في كراهية رهف وتخوين فجر

 

ﺗﻌﺎﻧﻲ اﻟﺸﻌﻮب اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻤﻨﺎ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮ من أزﻣﺔ أخلاقية ﻋﻤﻴﻘﺔ ﻣﺘﻔﺎﻗﻤﺔ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮار، ﺷﻤﻠﺖ ﻛﻞ ﺟﻮاﻧﺐ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺮوﺣﻴﺔ واﻟﻔﻜﺮﻳﺔ واﻟﻤﺎدﻳﺔ واﻟﻌﻤﻠﻴﺔ، ﺑﺤﻴﺚ ﻟﻢ ﻳﺴﻠﻢ أي جانب ﻣﻦ ﺗﺄﺛﻴﺮﻫﺎ اﻟﺨﻄﻴﺮ وﻣﻈﺎﻫﺮﻫﺎ وﺗﺪاﻋﻴﺎﺗﻬﺎ اﻟﺴﻠﺒﻴﺔ ﻣﻦ دون أي اﻋﺘﺒﺎر ﻟﻘﻴﻤﺔ اﻹﻧﺴﺎن وﻟﺤﻘﻮﻗﻪ ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ. فالغرابة الشديدة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية اليوم ان تكون الأخلاق الإنسانية متناقضة ومنافقة ومزدوجة بحسب الموقف والرأي والشخصية في غالب الأحيان وفي مختلف القضايا والأزمات المحلية والدولية. فالوقوف مثلا مع حادثة رهف، الفتاة السعودية التي هربت من موطنها الي كندا، اتخذ عدة أشكال مختلفة من التعاطي ولكن يغلب عليها طابع الرفض من نواحي دينية أو مجتمعية أو رسمية. ورغم أن الجميع في مجتمعاتنا ينادي بالحرية الشخصية واحترام المرأة وتقدير دورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الا ان التعاطي مع قضيتها كشف عن أخلاق غريبة وممارسات غائرة في التجني والطعن والإزدراء وحتى التشفي وتسفيه قضية الهجرة والهروب من الوطن. وتنطبق حالة رهف أيضا مع حالة السيدة الكويتية فجر السعيد المنادية بشكل رسمي بالتطبيع مع اسرائيل ودعوتها الصريحة للسلام معهم والظهور في أحد قنواتهم للدعوة الي السلام، وقد نتج عن هذا التصرف إحالتها الي النيابة العامة وإقامة دعوى قضائية ضدها بالإضافة الي موجة تخوينها وتكفيرها والبصق عليها من عدد كبير من متابعينها في مواقع التواصل الاجتماعي ومن نشطاء الرأي الذين توقفوا عن الدفاع عن حرية الرأي والتعبير ليبدؤا بإقامة حفلات ردح وشتم لموقفها الشخصي ورأيها حول قضية مهمة تتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي.

مثل هذه القضايا والمواقف الشخصية، لم يستطع العقل العربي المسلم من هضمها وقبولها لاعتبارات عدة تنطلق من الشخصية العربية ذاتها الرافضة لأي إختلاف أو خروج عن النمط السائد والموروث. وأيضا تكمن المشكلة كما قال هايدغر “إن ما يدعو أكثر الي التفكير هو أننا لا نفكر بعد”. فالغالبية من الشعوب العربية والاسلامية اليوم لا تفكر بطريقة صحيحة أو منطقية أو بعيدة عن الحسابات الشخصية والمواقف المسبقة. فإذا ما أراد أي فرد مخالفة الثقافة المجتمعية لاقتناعات فردية أو مراجعات تحليلية، فإنه يواجه جيشا كبيرا من النساء والرجال يرفضون قيامه بأي تصرف يخالف منطقهم أو ما تعلموه، ومن ثم تبدأ وصلات التخوين والتنمر والإساءة الشخصية والدخول في النوايا بعيدا عن القضية الأساسية، أي بعيدا عن مبدأ القمع المجتمعي كما في حالة رهف أو بعيدا عن مبدأ حرية الرأي كما في حالة فجر السعيد.

لذا تنطلق مساءلتنا في هذا المقال عن أزمة الأخلاق العربية والاسلامية في التعاطي مع الآراء المختلفة ومع مواقف الأفراد بعيدا عن لب القضية وجوهر الاختلاف والتنوع والتعددية.

في الحقيقة أن مسالة الأخلاق غائبة تماما عن الثقافة العربية الإسلامية الموروثة، ولا أقول أن أخلاق التسامح والمحبة وفعل الخير هي الغائبة، بل ما أعنيه هو أن تجريد الأخلاق من الذاتية وما يعلق بها من محددات وفرضيات مسبقة وجعلها عقلية خالصة تنطلق من الضمير هو الفرضية الغائبة كما حددتها مدرسة أرسطو. فالحكم الأخلاقي ينبغي أن يصدر عن العقل الخالص المجرد من تأثير النفس وهوى الولاءات. فالأخلاق العقلية المحضة تحكم الإنسان السوي وتمنعه من التجني حتى لو أختلف مع كل أهل الأرض، ولا شك أن هذا النوع من العقلانية في إطلاق الأحكام ومناقشة المغاير لم تجد سبيلها في مجتمعاتنا العربية نظرا لهيمنة الأخلاق القيمية المرتكزة على الوعي الجمعي والأخلاق الدينية والقبلية المحاسبة بشدة لكل موقف مختلف، ويشترك في هذا الأمر الإسلاميون ومن يحمل لواء الليبرالية والدفاع عن حرية الرأي والتعبير. فلا زالت العقلية العربية عقلية مستهلكة غير واعية وضعيفة معرفيا وأخلاقيا، وبالتالي فإن ما يحدث سياسيا واجتماعيا لمثل قضايا رهف والسعيد هو وجود عوامل أخرى غير المعرفة والتي تؤثر أكثر في محاسبتهم، وهذه العوامل غالبا ما تكون الجهل بالمبادئ الحداثية والعلمانية والليبرالية والحريات أو محاولة إرضاء المجتمع وثقافته المقدسة أو لمحاولة تعويض الذات المنكسرة والفاقدة لأي قضية أو مبدأ واعتبار الهجوم والشتم والطعن هو الوسيلة للبحث عن الكرامة.

إن افتراض الإنسان المسبق بامتلاك الإجابات، واعتبار أن القضايا المتفق عليها مجتمعيا ثابتة، أو اعتبار أن الشتم والتخوين والتكفير وسيلة أخلاقية للدفاع عن قضايا مختلف حولها، هو ما يؤطر ثقافة غالبية الشعوب العربية ويدفعها الي أن تكون عاطفية غير عقلانية وفاقدة لشروط التطور الإنساني والفهم الإدراكي لمسارات التاريخ وحركة الزمن وتطور الدول والمجتمعات والأفكار.

لقد تعلم الإنسان منذ نشأته أن يطلق لنفسه العنان في الاكتشاف والسؤال ونقد ما هو كائن ويكون من أجل أن يستقر ويجد لنفسه المكانة المناسبة في الوجود، ومن أجل هذا استمر في الاكتشاف والتحليل بعدما أكتشف الوسائل المساعده له في التطور، وكان من ضمنها قيم الحوار والنقد والتفكير وقبول الآخر المختلف. هذا الإنسان الحديث ذو المبادئ الإنسانية لم يعد له وجود في الغالب في مجتمعاتنا. فما يتواجد هو الإنسان الذي يغضب عليك أو يحتقرك أو يشتمك إذا قلت له أن رهف لها الحق في أن تعيش حياتها حتى ولو مارست ما يخالف فكرك ومعتقدك وثقافتك، وأن فجر السعيد من حقها أن تنادى بالسلام مع اسرائيل حتى لو ما يعجبك هذا الحديث. فهذا الاختلاف والمغايرة والتنوع يسمى لدى الإنسان الحديث مبادئ حرية الرأي والتعبير والجسد، ولكن يسمى عند العرب والمسلمين كفر وزندقة وخيانة، ولهذا بقت مجتمعاتنا تعاني كثيرا لانها فاقدة للرؤية الواقعية العقلانية وغارقة في ظلمات اللاوعي والنرجسية وأوهام البطولات الزائفة.

لا تعليقات

اترك رد