رحلة عشق عبر الوديان السبعة 7-7


 

والوادي الأخير الذي يجهد السالك في الوصول إليه وادي الفقر الحقيقي والفناء المحض وهو “منتهى رتبة العارفين ومنتهى وطن العاشقين”. ويؤكد حضرة بهاء الله على هذا المقام فيتفضل:

“انه مقام الفناء عن النفس في الله والفقر في النفس والغنى بالمقصود، والفقر هو الافتقار إلى الموجودات في عالم الخلق، والغنى هو الاغتناء بما في عالم الحق، ذلك لان العاشق الصادق والحبيب الوفيّ عندما يَرِد فناء المعشوق تتحد شرارة الجمال المحبوب بحرارة قلبه لتطلق لهيباً يحرق كل سرادق وحجاب وما لديه من قلبه إلى جلده ولا يبقى سوى العاشق”.

7- وادي الفقر الحقيقي والفناء الاصلي:
ثم إن السالك بعد ارتقائه مراتب الحيرة العالية يرد وادي الفقر الحقيقي والفناء المطلق ،وهذه الرتبة هي مقام فنائه عن نفسه وبقائه بالله ، والافتقار عن النفس والغنى بالمقصود واما ذِكر الفقر في هذا المقام يعني الفقر عن كل ما في عالم الخلق والغنى بكل ما في عالم الحق. ذلك بأن العاشق الصادق الحبيب الموافق إذا بلغ لقاء محبوبه ومعشوقه أجج من جمال المحبوب ولهيب شوق العاشق نارا تحرق كل سرادق وكل حجاب وكل ما لديه ، حتى عقله وجلده يحترقان، فلا يبقى من شئ الا الحبيب:
فلما تجلى اوصاف القدم
أحرق الكليم الوصف الحادث

والواصل لهذا المقام، مقدس ومنزه عن كل ما يتعلق بالدنيا فلا من بأس على واردي بحر الوصال أن يفتقدوا الأشياء المحدودة المتعلقة بالعالم الفاني ، سواء أكانت اموالا ظاهرة أم أفكار نفسيه ،ذلك بأن ما عند الخلق محدود بحدودهم وما عند الحق مقدس عن ذلك. وعليك أن تطيل التفكر في هذا البيان حتى تتضح العاقبة : ” انّ الابرار يشربون من کاس کان مزاجها کافورا ” فلو علمت معنى الكافور لعلمت المقصد الحقيقي. هذاالمقام من الفقر الذي قيل فيه ” الفقر فخري ” وللفقر الباطني

والظاهري مراتب ومعاني لا أرى من المناسب ذكرها في هذا المقام لذلك ابقيها في ذمة وقت يقضي فيه الله ما يريد. وهذا مقام تهلك فيه لدى السالك كثرة كل شيء ويتجلى فيه طلعة الوجه من مشرق البقاء، ويتجلى معنى قوله : ” كل شيء هالك الا وجهه”.

يا حبيبي : انصت إلى نغمات الروح بسمع القلب والروح واحفظها حفظك لبصرك. فان أيام المعارف الالهيه كغمام الربيع فهي لا تبق دائما على قلوب البشر ومع ان فيض الفياض لا تعطيل وتعويق فيه ، الا أن لكل عصر وزمان منه رزقا معلوما ونعمة مقدرة فلا يفيض الا بقدر ومقدار ” و ان من شىء الّا عندنا خزآئنه و ما ننزّله الّا بقدر معلوم ” وما ينزل من سحاب الرحمة لا يهطل الا على رياض الروح وما يتسنى هذا الكرم إلا في الربيع، اما الفصول الاخرى ليس لها نصيب من هذا الفضل الأكبر، و الاراضي الجرذه ليس لها قسمة في هذا الكرم .

يا اخي : كل بحر لا يتحوي على اللؤلؤ، وكل غصن لا يثمر وردا، والبلبل لا يتغنى عليه، اذن قبل إن يعود بلبل البستان المعنوي إلى الحديقة الإلهية، و ترجع انوار صبح المعاني إلى شمس الحقيقه، اسعوا لربما تستشم في الدار الفانية شذى من الجنة الباقية وتحيا في كنف اهل المدينة الخالدة، فاذا بلغت هذه الرتبة العالية العليا، وفزت بهذه الدرجة العظمى رأيت المحبوب ونسيت دونه.
إن الحبيب من دون حجاب متجل من الباب والجدار
يا اولي الابصار

فدع قطرة الحياة إلى بحر واهب الحياة هذا هو المقصد الذي سألت ولتفوزن به ان شاءالله. في هذه المدينة تخرق حجبات النور وتزول ” لا لجماله حجابُ سوى النّور و لا لوجهه نقاب الّا الظّهور ” فوا عجبا للحبيب المتجلي كالشمس والناس في طلب الزخرف والمال أجل يظل من شده ظهوره مستورا ومن قوة بروزه مخفيا:
تجلي الحق كالشمس الساطعة عيانا
أسفا لقد تجلى على مدينة العميان

يطوي سالك هذا الوادي مراتب وحدة الوجود والشهود ويتجاوزها إلى وحدة تقدست عن هذين المقامين، ولن يدرك هذا المقال من يلج بالبيان والجدال، بل يحيط به من عانى الجذب والذهول ، ولن يفهم ما قيل الا كل من اصطفى في هذا المحفل مقاما، ووجد من هذه الرياض نسيما.

وعلى السالك في جميع هذه الاسفار الا يحيد قيد شعرة عن الشريعة التي هي في الحقيقة سر الطريقة وثمرة شجرة الحقيقة ، بل يجب أن يتشبث بذيل إطاعة الاوامر، ويعتصم بحبل الاعراض عن النواهي حتى يرزق من كأس الشريعة ويقف على اسرار الحقيقة.

واذا استبهم عليك شئ من بياناتي هذه واحدثت تزلزلا ، وجب عليك إن تعيد المسألة حتى تزول الشبهة ويتجلى المقصد كطلعة المحبوب في المقام المحمود.

ولعل السالك المنقطع ، إن اسعده عون الغيب وأسعفه مدد ولي الأمر في هذه الاسفار التي لا يبدو لها في عالم الزمان نهاية ،يطوي المراتب السبعة في سبع خطوات بل في سبعة انفاس، بل في نفس واحد اذا شاء الله وأراد ذلك من فضله على من يشاء.

أن طيور آفاق التوحيد ، وبالغي لجة التجريد يعدون هذا المقام وهو مقام البقاء بالله منتهى رتبة العارفين في هذه المدينة وغاية وطن العاشقين غير إن هذا الفاني في بحر المعاني يعد هذا المقام أول ابواب مدينة القلب أي أول ورود الانسان إلى مدينة القلب، وللقلب مراتب اربع مقررة نذكرها إن وجدنا لها اصحابا وأهلا :
عندما بلغ القلم وصف هذه الحال
تحطم القلم وتمزق القرطاس
والسلام .

يا حبيبي إن غزال صحراء الاحديه يتتبعه عدد من الكلاب ، وبلبل بستان الصمديه هذا ، يتعقبه عدة منقار ، وهذا الطائر في الهواء الالهي يجلس في كمينه الغراب الحقود، وصيد بر العشق هذا يلحقه الصياد الحسود، يا شيخ اجعل همتك زجاجا لربما يحفظ هذا السراج من الارياح المخالفة ، ولو إن الامل في هذا السراج إن يشتعل في الزجاج الالهي ويلتهب في المشكوة المعنوي ، لان العنق الذي يرتفع بالعشق الالهي بلا شك يقع تحت السيف ، والرأس الذي اشتعل بالحب ، مؤكد سيفنى ، والقلب المتعلق بذكر المحبوب يكون مخضّبا بالدم، فنعم ما قال :
وعش خاليا فالحب راحته عنا
فاوله سقم وآخره قتل

والسلام على من اتبع الهدى ، كل ما ذكر من بدائع الفكر في معنى الطير تحقق وصار معلوما، كأنهم اطلعوا على اسرار المعاني ، ولكن لكل حرف في كل عالم له مقصد معين

حسب المقتضى ، نعم إن السالكين يدركون من كل اسم رمزا ، ومن كل حرف سراً ، وهذه الحروفات في مقام اشاره إلى التقديس ك اى کفّ نفسک عمّا يشتهيه هوئک ثمّ اقبل الی مولئک ن نزه نفسک عمّا سوئه لتفدى بروحک فى هوئه ج جانب جناب الحق ان بقى فيک من صفات الخلق ش اشکر ربّک فى ارضه ليشکرک فى سمائه و ان کانت السّماء فى عالم الاحديه نفس ارضه ک کفّر عنک الحُجبات المحدودة لتعرف ما لا عرفته من المقامات القدسية و انک لو تسمع نغمات هذه الطّير الفانية لتطلب من الکوءس الباقية الدّائمة و تترک الکوءب الفانية الزائلة و السّلام علی من اتّبع الهدى.

لا تعليقات

اترك رد