عقدة الأفاعي

 

عقدة الأفاعي رمز للقوة والموت . فعندما تغضب الأفاعي مجتمعة تلتف على نفسها حين تهاجم الضحية في عقدة متصلة غير منفصلة لا يمكن حلها وتظل هذه العقدة تمسك بالضحية حتى الموت . هناك رواية فرنسية بعنوان عقدة الأفاعي يشير فيها مؤلفها إلى القلوب التي تبلغ من الحقد السود مبلغ الأفاعي الحاقدة التي تختصم مع عدوها حتى الموت .
ولست أتحدث هنا عن الأفاعي ولكن أريد أن أشير بالبنان إلى من مارس بحق منطقتنا في يوم من الأيام ما يشبه عقدة الأفاعي وأراد لنا جميعا أن نموت في حرب لا هوادة فيها .
الزمان :
الحروب الصليبية أيام صلاح الدين الأيوبي
المكان :
بلاد الشام الكبرى
بطل الحكاية :
المواطن الفرنسي الأصل رونيه دوشاتيون والذي لقب لا حقا باسم أرناط الذي يوصف بأنه ضخم الجثة سيفه طويل بارع في القتال طامح بالحصول على ما يريد عن طريق احتلال المشرق .لقد كانت طموحاته أكبر بكثير من أماع الحملات الصليبية المتعاقبة على المنطقة .
الحكاية :
جاء أرناط إلى المشرق العربي مع الملك لويس السابع في الحملة الصليبية الخامسة . بدأت القصة بحكاية غرام مع كونستانس أميرة انطاكية الشابة الأرملة التي رفضت الكثيرين لكن أرناط فتنها بشبابه وأعلن الشابان الزواج عام 1153 م ، وبذلك حصلت إمارة انطاكية على أمير محارب طموح لا يشق له غبار .
مارس أرناط كل فنون الجنون والعربدة في المنطقة وكشفت السلطة أن أرناط عبارة عن مغامر خطير ومحارب ملء أعماله وتصرفاته الطيش والتهور والجهل بالسياسة إضافة إلى الغدر وقد كان سلوكه الشاذ مصيبة على الصليبيين أنفسهم في بلاد الشام . وعلم أرناط يوما أن بطريرك انطاكية يعارض زواجه من الأميرة فأتى به وضربه وعذبه وصلبه في الشمس المحرقة وعرضه لكل أشكال الأذى وبقي على هذا الحال حتى توسط له بطريرك القدس وأخذه معه ليعيش هناك بعيدا عن بطشه .
توجه أرناط شمالا حيث توجد مملكة أرمنية صغيرة فحاربها بالاتفاق مع بيزنطة ثم اتفق مع المملكة الأرمنية وحارب بيزنطة كما وجه جيشا نحو قبرص فاحتلها ونهبها وقتل الكثير من أهلها وحارب رجال الدين فيها ومثل بهم .
انتهت هذه المرحلة من حياة أرناط الصاخبة حين وقع في الأسر على يد مجد الدين أبو بكر ابن الداية قائد نور الدين في حلب عام 1160 م وأودعه السجن في قلعة حلب ولم يتأسف على غيابه أحد ولا حتى زوجته وغاب عن المسرح السياسي في المنطقة غيابا كاملا مدة ستة عشر عاما .

وصدف أن أمير حلب تبادل الأسرى مع الصليبيين فأخرجه بعد 16 عاما في عملية التبادل هذه وذهب أرناط إلى القدس حيث تزوج من ابنة صاحب الأردن التي ورثت عن أبيها حصن الكرك والشوبك .
وحيث أن أرناط لم يتغير خلال فترة سجنه بل زاده الأمر سوءا وشراسة وضراوة وحقدا ورغم الاخلاف في الظروف المحلية والدولية فقد حاول السيطرة على طريق التجارة بين مكة والشام فخرج على رأس حملة عام 1181 م تتجه نحو الحجاز وتوغل فيها وأفزعت حملته العالم الإسلامي بأكمله. لقد غاب عن أرناط أن ملك القدس كان قد أبرم هدنة مع صلاح الدين الأيوبي ولما وجد أرناط أن الطريق البري نحو الحجاز عسيرة وشاقة قرر تغيير الخطة ومهاجمة مكة بحرا.
استولى أولا على العقبة ثم بدأ باحتلال جزر البحر الأحمر واحدة تلو الأخرى وأحضر سفنا مفككة من البحر الأبيض المتوسط ونقلها برا إلى البحر الأحمر ثم ركبها في خليج العقبة وتوجه نحو الجنوب مثيرا الرعب في قلوب العالم الإسلامي . عاث أرناط فسادا في المدن الشاطئية الموجودة على ضفتي البحر الأحمر الشرقية والغربية .
كان هدف أرناط مزدوجا في تلك المرحلة فقد هدف إلى :
احتلال عاصمة العالم الإسلامي مكة .
السيطرة على طريق التجارة بين الشرق والغرب .
فأسرع الملك العادل أخو صلاح الدين الأيوبي فأنزل أسطولا في البحر الأحمر وبدأ يضرب سفن أرناط وجنوده وأحرق سفنه بالتسلسل .
فزع جنود أرناط وهربوا إلى الجبال المجاورة للبحر فطاردهم جنود الملك العادل وجلبوهم أسرى واستعرضوهم في شوارع القاهرة والاسكندرية .
أما أرناط عقدة الأفعى القاتلة فقد و قع أسيرا في يد صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين الشهيرة وكان هو الأسير الوحيد الذي قتله صلاح الدين بيده لأنه كان يعلم تاريخه الدموي الطويل وشروره التي ملأت الأرض وبمقتله تهتكت عقدة الأفاعي التي كانت تعيث فسادا في أرض المشرق العربي .
فما أشبه الأمس باليوم . أليس كذلك أصدقائي؟

لا تعليقات

اترك رد