كُن الْغُصْنَ يَؤُودُهُ الْوَرَفُ


 

لا تنقطع رحلةُ الإنسان في طلب المعنى “محنةً وحالا يصير إليها أمرُهُ”(1)، يكابده حيرةً ويطلبه عزما وحزما، يحياه توقا إلى ممكنٍ من الفعل يأتيه، وإلى منزلٍ في الحياة ينزلُه إحقاقا لا مُغالَبةً. وإنّ المرءَ ليصطنع المرايا يريد أن تجلوَ صورَتَه. ولن تجلوَ إلّا صورتَه في عين نفسِه. وما صورتُه إلّا إحدى ثلاث: مُستطيعٌ واقف على استطاعتِه في ألقِ الفكرة يحمِلُها بالعزم على أن تكون فتستحيلُ في الفعل المُريد خلقا جديدا، أو مُتخاذلٌ أنكر قواهُ المَكينةَ يَرى ما تُريه المرايا المُقعّرةُ ضآلة وصَغارا، أو صغيرٌ يتعاظمُ يُصَدّق ما تُريه المرايا المُحدّبَةُ فيتوهّمُ في نفسه عَرْضا وطُولا. وإنّ اللّغة لمرآةُ الإنسان في الوجود، وإنّ فسادَها لمنذرٌ بفساده. وليس أضيعَ من لفظ انقطع فيه الدّال عن مدلوله.

نحن الآن في حال المحنة، نصير إلى ما لا نعلم وإلى ما لا نريد. أفلت من بين أيدينا المعنى الّذي أوهمنا أنفسنا أنّنا عرّابوه. نبحث عنه خارج ذواتنا وخارج الفعل الّذي اصطفانا الوجود للاضطلاع به. نبحث عنه وهو مكين فينا لا نهتدي إليه كعين لا باصرة لها(2)، وَكَلِقَاءٍ لا آصرة فيه، وكحركة لا شوق فيها.

نحن الآن في حال المحنة والمعاني السّاميةُ الّتي تسكننا تَضعُها أهواؤُنا، نطلبها والأَوْلى أن نُجلّيَها، نُخاصم بها وقمينٌ بنا أن نُخاصِمَ فيها، ندّعيها صفاتٍ لنا. ندّعيها وما حاجتنا إلى الصّفة نخلعها على أنفسنا إذا كانت صفتَنا؟

نحن في حال المحنة ونحن نأتي المكان الّذي فيه أُلفتُنا فنُلفيه موئلَ غُربتِنا، ونحن نرى العين الّتي كان رُنّوُها بنا تنكفئ، ونحن نجد اليد الّتي بها نكتب أحلامنا تُقبَضُ عنّا، ونحن نَعْشى عن حرف أقمنا خطّه وعن كتاب كتبنا.

لِنُصخ إلى ذلك الصّوت الّذي يملأُنا صِدقُه حين نخلو إلى أنفسنا، لِنقرأْ تلك الكلمات الّتي نُسقِطها عمدا ونحن نسوس خطابَنا بين أشياعنا نطلب به إذعان السّامعين، لِنَرَ الجُرحَ بعضُ دمه جُرحُ أيدينا.

وهذا الأسى الّذي نُكابد ونُكابرُ، وهذا الفعلُ نأتيه وتُنْكِرُه الضّمائرُ، وهذا الوقتُ والسّأمُ، وهذا الشّجا والألمُ؛ كلُّ هؤلاء امتحانُ المعدنِ حتّى ينماز جيّدُه، وامتحانُ المعدنِ حتّى يَخْلُصَ. كلُّ ذلك هو الأمرُ الجللُ وهو يصيرُ. كُلُّ أولئك هو المعنى.

هُو المعنى اُطْلُبْهُ مُستطيعا، ولا تقعدْ عنه عاجزا، ولا تُسَفِّهْه مغرورا.

كُن الْقِرْطَاسَ يَنْزِفُهُ الْحَرْفُ.
كُن الْغُصْنَ يَؤُودُهُ الْوَرَفُ.
كُن الفعلَ يَسْكُنُهُ الشَّغَفُ.
كُنْ لُطْفَ مَا عَرَجَتْ بِهِ فِي الْمَدَى أَلِفُ.

(1) “معنى كل شيء محنته وحاله التي يصير إليها أمره”. الخليل بن أحمد الفراهيدي.
(2) الباصرة: قوّة الإبصار.

لا تعليقات

اترك رد