مبادرة ” موطني ” ……ملاحظات حول برنامج عمل حركة الطريق الرابع

 
مبادرة

هل يصلح غسان ما افسده الجلبي ؟!

ترددت كثيرا قبل كتابة هذه السطور لأسباب كثيرة لعل من أهمها ان ثقل التردي الذي بلغته الحال في العراق تجعل التفكير الموضوعي الهادئ أمرا اقرب الى المستحيلات وبالتالي فقد نسيء الحكم ونحن نكتب عن مبادرات ترتبط بأسماء كانت بشكل او اخر طرفا فيما قاد الأمور الى هذا القدر من التردي ، ومع ذلك اجبرت نفسي وكتبت …

للفترة من الثالث وحتى الخامس من شهر مايس الحالي عقدت المبادرة الوطنية التي يرعاها الدكتور غسان العطية تحت اسم ” موطني ” مؤتمرها الثالث في عمان ” للبحث في أفضل خيارات انهاء التداخل في الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية في العراق بحيث تبقى المعركة ضد الاٍرهاب الهدف المركزي لإعادة استقرار العراق ” وفقا للبيان الختامي للاجتماع ، واعترف شخصيا هنا أنني لم افهم ماهو المقصود باستثناء انه ترتيبً لُغوي ينتهي بحصر القضية بالحرب على الاٍرهاب وهو الهدف الذي أعلنته امريكا وبشكل خاص في هذه المرحلة التي يشارف فيها الرئيس اوباما على الرحيل عن البيت الأبيض وقد اصدر اوامره بان تكون خاتمة أعماله كرئيس هي استعادة الموصل من داعش واعتبار ان هذه هي معركة العراق ضد الاٍرهاب . فما فهمته اذن من المقدمة انها تدعو مباشرة الى فك الارتباط بين مختلف انواع المشاكل التي يواجهها الحكم في العراق وعزلها عن المعركة ضد الاٍرهاب التي ينبغي ، وفقا للبيان ، ان تكون الاولوية الاولى وبالتالي غض النظر عن حقيقة ان الاٍرهاب لم يكن سوى وليد حتمي للتهميش السياسي والاجتماعي وحقيقة ان مئات الآلاف من العراقيين قد حرموا في بلادهم من فرصة العمل والعيش وإعالة اسرهم بحجج شتى وفي مقدمتها قضية سياسية بامتياز ذات صلة بمصالح غير عراقية أخذت عنوان ” اجتثاث البعث ” ، فلجأوا الى الخيار الوحيد المتبقي أمامهم وهو رفع السلاح ضد الوضع الجديد الذي يستمر حتى اللحظة بانتهاج ذات السياسة ، وقد وفر هذا جوا وبيئة ملائمة للارهاب القادم عبر الحدود الذي لا علاقة له بأصل المشكلة وإنما استثمر فيها الامر الذي جعل من هؤلاء المواطنين هدية مجانية قدمتها سوء إدارة البلاداليه . هذه المقدمة بمضمونها العام نزلت الى سقف متدنٍ للغاية تجاوز في مستواه المنخفض كل المواقف الداعية لحل سياسي متزامن مع الحل الأمني الذي دعت اليه جهات عديدة بما فيها الأمريكان أنفسهم . لكن قائلا قد يقول ان في بقية البيان مايعالج هذا الامر ونقول نعم من حيث المبدأ ، لكن لهجة المقدمة تفرض علينا اخذها باعتبارها الاستراتيجية الأساس للحركة كلها ، ومع ذلك لنواصل مراجعة بقية البيان ….

يمكن تصنيف الأفكار الواردة في مواد البيان الخمس عشرة الى ثلاثة أصناف …

مواد تضمنت افكارا وردت في الدستور الذي يحكم العملية السياسية في العراق منذ ٢٠٠٥ من قبيل : وحدة العراق وسيادته وحصر السلاح بيد الدولة ومبدأ المساواة بين المواطنين ، هذه المواد لم تجد طريقها للتنفيذ او نفذت بشكل أفرَغَها من مضمونها فما الذي يجعلها جزءا من عملية الإصلاح ام ان الأفضل والأكثر واقعية هو البحث عن معوقات تنفيذها التي لانجد في البيان اثرا لها ….

وفي البيان مواد تتضمن افكارا اعلنتها الحكومة أصلا في برامج الإصلاح كإعادة هيكلة مؤسسات الدولة الأمنية ودعوة المجتمع الدولي لمساعدة العراق في قضية الإصلاح والعمل على لم الشمل الوطني بالانفتاح على ” قوى الاعتدال” وهي أفكار على عموميتها ظلت حبيسة السطور التي نطقت بها ولم تغادر صفحات الاوراق التي سطّرت عليها ….

وفي البيان مواد تتعلق بسياسات بعيدة المدى او تتعلق بإنشاء ثقافة جديدة في بعض مجالات الحياة قد لانجد لها تطبيقا قبل مرورفترة طويلة من الزمن ، اذا سلمت النوايا ، مثل قضية بناء الانسان العراقي وتعزيز شعوره الوطني وإصلاح بعض منظومات الدولة مثل اجهزة القضاء وإنشاء ثقافة إعلامية تعزز الوحدة الوطنية …..

ليس في البيان اذن اي ذكر لقضية الأزمة الوطنية الراهنة في البلاد او مسبباتها الحقيقية ، ومع ذلك لنعتبر ان مايسد بعض النقص في هذا الجانب هو ماقام بعرضه عبر وسائل الاعلام وفي مناسبات مختلفة راعيها الدكتور غسان العطية ….

في حديث له مع صحيفة إيلاف الالكترونية بعددها في ١٩ كانون الثاني ٢٠١٦ ، ذكر العطية ان المبادرة الوطنية هي منبر فكري سياسي يتجاوز التيارات اليسارية والقومية والدينية ليؤسس ” حالة نهضوية تنويرية محلية ذات خصوصية عراقية ، اساسها فصل الدين عن السياسة ” ، وهذه المبادرة يتصدى لحمل عبئها أناس تجردوا من ذاتياتهم وهم مثل المبشرين ” يحملون الصليب على ظهورهم ” ….ثم يشير وبوضوح الى امر في غاية الأهمية وهو يتعلق بمعوقات المضي في مشاريع الإصلاح واهمها توجهات المتطرفين من مختلف الطوائف كما ان هنالك حوالى ١٢ فصيلا مسلحا في العراق ترتبط بايران ” ويستمعون فقط الى ما يقوله الولي الفقيه في طهران ” ويمثلون قوة رئيسية تعيق الإصلاح ، ويعتقد الدكتور العطية ان العبادي قد وصل للسلطة بقرار أمريكي تتلخص دوافعه ” بوجوب حصول مقاربة سياسية جديدة ، لان واشنطن كانت ترى ان نظام المالكي هو من ساعد على خلق داعش ” بسياساته المنفّرة ” للطرف الاخر ” وان المعركة الحالية هي كيفية خلق الظروف لتشجيع العبادي على خلع عباءة حزب الدعوة وانه مامن ” زعيم ” عراقي حصل على الدعم الداخلي والاقليمي والدولي الذي حصل عليه وبالتالي فلديه فرصة تاريخية يتعين عليه استثمارها . ثم يؤكد العطية ان هنالك مايجمع السنة والشيعة في العراق وهو الهوية العربية . وفي لقاء تلفزيوني اخر أشار العطية الى ان التيار الذي يرعاه لا يطرح نفسه بديلاً لأحد بل هو واسطة للتواصل بين الأطراف الداعية للإصلاح التي تتشكل من التيار الصدري وبعض القوى الشعبية وبرلمانيين ورجال اعمال وعدد من العراقيين العقلاء من مختلف الطوائف .

مافهمته من المشروع كما ورد في البيان وماسمعناه من السيد العطية ان مضمونه العام لايخرج عن مجموعة من المفاهيم العامة التي وردت اما في الدستور او في بيانات رئيس الوزراء الخاصة بمشروعه للإصلاح وانه يهدف الى تشكيل قوة دعم للعبادي وضغط عليه في ان واحد وَهُو الذي يتعين عليه استثمار الفرصة التاريخية الممنوحة له في الوقت الراهن لتنفيذ مشروع اصلاحي وفق المبادئ الوارد ذكرها في البيان ، اي ان المبادرة تعتمدعلى الثقة بنوايا السيد العبادي وما يبدو انه رغبة او ميل أمريكي لتهدئة الأوضاع من خلال الإصلاحات ، او غيرها ، لتأمين توظيف كل الجهود نحو معركة الموصل …… وفي تقديري المتواضع ان المشروع برمته ، على مايتضمنه من حسن النوايا ، لا يتعدى أمنية وأملا مشروعا لايمكنه ان يتحول الى مشروع جاد دون التعامل مع أربع قضايا رئيسية هي تحديدا قضية العلاقة مع ايران وقضية تأمين موقف أمريكي حاسم بشأن الإصلاح اضافة الى قضية تعديل النظام السياسي والاداري العام للدولة فضلا عن وضع ملامح برنامج واضح للإصلاح الاقتصادي ، وفي ذات السياق سنتجاوز قضية جدية الموقف الصدري ومدى الثقة فيه في ظل السياق العام لمسيرة القيادة الصدرية التي تتوافر أسباب جدية للتساؤل عن جديتها وحقيقة أهدافها .

رغم قناعتي بان طبيعة النظام السياسي القائم حاليا في العراق تمثل قضية يصعب بناء الأمل فيها بالنسبة لأية عملية إصلاح جوهرية وان مشاريع الإصلاح التي اعلنها العبادي ، التي تدعو مبادرة “موطني “الى دعمها ، لا تلامس جوهر المشاكل الحقيقية التي أغرقت البلاد في مستنقع الفساد والارهاب وفشل الدولة بسبب تركيب وجوهر النظام السياسي، الا ان اي جهد باتجاه الإصلاح ينبغي ان يحظى بالدعم على أمل ان يساعد ذلك في تفكيك تحالف الفساد الذي يستحوذ على العراق ولو جزئيا واحداث آية خروفات ممكنة في درعه الواقي . ان ابداء الاّراء بشأن مشروع ” موطني ” هو من اجل إكمال نواقصه وإنضاجه املا في بلوغه أهدافه خصوصا في الجوانب التي لم تتطرق لها النصوص التي قرأناها او سمعناها او انها تعاملت معها بشكل غيرواضح ، وتجنبا لما قد نوصف به من السلبية وهو تلميح سمعناه من بعض الأصدقاء ونحن نناقش المبادرة وجدواها .

١- بادئ ذي بدأ ينبغي الإقرار ان الموقف المعقد في العراق هو ثمرة تشابك وصراع إقليمي بعد انكشاف الوضع الداخلي العراقي لهذه ” التداخلات ” اثر إلغاء الدولة العراقية وتفكيك منظوماتها الاساسية مما فتح الأبواب على مصراعيها لتسرب أشكال مختلفة من التدخل الاقليمي في شؤونه الداخلية ، والدستور ذاته لم يكن سوى انعكاس لتوازنات القوى الاقليمية داخل العراق والتي عكستها الأحزاب والقوى التي شاركت في صياغته او التي منحته بركاتها ، وهي احزاب وقوى عكست مصالح اقليمية اكثر منها وطنية ، واجزم ان انشاء هذا الوضع كان مقصودا لادخال العراق في متاهات صراع إقليمي كان يدور في الإقليم ثم بدأ يدور على ارضه منذ الاحتلال ولهذا الجزم أسانيده الموثقة ولا مجال لذكرها في هذا المقال وقد ناقشناها في مقالاتنا السابقة . بالإجمال هنالك مجموعة من القضايا التي يجب التعامل معها والتي وجدت انها لم تحظى بالقدر الكافي في البرنامج المعلن للمبادرة.

أولى هذه القضايا وأكثرها ظهورا على ارض الواقع هي العلاقة مع ايران . وفقا لمعلوماتي فان العلاقة القانونية التي تنظم العلاقة مع إيران حتى الان هي قرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الامن عام ١٩٨٧ ، ولم تسفر جولات عديدة من المفاوضات بين الطرفين عن التوصل لاتفاق سلام شامل ينهي متعلقات الحرب قبل الاحتلال الامريكي . وقد استثمرت ايران هذا الوضع العائم لطبيعة العلاقة بين البلدين لتصفية القضايا العالقة من جانب واحد بخلق وقائع على الارض في ظل غياب سلطة وطنية عراقية فاعلة خلال مراحل الاحتلال الاولى وكان الزج الجماعي لمئات الآلاف من الأشخاص للدخول الى العراق بحجة كونهم من التبعية المسفرين من أولى الخطوات في هذا الاتجاه ، كما استثمرت ايران في تاجيج بعض أشكال عمليات العنف الموجهة للاحتلال في اجواء المقاومة العامة التي بدأتها أطراف وجهات عديدة من خلال تشكيل وتمويل مليشيات مسلحة تدين بالولاء للقيادة الإيرانية الدينية – السياسية الامر الذي ضمن لها نفوذا على ارض الواقع سيضطر الأمريكان للتعامل معه فيما بعد ، كما ضمنت نفوذا مؤكدا في السلطة العراقية الجديدة التي شكلها الاحتلال من غالبية من احزاب ارتبطت بها منذ نشأتها الاولى خاصة وان الاحتلال قام بتسليم هذه السلطة موارد القوة والثروة في البلاد وفقا لنسب افتراضية قررها بنفسه مسبقا حتى قبل اجراء آية عملية انتخابية مما ساهم في حسم مستقبل النفوذ والهيمنة لهذه القوى في المستقبل اللاحق وكان ذلك لصالح ايران بشكل أساس . تعزز نفوذ ايران وبان حجمه بعد ذلك من خلال حاجة المحتل لتأمين خروجه العاجل والاٌمن من البلاد بعد انكشاف حجم تورطه والكلفة الانسانية والمالية التي تعين عليه دفعها .

نفوذ ايران وهيمنتها على اهم مراكز القوة والنفوذ في البلاد بات أمرا لابد من التعامل معه سواء على الصعيد الثنائي او من خلال الطرف الامريكي لان هذا النفوذ يشكل احد اهم المعوقات لأية عملية اصلاحية جدية في البلاد ، كما لابد من حسم نهائي لقضية الايرانيين الموجودين في العراق وفق مصالح البلاد تماما كما فعلت السلطات العراقية عام ١٩٢٤ في بداية تأسيس العراق حين عرضت الجنسية العراقية على الايرانيين المقيمين على أراضيها او مغادرة البلاد من اجل ارساء التعامل معهم على أسس واضحة وبصفتهم مواطنين عراقيين .

وبذات القدر من الأهمية يجب توجيه الاهتمام لترميم العلاقات العراقية الخليجية على أسس واضحة . تاريخيا لعبت منظومة الخليج وقبلها دوله وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية دورا سلبيا في التعامل مع العراق رغم مساعي الجانب العراقي في الاتجاه المضاد وان قضية الكويت كانت خروجا عن السياق العام لسياسة العراق تجاه الخليج وخاصة خلال الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية ، لكنه مامن مبرر معقول يبرر سياسة الثأر التي نلمسها في الموقف الخليجي حتى اليوم . ان الخليج يتحمل مسؤولية اخلاقية تجاه مايحصل في العراق وينبغي اجراء تبديل جوهري في سياساته تجاه العراق والمساهمة بايجابية في عمليات انتشاله من كبوته الحالية .

٢- لقد قامت الولايات المتحدة باحتلال العراق وتدمير كيانه كدولة وقامت أطراف محددة في مؤسسة الحكم الامريكية وبتأثير اسرائيلي من خلال عناصر نافذة في البنتاغون ، اصبح دورهاموثقا ومُعلنا في الوقت الحاضر ، بإنشاء عملية سياسية ولدت كل أشكال عدم الاستقرار السياسي والفساد الذي يُغْرِق البلاد حاليا ، مما ساهم في انتاج الاٍرهاب الذي يشكل تهديدا يتجاوز حدود العراق ليصبح خطرا عالميا ، وان هنالك مسؤولية قانونية واخلاقية أمريكية في معالجة الموقف خاصة وان مجلس الامن كان قد حدد خارطة طريق للاحتلال لإعادة انتاج وصياغة دولة ديمقراطية تعددية عكس ماانتجته سنوات الاحتلال الامريكي التي وفرت بحرص وبشكل متعمد نظاما طائفيا يقوم على احتكار السلطة من قبل مجموعة من القوى الدينية الطائفية ، الشيعية والسنية ، بدلا من نظام علماني متمدن وهي القوة العلمانية الاولى في العالم . قد لايبدو هذا خطابا معقولا يوجه للولايات المتحدة التي تحركها في نهاية المطاف مصالحها ، وهذا صحيح ، لكنه لا يمنع الحديث الصريح كي تفهم الولايات المتحدة انها زرعت لنفسها كراهية عامة في مجتمع كانت نخبته تنظراليها باعتبارها نموذج الحياة الذي تطمح الى تحقيقه على ارض بلادها . ان للولايات المتحدة قدرة على الضغط على الأطراف الاقليمية التي يمكن ان تساهم في تمويل عملية الإصلاح كما ان لها قدرة على الضغط على القوى الاقليمية التي تعيق هذه العملية لإيقاف ” تداخلاتها ” المعوِقة .ان جهدا أمريكيا في هذا الاتجاه يمكن ان يكون حاسما ويوفر الكثير من الجهد والوقت ولنا أن ننظر الى قضية اقالة السيد سليم الجبوري من قبل غالبية صحيحة في البرلمان سرعان ما أبطلتها زيارة نائب الرئيس الامريكي الاخيرة لبغداد ولقاءه بالجبوري بصفته رئيسا للبرلمان . للولايات المتحدة ، شئنا ام ابينا ، قول فصل في شؤون العراق والحديث معها امر حيوي وفقا لمتطلبات عملية الإصلاح وحاجتها الى ظهير دولي بوزن الولايات المتحدة تؤكد بعض المؤشرات انها ترى في قضية الإصلاحات مصلحة تهمها في هذه المرحلة على الأقل .

٣- اعتماد برنامج للإصلاح الدستوري والإدارة العامة للدولة بضمنه قضية الفدرالية التي يجب التعامل معها في اي برنامج وطني للإصلاح من اجل تحديد نهائي لوضع اقليم كردستان الذي اصبح يشكل عبئا وعائقا جديا امام إنجاز آية إصلاحات وينبغي إفهام الطرف الكردي ان قضية تقرير المصير لم تعد مطروحة من الناحية القانونية البحتة بعد التصويت على دستور ٢٠٠٥ واختيار الأكراد البقاء في إطار الدولة العراقية ، وان هذا الحق ليس لعبة نعود اليها كلما عنّ لنا ذلك للتهديد وابتزاز المركز الضعيف . ان بقاء بعض القضايا معلقة دون حل مثل قضية كركوك او بعض المناطق التي تسمى بالمتنازع عليها لا يلغي واقع ان الخيار الكردي عام ٢٠٠٥ بالبقاء في إطار الدولة العراقية هو خيار نهائي لان الخلاف في الجزئيات كان من بين الأمور الواضحة والمعروفة لدى المصوتين الأكراد حينها وأنها من الممكن ان تحسم باي اتجاه يقوم على التراضي والتوافق وحتى التحكيم او القضاء الدولي ، اما استمرار الأكراد في ستراتيجية أضعاف السلطة الاتحادية والمؤسسة العسكرية مستفيدين من علاقاتهم الدولية فهو موقف غير مقبول ومضر بالاكراد أنفسهم فهم في نهاية المطاف من يعيش في الجغرافية العراقية وليس حلفائهم الذين تحركهم مصالحهم لا “غرام بالاكراد وقعوا فيه ” . بهذا الصدد ينبغي الحديث مع الجانب الامريكي الذي بعث في السابق برسائل خاطئة للأكراد ويبدو انه اصبح اقل ميلا لذلك في المرحلة الراهنة .

في ذات الإطار ينبغي وضع الإدارات المحلية للمحافظات تحت رقابة مركزية مشددة دون التدخل في الصلاحيات . ان تقارير متواترة تؤكد ان حجم الفساد في هذه الإدارات قدجاوز حتى فساد المركز .

ومن بين القضايا الاساسية العاجلة لاصلاح الوضع الدستوري ، دون الاضطرار لتعديلات كبرى في الدستور قد لايتم التوافق عليها بسهولة ، هي قضية تفعيل المادة ( ٦٥ ) الخاصة بإنشاء مجلس الأتحاد بتشريع القانون الخاص به على أساس التمثيل المتساوي لكل محافظة سواءا كانت جزءا من اقليم فدرالي او محافظة عادية ذات ارتباط مباشر بالحكومة الاتحادية ، واعتباره شريكا في التشريع ومنحه صلاحية مستقلة في اختيار رئيس الجمهورية وتشريع القوانين المهمة مثل قانون الميزانية والقوانين ذات الصِّلة بالامن الوطني الى جانب مجلس النواب بما يؤمن مشاركة فعالة للاقليات المختلفة ، اضافة لاصلاح النظام الانتخابي باعتماد الدوائر الانتخابية المتعددة والقوائم النسبية المفتوحة او تخصيص نسبة للتمثيل الفردي وذلك تمهيدا لاصلاح دستوري شامل في مرحلة لاحقة تستند لما قد يتحقق في هذه المرحلة التمهيدية .

هذه الخطوات كفيلة ، لو انجزت ، بتفكيك التحالف الذي يكرس الوضع السيء القائم حاليا في العراق والذي يشكل العقبة الاساسية امام اي تغيير جدي في اتجاه الإصلاح .

٤- ان اعتماد برنامج واضح للإصلاح الاقتصادي يوحي بالامل للمواطنين من خلال مقارباته الموضوعية ويهيأ الأجواء لتقبل جرعات مرة لفترة محدودة من الزمن تقتضيها آية عملية إصلاح جدية . ان العراق بلد غني بشكل استثنائي الا ان قدراته معطلة بسبب الفساد وسوء الادارة المتراكم سواء خلال الفترة التي اعقبت الاحتلال او التي سبقته جراء اتباع سياسات حملت الدولة وموارد البلاد النفطية أعباءا كان يمكن لسياسات اقتصادية اكثر انفتاحا ان تؤمنها عبر المشاركة الفعالة للقطاع الخاص الذي مازالت بصماته واضحة في الحياة الاقتصادية للبلاد حين كانت الفرص متاحة أمامه ، لابد من تعديلات جوهرية في البيئة القانونية التي من شانها توفير أبواب مفتوحة وأمينة جاذبة للاستثمارات الأجنبية ، ومن المهم إيقاف النزيف الذي يسببه الفساد وآلياته لموارد البلاد . ان تقليص النفقات عبر الإجراءات التي اعتمدتها الحكومة حتى الان لاتمثل معالجة جادة لنزيف الموارد التي تتسبب بها ظاهرة انعدام الرقابة الفنية او السياسية .

هذه الأفكار ليست موجهة بالضد لاي جهد يسعى للإصلاح ولكنها ملاحظات علمتنا إياها بعض التجارب التي عشناه كعراقيين مهتمين بالشان العام ، مع دعواتنا لأهل الإصلاح بالتوفيق فيما هم بصدده ،،،

المقال السابقهموم شيطانية
المقال التالىيوسف شاهين..جنون الابداع
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد