متى بدأت أزمة العقل العربي؟ اللبنات الأولى للتشيع


 

لم تخل الفترات التي سبقت الإسلام من أفكار طَرحَت ضمن مديات محدودة، تصورات متعلقة بالإله والخلق والإنسان، ولا أعتقد أن للفلسفات الاغريقية تأثيرها الواضح والمباشر على عرب الجزيرة آنذاك، لكنهم تماحكوا بطريقة أو بأخرى مع بعض الأديان التي كانت سائدة كاليهودية والمسيحية في مذاهبها الأولى مثل الأبيونية والأريسية والنسطورية واليعقوبية، اضافة إلى الديانة الصابئية والحنيفية، ونظرا لتفشي الوثنية آنذاك، نستطيع أن نقول أن مجموعة الأنبياء الذين عرفتهم شبه الجزيرة العربية قبلذاك، كهود وصالح وشعيب، لم يكن لهم تأثيرا يذكر في تكوين تصورات ترقى إلى مستوى الفكر، ما كان قيد التداول آنذاك هو المعتقد بالمعنى الديني، ويبدو ان الهزة الفكرية الكبيرة التي أحدثها الأسلام، تركت أثرا في خوض حوارات سارت باتجاهات مختلفة، عقلانية كما رأينا لدى المعتزلة وبعض من تلاهم من الفلاسفة المعروفين، وعقائدية تشعبت إلى طرق واتجاهات مختلفة وصل بعضها إلى أقصى اليمين وبعضها الآخر إلى أقصى اليسار، وبينما كان بعضها معقولا في طروحاته، اشتط البعض الآخر ليقدم تصورات معتقدية ثورية، بمعنى اختلافها الجوهري عما هو مطروح ومقبول من أفكار دينية في تلك الفترة، ولا أعتقد ان إعادة تدوينها أمرا مهما، إلا إذا أدى إلى محاولة معرفة الأسباب التي دفعت إلى ذلك الجموح والاندفاع في طرحها إلى الحد الذي احتمل بعض متبنيها مصائر قاسية كالموت أو الصلب من أجلها..

كان لسلالة الإمام علي بن أبي طالب تأثيرها الكبير في فئة كبيرة من المجتمع الإسلامي آنذاك، وما أتحدث عنه القرون الأولى التالية للرسالة المحمدية، والمجتمع الإسلامي آنذاك كان خليطا من شعوب وأعراق مختلفة بالمعنى الواسع للاختلاف، فقد جاء بعضهم من خلفيات يهودية ومسيحية ومجوسية وغيرها، ومن الطبيعي أنهم لم يخلعوا أفكارهم ومعتقداتهم السابقة كما يخلعون رداءً باليا، بل واصلت تلك المعتقدات تأثيرها فيهم، فمن كان مسيحيا يؤمن بأن يسوع ابن الله، وانه ذا طبيعة إلهية إلى جانب طبيعته البشرية، حاول أن يضفي هذا التصور على معتقداته الاسلامية الجديدة، وظهر تأثير هذه الفكرة على بعض المسلمين ممن نادى بأن النبي محمد هو الله، بل أن بعضهم اعتبر الإمام علي بن أبي طالب هو الله ذاته وقاموا بعبادته، ورغم انه قام بحرق بعضهم واصل البعض الآخر النداء بعبادة الإمام علي وفق ذاته الإلهية.. ومن كان يهوديا، عرض في الوسط الإسلامي باقة من القصص الديني التوراتي الممتزج بقدر كبير من الأساطير السائدة آنذاك، بطريقة أتاحت المجال واسعا لاختلاق وابتكار قصص أخرى وأساطير جديدة تركت تأثيرها على الواقع الاسلامي آنذاك، وينطبق الأمر نفسه على المجوسية التي تسللت عبرها أفكار التناسخ، وآليات انتقال الأرواح حتى انها تركت تأثيرها في تصور البعض للعقاب الأخروي، فقد شاعت لدى البعض فكرة ان الجحيم هو في انتقال الروح إلى حيوان حقير، لتتعذب فيه حتى تتطهر، لتعود ثانية وتُبعث لتحيا في جسد آخر، والجنة تعني انتقال الروح مباشرة إلى انسان آخر لتأخذ فرصة أفضل في نيل سعادتها الأبدية…

هل كان المفكرون المسلمون مستعدين لاحتواء تذبذبات معتقدية من الواضح أنها أثرت على التصورات الدينية التي جاء بها الإسلام، ولعل بعضها سار بهذه التصورات بعيدا، نحو التحلل من قوانين الشريعة الإسلامية… ودعونا نأخذ زاوية واحدة من زوايا هذه التأثيرات، فعلى أرض العراق وبلاد فارس، انتشر الإسلام في بيئة كانت تعرف المجوسية معرفة جيدة، واعتاد المجوس على تقديس ملوكهم ومنحهم صفات إلهية، واذا اضفنا هذا إلى ما كانوا يشعرون به من اختلاف عن العرب كونهم قادمون من حاضنة امبراطورية كبيرة وقديمة، بينما جاء العرب من الصحراء ولا قوة لهم إلا ما منحهم الإسلام الذي بدأ بالانتشار.. ربما كان عبد الله بن سبأ أول من طرح فكرة تقديس الشخصية، وهو يهودي أسلم ووالى الإمام علي ورفض الاقرار بالخلفاء السابقين له، ادعى النبوة وزعم ان الإمام علي هو الله، وهذا ما سبب غضبا كبيرا لدى الإمام علي الذي استدعاه وحاوره في الأمر فأصرّ ابن سبأ على ادعائه الأمر الذي دفع الإمام علي إلى استتابته وحين رفض قرر حرقه، وقد قال بعضهم انه فعل ذلك بينما قال البعض الآخر بأنه استجاب لدعوة بعض اصحابه بالعفو عنه فنفاه إلى المدائن.. كان الإمام وفق المعنى الراهن، ديمقراطيا، فهو ينصت جيدا للآراء الأخرى، وإذا كان موقفه صارما من اختلال عبد الله ابن سبأ، فهو احترم مشيئة أصحابه بالاكتفاء بنفي ابن سبأ، ولعل اذعانه إلى رأي الأكثرية التي وافقت على التحكيم في معركة صفين تأكيد لما ذهبنا إليه، اضافة إلى أنه أعلن مرارا ايمانه بحق الأمة في اختيار الإمام، ولم يصرح بما يشير إلى أن الإمامة امتداد للنبوة، وترك الأمر من بعده شورى لعامة المسلمين، إلا إن التكتيك الأموي جعل تداول الملك وراثي مقتصر على البيت الأموي وادرك العامة أن الدولة الاسلامية لم تعد امتدادا للخلافة الإسلامية التي عرفوها بعد وفاة النبي محمد، فحدث اختلال أربك التاريخ الاسلامي برمته، فلم يعد الرفض لهذا الواقع الجديد همسا، لذا توالت التنظيمات والجماعات والتيارات التي وجدت في آل النبي محمد الطرف الآخر من المعادلة، خاصة انه طرف يمتلك شرعية استثمرتها الحركات المناهضة للأموين ثم العباسيين فيما بعد استثمارا سار باتجاهين أحدهما عقائدي والآخر سياسي..

ذكر المؤرخون أنه لما توفي الإمام علي خرج عبد الله بن عباس إلى الناس فقال: إن أمير المؤمنين توفي، وقد ترك خلفا (يقصد الحسن بن علي)، فإن أحببتم خرج اليكم، وإن كرهتم فلا أحد على أحد، فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا… وهذا يؤكد ديمقراطية الإمام علي والحسن من بعده، الذي وجد نفسه مضطرا للتنازل بعد عدة اشهر من توليه الخلافة فلم يكن شرطه على معاوية سوى أن يرجع النظام شورى بعد وفاة معاوية الذي وافق، وكانت خيانته لهذا العهد وتوريث الدولة لابنه يزيد بداية الصراع الذي رسم ملامح الدين الإسلامي بما يختلف كثيرا عن ملامحه كما جاء بها وحاول تكريسها النبي محمد، ولو تأملنا الرسائل التي أرسلها الرافضون لحكم يزيد بن معاوية إلى الإمام الحسين فسنعرف أنها لم تتعلق أبدا في كونه وصي أو صاحب حق إلهي، بل لأنهم رفضوا يزيد واختاروا الإمام الحسين باعتباره بديلا أفضل، جاء في رسالتهم: للحسين بن علي، من سليمان بن صرد، والمسيب بن نجيبة، ورفاعة بن شداد البجلي، وحبيب بن مظاهر، وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة: سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي قصم ظهر عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وعصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها، ثم قتل خيارها واستبقى اشرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدا له كما بعدت ثمود، انه ليس علينا إمام، فأقبِل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق……. والأفكار الرئيسية واضحة في هذا المقطع من الرسالة، فالحاكم (يزيد) أخذ الحكم دون رضى الناس، وكان فاسدا في حكمه، فقتل وأخذ المال، وجاء الرفض صريحا بجملة (إنه ليس علينا إمام)، والبديل واضحا كذلك في جملة: (فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك)… ولا يفوتنا أن نذكر أن كلمة شيعة التي وردت في متن المقطع المذكور لا تعني معناها المعروف اليوم، بل هي الجماعة المنحازة إلى شخص أو فئة ما.. وكان استشهاد الإمام الحسين زلزالا أربك العقل الإسلامي الذي فُرِزَت فيه تيارات متباينة، فقد اختار البعض الانحياز التام إلى الحاكم والمشتغل بالشأن الديني منهم دُفِعَ أو اندفع إلى وضع إطار نظري مستند على الحكايات الدينية أو الأحاديث سواء كانت حقيقية أو نسبت إلى النبي محمد كذبا، إلا إنها تدفع إلى ترسيخ فكرة ضرورة طاعة الحاكم، وايجاد أواصر إلهية لتبرير الحكم أو اضفاء الشرعية الإلهية عليه، واختار البعض الآخر الرفض علنا أو سرا، فظهرت الكثير من الحركات المناهضة التي التفّت حول القطب المناهض لهذا الباطل، وهو ما رأوه حق آل علي في الخلافة، تأسست الحركة (الكيسانية) لتخوض معاركها مع الأمويين، وجاء زيد بن علي بن الحسين ليعلن ايمانه بالشورى كنظام للحكم في الإسلام، وأسس اتباعه بعد مقتله اتجاها فكريا قال بالشورى وأطلق عليهم (الزيدية) الذي تفرع فيما بعد إلى البترية والجارودية والسليمانية وجميعها تؤمن بالشورى نظاما للحكم، وظهرت بعد ذلك الحسينية واليعقوبية، اضافة إلى حركات وجماعات تأسست على أفكار تختلف عما طرحه زيد بن علي، لكنها انطلقت من المبرر الشرعي نفسه وهو حق آل علي، فكانت الهاشمية، الراوندية، الجناحية، الكربية، البربرية، البيانية، المغيرية، الباقرية، الجعفرية… وهكذا.. ما نخلص إليه هنا هو أن الصراعات السياسية التي اتضحت ملامحها بشكل واضح مع بداية الحكم الأموي، دفعت إلى تكوين تيارات متصارعة، أحد طرفيها الحاكم بما يمتلكه من مقومات هائلة كالسلطة والمال وبعض الذين صاروا يتعاملون مع الدين كحرفة، يوفرون للحاكم عبرها ما يحتاج اليه من أسانيد شرعية، ويحصلون في المقابل على الامتيازات الكبيرة.. وفي الطرف الآخر من نرى أنهم كانوا أقطاب معارضة بذلت جهودها لإثبات بطلان شرعية الطرف الأول واقتراح ذاتها كبديل أفضل، ولم يخل الأمر من طروحات تعتمد الشورى كنظام حكم.. كان أهم هذه الأقطاب المعارضة من صاروا يحملون اسم ، وهم من اقترح الكثير من المفكرين اعتبارهم القطب اليساري في الإسلام…

المقال السابقعشق
المقال التالىرحلة مجانية بآلة الزمن
أسعد الهلالي تاريخ الميلاد : 11/3/1960 محل الولادة : بغداد محل الإقامة: بلجيكا التحصيل الدراسي : بكالوريوس ـ سينما.. المهنة : كاتب ومخرج تلفزيوني وسينمائي.. عملت معدا ومخرجا تلفزيونيا في: 1. تلفزيون العراق 2. الفضائية اليمنية 3. قناة السومرية الفضائية 4. قناة الاتجاه الفضائية 5. قناة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد