى وجود الحمامات العمومية الموروثة عن الإغريق والرومان، وإلى تكرار عملية الوضوء خمس مرات في اليوم. ويقارن الكاتب تقدم العالم الإسلامي بأوروبا القرنين الخامس والسادس عشر، ويستبعد مقارنته ببيزنطة التي هو مدين لها، لكنه سرعان ما يتراجع عن المقارنة بعصر النهضة ليؤكد أن العالم الإسلامي سار إلى الاضمحلال والغوص في قرون وسطى بسبب عدم اهتمامه بالطباعة واكتشافاتها التقنية.

إن تدهور الحضارة العربية الإسلامية لم تظهر معالمه فجأة بل اتخذ مسارا بطيئا تراكمت عناصره خلال فترات زمنية طويلة. وأن الوهن الذي ركب الحضارة لا يمكن إرجاعه إلى سبب واحد، كما فعل صاحب كتاب “الإسلام والفن الإسلامي”، حين أكد أن العالم الإسلامي سار إلى الاضمحلال والغوص في قرون وسطى بسبب عدم اهتمامه بالطباعة واكتشافاتها التقنية، بل يُرجَع حتما إلى جملة من العوامل الداخلية والخارجية، ذات العلاقات الجدلية، والمتفاعلة مع بعضها البعض والتي يمكن تقصي حقائقها على مدى فترات تاريخية معينة. فهناك عوامل لها دور كبير في هذا الانحطاط، يمكن إرجاعها أساسا إلى تشتت الوحدة السياسية للعالم العربي الإسلامي، إذ قامت على أنقاض الدولة الواحدة ممالك في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وتعزز الانقسام السياسي بآخر ديني، إذ أخذ يتنافس على زعامة المسلمين، منذ القرن العاشر الميلادي ثلاثة خلفاء: عباسي في بغداد وأموي في قرطبة، وفاطمي في القاهرة، ثم أخذت تلك الدويلات في التناحر مع بعضها البعض إما في محاولة لاستعادة الوحدة الضائعة أو التوسع أو تثبيت النفوذ على حساب الدويلات الأخرى، وهو ما جعل تلك البلاد فريسة سهلة للغزاة كالتتار والصليبيين والدول الأوروبية المستعمِرة. فلا أحد يمكنه أن ينسى أو يتناسى الحروب الضروس التي كانت بين السلاجقة والفاطميين والعباسيين، أو تلك التي دارت في الأندلس بين ملوك الطوائف، إلى أن استغل الإسبان الفرصة وهبوا لاستعادة الأرض والإنسان، وأغلقت منافذ الأندلس بالمرة مع سقوط غرناطة عام 1492، وهي السنة التي رفع فيها كريستوف كولومبوس أشرعة مركبه ليكتشف أمريكا. وأن الانحطاط لم يحدث في كل أقطار العالم العربي والإسلامي دفعة واحدة، فبوادر أفول شمس الحضارة الإسلامية تحققت في المشرق الإسلامي منذ سقوط بغداد، حاضرة الدولة العبَّاسيَّة وعاصمة الخلافة الإسلاميَّة في العام 1258 ميلادية، في حين تم انتهاء الوجود العربي في الأندلس بتسليم بني الأحمر غرناطة للإسبان عام 1492.

“وقد جعلت تلك الاحداث البيئة غير مناسبة للإبداع العلمي او الفكري علاوة على اهتمام الحكام اما بصد الغزاة او التحالف معهم ضد أعداءهم او الصراع داخل دويلاتهم او مع حكام الدويلات الاخرى وهو ما أبعدهم عن تشجيع العلم والتقدم”.

ويخلص الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى أن الفن الإسلامي يعد تعبيرا أصيلا لمجموع الحضارة الإسلامية، وأن تحليل جماليته تأخذ بعين الاعتبار النقط التالية:

1- التطبيق الحرفي لما جاء في موضوع تحريم الصور، ومن سلبياته أنه سهل الكشف عن المؤثرات الأجنبية.
2- تحقيق الثورة الجمالية الإسلامية نتج عنه تفجير إبداعات الفن الإسلامي مع هضم المؤثرات الأجنبية.
3- يملك الفن الإسلامي شخصيته من خلال عالمه المستقل.

الترجمة والخزانات
خصص الكاتب لهذا الباب خمس صفحات من كتابه تحدث خلالها عن الدور الذي لعبه الخلفاء الأمويون والعباسيون على السواء في النقل والترجمة. ففي الفقرة الثالثة نجده يستعمل كلمة “برجوازية” التي ربما لا تنطبق بمفهومها المتداول على الأوساط العربية المثقفة آنذاك، وكان من المستحسن أن تستعمل كلمة غيرها تعبر عن عمق المسألة الاجتماعية في عهد أولئك الخلفاء وتنطبق مع قيمة البحث الذي لا يخلو من الصبغة العلمية الموضوعية نسبيا.

وفي موضوع النقل والترجمة نجد الكاتب يأتي باستشهاد للجاحظ (776 ـ 868) يصرح فيه أن زمن الخلفاء كان لا يخلو من ازدهار وأن الوزراء والأعيان كانوا يؤسسون خزانات جمعت مخطوطات نادرة وأنهم كانوا يملؤون جيوب المترجمين ذهبا. لكن الذي استغربنا له هو عدم وجود مصدر هذا الاستشهاد عند الكاتب، إذ لا وجود للجاحظ ضمن البيبليوغرافيا الملحقة بآخر الكتاب، ويبدو من هنا أن الكاتب رغم تخصصه في الجمالية الإسلامية كأستاذ محاضر لهذا التخصص بجامعة السوربون، ورغم تمكنه من اللغة العربية وقواعدها لم يطلع على المؤلفات العربية الخاصة بالأدب والفكر العربيين الإسلاميين. فالبيبليوغرافيا لا تشمل من الأسماء العربية سوى أ. بهجت في الخزف الإسلامي، والنواتي في الفلسفة العربية، و م. أركون في الدراسات الإسلامية، والبيروني، والبستاني.

ويرجع الكاتب إلى أن الجاحظ يذكر اسم اسطفان الذي ترجمه إلى Etienneالقادم كأهم مترجم في عهد خالد بن يزيد بن معاوية.

ويقول الكاتب على أن الخلفاء المسلمين كانوا يطلبون العون من حاكم بيزنطة ليسلم لهم المخطوطات، ويستشهد لقولة لابن خلدون بأن “المنصور كان يكاتب حاكم بيزنطة يلتمس منه أن يرسل إليه كتبا مترجمة تتعلق بالعلوم الدنيوية، فأرسل إليه كتاب أوق ليدس وبعض الكتب في العلوم الفيزيائية”

هنا كذلك لا نجد ذكرا لابن خلدون في بيبليوغرافيا الكتاب. مع العلم أن قيمة كتب ابن خلدون المرجعية لا يستهان بها، كالمقدمة مثلا، لكن يبدو، وهذا حقيقة، أن الكاتب اطلع على أولئك الكتاب عن طريق نصوص استشراقية أخرى بدون أن يرجع إلى المصادر الأصلية. وهذا يمس نوعا ما، بقيمة البحث العلمية.

هوامش:
٭ يتجاهل الكاتب المغرب الذي كان بمعزل عن الإعصارات التي هزت بقية العالم العربي. ففي الوقت الذي عرف فيه هذا تدهورا حضاريا على أيدي العثمانيين، احتفظ المغرب الأقصى بأصالته وهويته وحاول ملوكه نشر نفوذهم خارج الحدود القديمة فوقفوا في وجه الغزو المسيحي الذي كان يطمع في السيطرة على الشواطئ المغربية، والغزو العثماني في الغرب. فبينما عرف القرن الخامس عشر انحطاطا ثقافيا ظاهرا شهدت فترة السعديين نهضة فكرية حقيقية…فمجيء السعديين دشن مرحلة تقويمية جديدة وتقدما ثقافيا هائلا وصل أوجه خلال الربع الأخير من القرن السادس عشر، (حجي).

مراجع:

* بدر الدين عرودكي- المدارس أولى الجامعات في العالم- رسالة اليونسكو، عدد 99- فبراير 1978
*

Georges Marcet- L’art musulman- Ed. PUF- Paris 1962
* Thomas Munro – Les arts et leurs relations mutuelles – Ed. PUF Paris 1954
* Ernst Gombrich – Histoire de l’art – Flammarion Paris 1982
* Jacques Cagne et Said Najjar – Le Maroc S4adite à travers une étude récente – Hesperis Tamuda – Université Med V, faculté des sciences humaines- Vol. XX-XXI – 1982, Rabat/

لا تعليقات

اترك رد