منظومات إدارة أنشطة التعليم وتوجيهه وجهود التنوير والتغيير

 

نافذة (03): التعليم وآفاق متغيراته

مقتبس من المعالجة: “إنَّ هوية منظومات إدارة التعليم هي التي تخلق اتجاه مخرجاته بين القولبة وحرية الحركة قيمياً؛ بما يفصل بين ذهنيتين واحدة مُجترة تتحنط بقيود قيم ماضوية وأخرى تنويرية تُبدع بحجم انفتاح العقل العلمي، حيث خيار الانتصار لأنسنة وجودنا ومجابهة مطالبه وأسئلته”.

بدءاً اؤكد أنني هنا أحاول معالجة إشكالية وجود منظمات تقود أنشطة العملية التعليمية وتوجه مختلف مفرداتها، وتدير خططها وبرامجها قيميا. وهي بمعناها الأشمل لا تنحصر بإدارة المؤسسة التعليمية بالمعنى التقليدي للإدارة ولكنها بهذه المحاولة المتواضعة تشمل منظمات الطلبة والهيأة التعليمية وأية أطراف تؤثر في صياغة مسار العملية التعليمية ومخرجاتها..

وتتركز المعالجة مبدئياً في إشكالية التنوير بمقدار ارتباطها بالعملية التعليمية ومن يديرها ويساهم في رسم منظوماتها القيمية ومن ثمّ هوية تلك المنظومات واشتغالها على إدارة التعليم بسلوكية قيمية بعينها تخلق اتجاه مخرجات التعليم، بين أن تكون متسمة بطابع السلبية والقولبة الجامدة وبين أن تتسم بطابع الإيجاب وأفعال البناء والتعامل مع المستجدات في حل العقبات؛ وهو الأمر الذي يفصل بين توجهين وذهنيتين: واحدة ظلامية تشتغل بمنطق الخرافة وآليات الاجترار فيها وأخرى تنويرية تُعلي من شأن العقل العلمي…

إنّ انصراف إدارة التعليم للضوابط والخطط المادية المرتبطة بمهام وظيفية تحصرها جدران تلك الإدارة، وازدرائها الانفتاح على أطراف العملية التعليمية وعلى المنطق القيمي الحيوي بمتغيراته، سيعني بالضرورة الوقوع بمنطق التيبس والجمود والأداء الذي يقف عند أعتاب الاجترار والسمترية التي تتعامل مع الإنسان المستهدف بالعملية التعليمية وكأنه منتَج مادي من منتجات المصانع ومخرجاتها…

وهكذا نجد أن هيآت تنظيمية من مثل: اتحادات الطلبة، نقابات المعلمين، مجالس الآباء ومؤتمرات البحث العلمي ومجالسها المتخصصة تظل مقصية عن إدارة التعليم والتفاعلات الواجبة والحتمية لها مع هذه المنظومات القيمية الحيوية وجهودها المؤسسية.. فالإدارة التقليدية تتحنط عند أعتاب قوالب تسميها قوانين توجه بها خطواتها بصورة وظيفية جامدة! حتى عندما تتلقى مذكرات تلك الجهات وتقاريرها البحثية ومعالجاتها؛ ومن ثمَّ فإن تلك الإدارة الكلاسية الماضوية غير معنية بحركة العقل ومنظومة قيم الأنسنة والتنمية البشرية بقدر ما يعنيها المنجو ملموس ماديا مقولبا جامدا…

إنَّ جانبا مهما من القيم التنظيمية التي تشير إليها معالجتنا هي تقعيدات الانضباط وتوجيه إجراءات العمل وتفاصيل خطواته وعلاقاته الداخلية، من مثل: الجدية، المشاركة، المسؤولية، المنافسة وتقويم الأداء ومنجزه وحجم المكافآت وطابعها وأنماطها.. وكل ذلك وغيره في ضوء مجموعتين للتنظيم والأداء: أولاهما قيم أساس تحدد المهام والغايات وأخرى هي قيم تحدد طريقة التفكير والعمل بما يؤدي للتأثير في مخرجات المؤسسة التعليمية وهويتها…

وبين أنْ تنجح (إدارة) في منح مخرجات تحتكم إلى ذهنية مقيدة بما تجتره من ماضويات جامدة متكلسة وبين ما تفترضه قيم العصر والحداثة، سنجد تناقضا بين خندقين قيميين: أحدهما ينبع من ذهنية الخرافة ومنطقها والآخر ينبع من ذهنية العقل العلمي وتفتح قوانينه..

وأيٌّ منهما إنما يأتي من غرس أسسه القيمية وتدريب الطلبة على قيمه السلوكية الأدائية.. لكن الخيار يتحدد في ضوء استراتيجيات المجتمع وما يحكمه من قوانين عامة ونظام بعينه. ولهذا فإنه مهما كان النظام السياسي الحاكم لا يمكنه أن يفرض استراتيجيته إذا ما كان المجتمع ومنظوماته القيمية المؤسسية فاعلة في أداء مهامها.

ومن هنا يتأكد دور فاعلية وأثر اتحادات الطلبة ونقابات التعليم بتعددها في صياغة القيم وفي تنميتها وتفعيل العمل بها من جهة ومن جهة أخرى في خلق توازن بين القيم الإنسانية والمادية بوضع القيم السلوكية في خدمة التقدم المعرفي عبر بناء الشخصية الإنسانية بالإشارة إلى مسار التنمية البشرية بتسلسل مفردات نمو الطلبة واستيعابهم المعرفي والقيمي في ذات الوقت وبصورة مترابطة بما يؤدي إلى توفير قدرات او مهارات توظيف ما اكتسبوه توظيفا إبداعياً يستند للعقل العلمي ومنطقه الذي لا تحده قيود ماضوية أو حالات اجترار قوانين منطق الخرافة وهراوتها التي عادة ما تظهر بمظهر القيد الذي لا فكاك منه…

إنّ قدرة الإدارة على احتواء كل تلك الهياكل التنظيمية وما تعنيه وما تنتجه قيميا، ثم استطاعتها أن تحيل ذلك إلى مفاهيم عمل تربوي تعليمي هو ما يضعها موضع التجديد والتحديث، وتبنّي قيم الإيجاب والفعل البنائي التنموي، القادر على إعداد الشخصية المبدعة..

ويلزمنا هنا الإشارة إلى حقيقة تلك الإدارات التي تشتغل بين جدران مكاتبها، فتكتفي بأن تُصدر القرارات تلو القرارات وترفع هراوة الأوامر والضوابط؛ لنؤكد أنها وإن قدمت مخرجاتها بنسب نجاح امتحاني للطلبة وتوفير موارد مالية بعينها فإن مفهوم الإدارة الحديثة لا يقف عند تلك النتائج. فهي نتائج سمترية تخلق معضلات كأداء بتقديمها شخصية إنسانية قد تشتغل (مهنياً) بموضع بعينه ولكنها شخصية عليلة إنسانياً قيمياً بالانتساب للتنوير ومهانيه في احترام أنسنة وجودنا…

إن الفارق بين الجمود والتقليدية من جهة والحيوية والتجدد من جهة أخرى ليس قضية عابرة أو رقمية كمية محدودة ولكنها قضية نوعية في إلقائها المجتمع في جحيم التخلف القيمي وظلامية الأداء وسوء العلاقات واضطرابها وتحولها إلى الهمجي المتوحش من تلك العلاقات أو تحرر ذاك المجتمع الإنساني من عذابات اجترار الماضوية والتعارض مع فروض العصر ومنطقه إلى حرياته وآفاق العيش فيه…

فحتى عند الجيل الجديد وخوضه النضال من أجل تجديد القيم وخلق ما يتناسب والعقل العلمي فإنه قيميا سيخضع لاضطرابات وتناقضات بسبب تشوهات واقعه وبيئته وأساليب تنشئته وما يُغرس فيه… وهو الأمر الذي يتطلب موقفا نوعيا مختلفا في استراتيجية إدارة العملية التعليمية من جهة تفعيل مهام عناصر تلك العملية ومن ينظمها من مؤسسات اتحادية ونقابية وجمعوية ومن مجالس تنسق الحوار بين تلك الأطراف لتحقيق أفضل أسس التحديث القيمي عمليا تطبيقيا، إذ لا يكفي أن يكون طرف إداري بعينه مطلعا على نظرية أو شأنا قيميا ويمارسه فرديا أو بتوجه أحادي من جانبه بل لابد من أسلوب الإدارة الجماعية التي تنفتح على كل التفاعلات والجهود بصورة موضوعية مناسبة..

فإدارة بنهج تنويري لا يمكنها أن تمضي بنجاح إلا في ضوء جميع التفاعلات بين الأطراف التي تمت الإشارة إليها هنا كونها من العناصر الأساس في توجيه العملية التعليمية كليا وبصورة شاملة تكاملية.

ومساهمة أطراف العملية التعليمية برسم استراتيجية الإدارة وتوجيهها وتلبيتها وتحديداً منهم أدوار اتحادات الطلبة هي مساهمة تجسد فلسفة الحداثة والتجديد في تفعيل العملية التعليمية وأسس غرس منظومة قيمية تنتمي للعصر حيث تصير تلك القيم لا غاية جامدة بل وسيلة حيوية تعدّ الطلبة، بوصفهم مخرجات التعليم وإدارته، إعداداً إنسانيا سليما..

وبهذا تنضبط التنمية البشرية بقوانين العقل العلمي وبهوية التنوير القيمي متحررة من أي نوع من القيود التي تحملها الإدارات التقليدية المتمرسة في مكاتب محصنة منفصلة عن المجتمع الإنساني.. بمعنى أن الإدارة التعليمية بمختلف مستوياتها ستستوعب وجود علاقات حيوية منتجة لمؤسسات: اتحاد الطلبة، نقابة المعلمين، مجلس الآباء والجمعيات المتخصصة بمختلف محاور اشتغالها…

وبوجود الحريات التي تكفل عمل تلك المؤسسات وحماية حقوقها وحقوق الأعضاء نفعِّل من الأدوار بما يجعل من الطالب وجميع الأطراف المحيطة به قوى فاعلة منتجة وحيوية في تفاعلاتها القائمة على الاحترام والجدية وتحمل المسؤولية وبناء الإنسان المعاصر وذهنيته المتفتحة ومحو أية ثغرة أو فرصة لتسلل التشوهات القيمية…

لقد أنهى عصرنا وطريقة العيش فيه مرحلة الإنسان الوعاء الفارغ منتظر التوجيه من مرجع وظيفي باي مستوى ومنحى ولم يعد متاحا وجود الإنسان السلبي القائم على الاجترار من جهة وعلى وصاية مركزية عليا من شخص أو إدارة ممن يرتدي جلابيب الأوامر والنواهي وفرض وصايا العصمة المزعومة المحتكرة حصريا فيه…

إنّ إنسان العصر هو ذاك المعدّ معرفيا بأحدث العلوم وأكثر قيم الثقافة تنوّراً، أي القادر على مجابهة المشكلات والمعضلات بطريقة مبدعة منتجة وطبعا بالتكامل البنيوي مع الآخر شبيهه لا القابع خلف قيود اجترار منطق الخرافة وماضويات بلا قيمة لا مادية ولا روحية في وجود إنسان العصر.

عليه فإن منظومات الإدارة الحديثة ستبحث اليوم عن قوانين متحركة متغيرة وتنبع من تفاعل بنيوي بين أطراف العملية التعليمية تركيبيا كي يمكنها بحق أن تمنحنا المخرجات المنتمية لمعنى الأنسنة ومنظومة قيمها. ومن المؤكد أن سياقات البحث في تلك المنظومة وقوانينها تظل بحاجة لمعالجة مستقلة بأدوات معرفية علمية متنوعة المحاور وزوايا النظر إليها..

وأذكّر بأمثلة التعامل مع ظواهر تفصيلية كالغيابات والتهرب و\أو التسرب من الدراسة وطابع العلاقات في فصول الدراسة وباحات الأبنية وما يكتنفها من ظواهر سلبية تتطلب التصدي الحازم والدقيق مثل تفشي ظواهر التنمر وإفرازاتها الخطيرة من العدوانية والتشكك بالآخر وانعدام الثقة وتوفير أجواء للفساد باشكاله دع عنك ظواهر الغش الامتحاني وتسريب الأسئلة وتشوه علاقات أطراف العملية التعليمية وبمجمل ذلك وغيره تبحث المعالجات المنتظرة في موقف الإدارة واشتغالها التصدي لتلك المعضلات العقدية إلى جانب تلك التفصيلية منها.. أؤكد أنه ينبغي أن تبحثها بصورة متفتحة تنتمي للعقل العلمي لا بصورة كلاسية تقليدية المنحى تنتمي لمنطق يزدري الإنسان وعقله ويحيله إلى مجرد كينونة تتلقى الأوامر لتمشية تفاصيل اليوم العادي لا لبناء الشخصية وتنميتها كما يقتضي التنوير واحترامه الإنسان وهوية منطقه العقلي المعاصر..

ولنتذكر أيضا بشكل أعمّ وأشمل وأعمق للموضوعة، أن بحثا عن (التنوير المجتمعي) حاضرا ومستقبلا، لن ينجح ولن يتم من دون التوقف عند تلك الإشكالية المهمة بإطار العملية التعليمية تحديداً بوصفها عملية بناء إنسان اليوم والغد وبوصفها االمحور الأهم في التنمية البشرية.. وليست هذي المعالجة سوى تمهيداً جد أولي وبسيط باتجاه تلك المهمة؛ أكتفي هنا بالتحدث عن التنوير وعلاقته بالإدارة من حيث مخرجاتها و\أو أدائها؛ إذ التنوير عملية يجري إنجازها بغرسها ورعايتها مثلما غرس النبتة أو الشجرة ورعايتهما بالإشارة إلى نمو الطلبة وما يغرس فيهم معرفيا قيميا سلوكيا.

فهلا أدركنا أدوارنا في رسم مسار إدارة العملية التعليمية تنويرياً؟ أترك لتفاعلاتكنّ وتفاعلاتكم القيمة الثمينة أن تضفي وتعدل بالاتجاه الأنجع كما بجميع مقترحاتي ومعالجاتها المفتوحة على التفاعل البنَّاء…

لا تعليقات

اترك رد