رحلة مجانية بآلة الزمن

 

آلة الزمن، هي حلم الإنسان على مر كل العصور، وبالرغم من فشل المحاولات المضنية لتصنيعها، أو حتى سبق الزمن ولو بجزء من الثانية، لم ييأس العلماء من الركض وراء ذلك الحلم؛ لأنهم، في قرارة أنفسهم، على يقين أن في يوم من الأيام لسوف يتحقق ذلك الحلم.

وبالمقارنة، عالم الأبراج بالنسبة للإنسان هو آلة الزمن التي تخبره بما يخبئ له المستقبل. وبالرغم من تبرؤ الكثيرين من الاعتقاد بصدق الأبراج، إلا أنهم، في قرارة أنفسهم، قد يصدقون كل حرف قيل لهم على لسان المنجمين وكتب الأبراج، بل ويتغنون بذلك.

فعالم الأبراج للإنسان هو ذاك العالم الافتراضي الذي يرتكن له للخروج من ضغوط وأعباء الحياة، وقد يصير أيضاً الصديق والونيس في أوقات الضيق، وأوقات الراحة. وغالباً ما يلجأ الناس إما للمنجمين أو لهواة القراءة عن الأبراج لمعرفة قبساً مما يخبئه لهم المستقبل. ومن ثم، صارت الأبراج، من ناحية، هي بوابة الهروب من الواقع وتغييب الوعي طواعية، ومن ناحية أخرى، تغذية اللاوعي بالأمل نحو مستقبل مشرق، وتوكيد أن ما سوف يحدث لهم من احباط وفشل ليس من مسئوليتهم لأنه مقدر مسبقاً خلال ذلك العام. وللتملص من مسئولية الاعتقاد في الوهم، نجد أن الكثيرين يجزمون أن ما يحدث لهم هو نفس المصير الذي يلاقيه من ولدوا لنفس البرج؛ لأن ما يؤثر عليهم وعلى تصرفاتهم، بل ويدفعهم للقيام بأفعال دون أخرى، هو حركة النجوم في السماء.

ومن الناحية النفسية، نجد أن محاولة الإنسان للمتلص من عالمه، والسقوط الحر في عالم الخيال هي محاولة أشبه إلى اعتناق مرض الشيزوفرينيا بكامل الإرادة الحرة للحظات قد تستمر لفترات طويلة، وفي بعض الحالات، تستمر على مر سنين العمر. وعند النظر للتعريف المتداول لهذا المرض النفسي نجد أنه ضرباً من ضروب الاضطراب النفسي الذي يتسم بالهلاوس السمعية، وظهورسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تمييز الواقع، وهو بالفعل ما يحدث لمن يعتنقون الاعتقاد في صحة الأبراج. ومن السمات الشائعة لهذا المرض هي انخفاض المشاركة الاجتماعية والتعبير العاطفي وانعدام الإرادة، والعجيب في ذلك الأمر، أن معتنقي الاعتقاد في الأبراج يتبنون طواعية تلك السمات السالفة الذكر للتملص من مسئولياتهم أمام أنفسهم وأمام مجتمعهم.

ومن الواجب معرفة أن الاعتقاد في وهم الأبراج ودارة النجوم ليست بالقاصرة على شعوب العالم الثالث، لكنها تتأجج بين أبناء الدول المتقدمة في العالم الأول، والسبب هو الهروب المقنن من الواقع واختلاق عالم من الهلاوس السمعية ينبئهم بأن ارادتهم مرهونة بما تمليه عليهم سمات برجهم وحركة الأفلاك. ومن ثم يجد الإنسان استراحة مؤقتة مما يحيطه من هموم وضغوط تحدق به في العالم المادي، وهذه الاستراحة القصيرة قد تشحنه على مواصلة الحياة مرة أخرى، إما لتحقيق ما تمليه الأبراج، أو لتعديل مسار حياته لمناوءة إرادة النجوم، أو اتخاذ أن ما أنبأه به الطالع يقين، فيتم استخدامه كعامل يلقي عليه مسئولية ما يبدر منه من أفعال وما يحدث له سواء من خير أو شر.

ومن ناحية أخرى، يمكن تفسير الولع بعالم الأبراج والتهلف لمعرفة ما يكمنه لنا الغيب من خير أو شر هي محاولة لشحن الإنسان بمزيد من الأمل التي قد تصل في بعض الأحيان إلى محاولة يائسة للتشبث بالحياة. فكثير من الناس ليس فقط يعلمون، بل يوقنون أن قراءة الأبراج في الصحف والمجلات وهم كبير، وكذلك ما يعلنه الفلكيون في بداية كل عام من تنبؤات عن الأبراج أنها لا تعدو كونها وسيلة للتسلية. لكنهم وفي نفس الوقت، يحبون الاستماع لها؛ حيث أنه الاستماع لها له لذة كبرى: فهي استراحة قصيرة من عالم الحياة المادية الذي يتسم بالجمود، وفي بحض الأحيان الدافع الذي قد يخبرنا أننا نسير على الدرب الصحيح.

ومن الطريف جداً، هناك ما يسمى بالأبراج الصينية التي يحاول الكثيرين نشرها مؤخراً في العالم العربي والغربي. والأبراج الصينية لها أسماء تخالف الأبراج المتعارف عليها في العالم العربي والغربي. فكما نعلم هناك برج الأسد، والحوت والسرطان والدلو، وغيرها من الأسماء. لكن في الأبراج الصينية نجد أن أسماء الأبراج الفلكية الصينية: الفأر، والبير، والأرنب، والتنين، والأفعى، والحصان، والعنزة، والديك، والقرد، والكلب، والخنزير، والنمر. ومن ثم، ينهافت الجميع على الأبراج ذات الأسماء الرنانة مثل التنين والنمر، والحصان، في حين يخجلون من أن يعترفوا بأن علامة برجهم الفلكي الصيني هو الفأر أو الكلب أو الخنزير. وقد يترك أحدهم في العالم الإسلامي الاعتقاد في هذه الأبراج الفلكية تماماً بسبب أن برجه الفلكي هو الخنزير، معللاً ذلك أن هذا الحيوان أصلاً حرام. ومن ناحية أخرى، قد يتخذها البعض مدعاة لاختلاق الفكاهة أو للتوبيخ بشكل مستتر.

وفي كل الحالات، يجد المرء نفسه بعد قراءة أو الاستماع إلى برجه الفلكي لا ترتسم على وجهه إلا ابتسامة جميلة، سواء عند تصديق ما ينبئه الغيب به، أو حتى عند رفض الاعتقاد بما أخبره به برجه الفلكي. وفي كل الأحوال، قد نال الإنسان لوهلة استراحة قصيرة من هموم وضغوط

الحياة، وكذلك أيضاً إمتلأ بإحساس فريد بامتلاك الماضي، والسيطرة على الحاضر، ومعرفة المستقبل.

فالإنسان بطبعه يسعى دوماً إلى كل ما هو غريب ويلفه الغموض، ولأنه في قرارة نفسه ليس لديه القدرة على تحليل شخصيته ودوافعه، وليس ذلك فقط، بل أنه يحاول جاهداً أن يعرف مصيره في هذه الحياة التى وجد فيها نفسه على غير رغبته، ولا يعرف ما إذا كان مصيره هو الفلاح من عدمه، ومن ثم، يكون اللجوء لعالم الأبراج هو إيجاد المرشد لعالم أفضل، والصديق الذي قد يؤكد لنا أننا على الطريق الصحيح.

ومع استراحة قراءة عالم الأبراج، يشعر الفرد العادي أنه قد تخطى حدود عالم الواقع، واسترق قبساً من معرفة ما هو مقدر في عالم الغيب والمستقبل، ومن ثم، يكون قد بلغ الإنسان البسيط حلم آلة الزمن وحقق مالم يستطع العلماء إنجازه.

لا تعليقات

اترك رد