نحو عراق مستقل

 

تتداخل مجموعة من التعاريف مع بعضها يحتاجها من يرغب في الخوض في موضوع الاستقلال فيجب أن يتوفر له شعب يترابط مع بعضه بمجموعة من الأواصر القوية غير القابلة للكسر أو الانفراط يعيش على بقعة ارض واضحة المعالم وحدودها معروفة ومعترف بها لدى الجميع وبالأخص الدول التي تحدها من كل جهاتها وهذا الشعب قد أسس لحكومة تدير شؤونه الداخلية كما تنظم علاقاته الخارجية وهذه الحكومة يجب أن تكون قادرة على حماية شعبها من أي عدوان خارجي وبخلاف ذلك لا يمكن أن تكون هذه المجموعة البشرية دولة بالمفهوم الواضح وتحصل على استقلالها الذي يعني إنها قادرة على إدارة شؤونها بنفسها بما يخدم مصالحها ومصالح الشعب الذي تمثله بعيدا عن رغبات وتوجيهات غيرها من الدول القريبة أو البعيدة وكما هو واضح فهذا المفهوم هو النقيض لمفهوم الاحتلال وإذا استطعنا تسقيط هذا الفهم للاستقلال على العراق الذي يعنينا ونتحدث عنه كمواطنين حقيقيين معنيين أولا وأخيرا به فهل يمكن اعتبار العراق دولة مستقلة أو على العكس انه دولة محتلة وبمعنى آخر هل نحن ندير شؤوننا بمحض إرادتنا ودون أن تتعرض حكومتنا (أي حكومة في بلادنا) إلى الضغط الخارجي.

قبل محاولة البحث في استقلال العراق كدولة لها عمقها التاريخي ولها وزنها الفاعل والمؤثر في محيطها الإقليمي وتأثيرها في المجتمع الدولي كإحدى الدول المشاركة في تأسيس المنظمة الدولية (هيئة الأمم المتحدة) يجب أن ندرك إن سيادة الدولة يجب أن تبدأ من الداخل أولا أي انصياع رعاياها لأوامرها فمهما بلغت درجة الحرية وديمقراطية نظام الحكم يجب أن تفرض الدولة من خلال قوانينها هيبتها على الجميع ومن يتقاطع معها يجب أن ينال العقوبة المناسبة مهما كانت مكانته الاجتماعية أو القيادية أو حتى منصبه في الدولة لان بسط القانون من أهم عوامل تثبيت أركان الحكم وهذا ما لا يتوفر في الحكومة العراقية لحد الآن فمن يرعى القانون هو من يتجاوز عليه تحت ذريعة القانون من خلال التلاعب باليته الدستورية ومثالا لا حصرا فان البرلمان لا زال يعرقل تكملة تولية الحقائب الوزارية تحت ذرائع شتى وهو إضعاف للحكومة وإسقاط لهيبتها فما يمكن الاتفاق عليه وفق المبادئ الأولية للتعاون بين الكتل السياسية وقادتها لا يجب أن يستمر الخلاف عليه لفترات طويلة تجاوزت المعقول وهو ما لم يحصل في أي دولة في العالم الأكثر من العراق والأقدم منه في النظم الديمقراطية وبهذا فان البرلمان العراقي متهم في زعزعة كيان الحكومة التنفيذية العراقية .

في عام 2003 أعلنت هيئة الأمم المتحدة معارضتها لغزو العراق ولكن قوة الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنتها على القرار الاممي وبعد إسقاط نظام الحكم فيه قسرا أعلنت المنظمة بشكل رسمي إن العراق دولة محتلة ولكنها أي الولايات المتحدة الأمريكية بعد فترة قليلة أعلنت تسليم الحكم إلى حكومة انتقالية عراقية ولها في ذلك أسبابها التي تخص حماية امن قواتها في العراق ولكن سفيرها بقي الحاكم الفعلي للدولة العراقية وهذا ما لا يخفى على احد إلى أن تم انتخاب أول حكومة وطنية من قبل برلمان عراقي منتخب أيضا ولكن لم يحصل العراق على استقلاله التام لأسباب كثيرة منها انتشار القواعد الأمريكية في عدد من المناطق المهمة إضافة إلى إن سفارتها في بغداد تعتبر خارجة للأعراف الدولية من حيث عدد منتسبيها إلى أن تم عقد اتفاقية الدفاع الإستراتيجية بين حكومة العراق والحكومة الأمريكية وهي لم تأخذ مداها الحقيقي المطلوب من توقيعها حتى بعد أن دعت حكومة السيد نوري المالكي أمريكا للتدخل عام 2016 اثر سقوط أكثر من ثلث مساحة العراق بيد قوات داعش الأوباش الأقذر في تاريخ الإنسانية.

سحبت القوات الأمريكية قواتها من العراق واستقرت في الكويت باستثناء بعض القواعد في أماكن محددة فخرجت من الباب وعادت من الشباك أي إن العراق وبحكومة عراقية منتخبة لكنها مسلوبة الإرادة من الناحية العسكرية ولا يمكن في حال من الأحوال أن نسميه دولة مستقلة هذا من جانب ومن جانب آخر ومن باب رد الجميل فان الدعم الخارجي وتغلغل الإرادات الأجنبية في العراق أدى إلى إنشاء أعداد مهولة بشكل غير معقول من الأحزاب لا يقترب من التناسب مع عدد سكان العراق القسم منها مؤثر في صناعة قرار الدولة العراقية فمنهم من يدين إلى المملكة العربية السعودية بالولاء ومنهم من يدين إلى جمهورية إيران الإسلامية ومنهم من يوالي تركيا واغلبها قد أسست فصائل عسكرية وأدخلت قواتها إلى الأراضي العراقية تحت ذريعة تدريب الجيش العراقي وفصائل المتطوعين للقتال ضد داعش وتحرير أراضي العراقية ناهيك عن الدور الذي تلعبه أمريكا كدولة مهيمنة أصلا على المجموع وناهيك عن الدور الذي تلعبه الدول المجاورة خصوصا الخليجية منها من خلال ضخ الأموال الهائلة لشراء الأصوات المؤثرة والولاء في السياسة العراقية.

لنترك كل ذلك في جانب ولكن ما قام به الرئيس الأمريكي ترامب عند زيارته المفاجئة إلى قواته العسكرية في قاعدة عين الأسد وقبلها سحب قواته العسكرية من سوريا إلى نفس القاعدة وربما السعي والتخطيط لإنشاء قواعد عسكرية إضافية في مناطق أخرى من العراق ودعوة القوى الأمنية العراقية البطلة من الجيش والشرطة الاتحادية وباقي القوات وقوات الحشد الشعبي للذهاب إلى سوريا هو مخالفة صريحة في وضح النهار لكل الأعراف الدبلوماسية المعروفة دوليا والأدهى والأمر تجول قسم من القوات الأمريكية في مركز بغداد عاصمة العراق بالمدرعات العسكرية وبالزى العسكري حتى وان كانت بموافقة ومرافقة الحكومة العراقية فهو انتهاك للسيادة العراقية فلا يمكن لأي دولة تحترم سيادتها أن توافق على ذلك.

إن الدعوة إلى إخراج القوات الأجنبية من العراق من المؤكد إنها بدوافع وطنية حقيقية لكن يصعب تحقيقها في الوقت الحاضر لعدم توافق الكتل السياسية وتوحيد مواقفها أولا ولإصرار أمريكا على البقاء في العراق ثانيا.

لا تعليقات

اترك رد