معنى واهمية الفن ج6

 

تذوق المجتمع للفن:
ألفن:
هو أحدا أهم أركان الشعور الوجداني والمعرفي الثقافي للمجتمع الذي يجاور ويتداخل مع الأدب ويعتمد على الصورة وتندرج تحته أنواع فن التصوير والنحت و العمارة والموسيقى والغناء و السينما. و الفن هو أسمى درجة من درجات الأستجابة التي يستطيع الإنسان ان يهبها لنفسه، ويفرغ انفعالاته الشعورية بكل جوانبها: السعادة والأمل ومناسبات الفرح والتفاؤل .. وفي الوقت ذاته النطق بدواخل الذات المكبوتة من حزن وانفعال وهستيريا والنطق بالقوة والمحبة بين الأفراد أو الأخلاص للوطن..كالأناشيد الوطنية التي توحد الكيانات الأجتماعية..وهو يخلص البشرية من حدودها و يعرض أسمى صور الإنسان والنماذج المقدسة تراثياً أو عقائدياً. وهدف الفن النهائي هو التثقيف حيث يزال ضغط الحياة اليومية وينطلق الانفعال الجمالي كنشاط مستقل، وهدف الفن ، التوصل إلى الجمال وهو يهدئ من حزن حالتنا ويغير الحياة الواقعية، والفن وسيط بين الحسية المباشرة والفكر المثالي وهو تساؤل وخطاب موجه للمحبين له وهو نداء موجه للعقل ويدور حول إيقاظ الفرح في الإنسان وهو يتوسط البدائل المتطرفة في التاريخ و القانون والزمان و المكان ، والفكر والعمل، والإنسان والطبيعة وهو أداة لأزمة لأتمام الأندماج بين الفرد و المجتمع، وأما فلسفة الفن فهي محاولة لإظهار الأسس النظرية التي يقوم عليها العمل الفني ودراسة لمكوناته وعلاقة الشكل بالمحتوى. تتصارع الآراء فتترك بصماتها في المضامين والأساليب والأشكال ولكن وراء كل صراع خواطر إنسانية مشرقة. تسميات شتى تآلفت في عالم الفن التشكيلي ابتدعها النقاد ومؤرخو الفن والأدباء والصحفيون فكان منها الساخر و كان منه الجاد، فإذا بها تصبح عناوين لمذاهب فنية مختلفة احتلت مراحل طويلة من تاريخ الفن وبعض تلك التسميات العرضية، أخذت لها مكاناً في تأريخ الفن ورصيداً عند النقاد ، وأما التسميات الجادة والمدروسة، فإنها ظلت بعيدة عن الدقة والموضوعية، ولكنها تآلفت بمنطقها الخاص الخارج عن ظروف الزمان والمكان فأصبحت رموزاً غامضة ثم ان تاريخ الفن في حيرة من أمر تلك التسميات فكثير ما ينتقل بالفنان من مذهب إلى مذهب دون مبرر. ليست الصدفة هي التي تجمع الناس معاً في الفن، بل يجتمع الناس لأن بعضهم يرغب في أن يشاركه زملاءه الفنانون تجاربه والبعض يجد من المستحيل ان يقف مكانه ولهذا يرغب في التقدم إلى الأمام، فطاقاتهم الداخلية تتطور وتواصل نموها وتبحث عن أساليب جديدة تعبر من خلالها عن ذاتها في أعمال مبدعة، والأسلوب هوالطريقة المميزة للتعبير، بحيث يتميز الفنان بطابع خاص في انتقاء الرسم واللون وطريقة البناء ونحت الصور الجديدة بحيث يكون الإنسان هو الأسلوب. وبجانب هذا يكون لكل عصر أسلوب خاص في الفنون، و ينقسم الأسلوب و يصنف حسب العصر كأن يكون “ميتافيزيقيا” أو “اوغسطنيا” أو حسب المؤلفين الأفراد كالأسلوب “الشوسري” او “الملتوني” أو حسب الأسلوب المنخفض أو البسيط أو حسب اللغة مثل الأسلوب العلمي أو التوضيحي أو الشاعري أو الانفعالي أو الصحفي، ويعتمد الأسلوب على انتقاء بعض الملامح. والأسلوبية علم تحليلي يهدف الى أن يغطي بالدراسة كل جوانب اللغة. وعلم السيمائية يهدف الى إرساء علم الأسلوب وهو يهدف أيضاً الى الإبحار في النص الأدبي من خلال اللغة لسبر أغواره، والأسلوبية تدرس الأنموذج الخاص الذي تصاغ فيه اللغة. ولكن كيف نتمكن من ان نلاحظ هذا كله في كل لحظات حياتنا ؟ وكيف نستطيع أن نقنع المتفرج الذواق بضرورة الفن ؟ فالذوق taste رغم انه فردي و يتم في لمحة الحدس إلا أن فلاسفة الجمال يحاول اغلبهم التوصل إلى ما ينطوي عليه من حكم جمالي له طابع كلي . فيرى “هردر” ان الذوق الفني يكشف معنى التاريخ ويرى ” دوفرين” انه يتجاوز الذاتية و أنه حركة نحو النمو بالعمل الفني

و الانفتاح عليه، و يجعله ” شيلر” مصدر التضامن الاجتماعي، فهو وحده الذي يحدث التناغم ونعني بالتناغم تآلف عناصر العمل الفني وترابطه في كل موحد على أساس الوحدة العضوية ويقول “امبيدوكليس” أن هناك قوتين تعملان في عناصر الماء والتراب والنار والهواء هما الحب والكراهية. مع اتتي افضل تسمية الذوق بالتذوق Appreciation والتي تعني التقدير ايضاً، بينما الذوق يعني الذوق الحسي لحواس الانسان منها اللسان .

الحب مبدأ التناغم والكراهية مبدأ التفكك، والكون بالحب أشبه بفنان ينتقي العناصر ويمزجها معاً. وقال “هيرقليطس” ان التناغم قائم على التوتر مثل القوس و السهم و هو نوعان ظاهري و خفي و العقل يساهم في إحداث يقظة الإنسان فيزداد تناغماً على عكس النائم الذي يؤمن باللاعقل ويعتمد على الإحساس فيفكك الناس، ويعد” ارسطو” التناغم غريزة الإنسان وهو عين نسيج النفس الإنسانية واعتبر في القرون الوسطى ذروة الفيض الإنساني. فالمجتمع يؤسس التناغم في الفرد، والجمال يصنع من الفرد إنساناً كلياً وتواصل الجمال يوحد المجتمع و هو الذي يسدل الستار على الفجاجة الفيزيائية .ويرجعه ” سولزر” إلى ملكة مختلفة عن العقل والأخلاق وان كانت مرتبطة بهما من خلال القيمة الخلقية للجمال. ويرى فيه ” الآن” محاولة تسمو بالمتأمل إلى المستوى الجمالي الذي يدرك العنصر الكلي فيما هو بشري . ويرى ” أفلاطون ” أنه يتم بالإلهام وهناك حلقة متصلة من التذوق ، ويرى ” روسو ” أن التذوق هو ذوق أكبر عدد من الناس وهو يقتضي تجميع العوامل الفيزيائية والنفسية والخلقية وهو مستحيل بدون حكم ناجح .ويرى ” كانت ” ويعده أكبر رد على القول الشائع لا مشاحة في الأذواق، عندما أراد أن يكتشف الأسس الكلية المختفية خلفه، أن التذوق عنده ليس حكم وجدان ولكنه وجدان حكم وهو الملكة التي نحكم بها على موضوع ما أو أسلوب ما عن طريق الشعور بالارتياح أو عدمه دون أن يكون للمصلحة أي دخل في هذا الحكم فهو ملكة الحكم على كل ما من شأنه أن يجعل شعورنا الخالص قابلاً للمشاركة من جانب الآخرين بصورة كلية عامة دون تدخل أي مفهوم من المفاهيم العقلية، و وظيفته عملية إجماعية لأنه يسمح لنا بأن ننقل إلى الآخرين عواطفنا الخاصة .أول من أستخدم التذوق كمصطلح نقدي الناقد الفرنسي ” لابروير ” في القرن السابع عشر في كتابه “الطبائع” عام 1688 فقال أن هناك تذوقا ممتازاً و تذوقاً سيئاً. و عرفه “جوزيف أديسون ” في كتابه ” المشاهد ” عام 1712 بأنه ملكة النفس، تملأ جماليات المواقف بالبهجة واللذة. وأعتبره ” كولردج ” ملكة متوسطة تربط القوى الإيجابية بالقوة السالبة لطبيعتنا وهو يربط العقل بالحواس و وظيفته الإعلاء من شأن صور الحواس وهي تدرك أفكار العقل، وهو عند ” باتو” ليس مرآة صافية بل هو يبنى على الحب الذاتي للطبيعة. إن الإيقاع الذي على كل إنسان ان يعبر عنه في الحياة، يصدر عن نفسه وبالتالي عن كيانه الحي وعن حاجته الأولى التي بدونها تستحيل الحياة. وهكذا الفن ترجع استحالة تقليد أي إنسان إلى أن لكل إنسان في عمله إبداع له إيقاعه المتفرد و فردية فريدة. أريد أن أفحص طبيعة الحياة في الفن كوننا لا نستطيع الزعم أننا نعيش حقاً في الفن إلا إذا توقفنا عن اعتبار أنفسنا فرعاً من فروع الفنون .فما هو الرأي إذن في الحالة التي ينظر فيها الرسام إلى موضوع دون أن يرسمه؟ ما دامت تأثيراته تتحول إلى أفكار بفعل ما يقوم به خياله. فان أكثر الأشخاص المتذوقين في الفهم لا يستطيعون أن يدركوا بصورة قاطعة على الإطلاق تماثل التجربة الخيالية التي نحصل عليها عند مشاهدة أي عمل فني مع تجربة الفنان الخيالية خاصة عندما يكون الفنان فناً عظيماً، فلا يدرك من المعنى عندما يشاهدوه سوى قدراً يسيراً ناقصاً. فالفهم على الدوام مهمة معقدة وله جملة مراحل وكل مرحلة كاملة في ذاتها. المتذوق الذي يتصف بالجدية والذكاء قادر على النفاذ الى ما هو مرسوم أو منحوت المركب بالقدر الكافي، ويضطلع المتذوق باهتمام لا حصر له عندما يسعى للفهم، ومحاولة إعادة بناء تجربة الفنان الخيالية بدقة في ذهنه. فالفنان عندما يقوم بإنشاء عمله فقد يراعي تعذر إدراك متذوقيه لعمله إدراكاً كاملاً، وهناك دلائل تدل على

انهم قد ازدادوا ميلاً إلى اعتبار متذوقيهم شركاء لهم، ولعل إدراك الصلة بين الفنان والمتذوق قد أصبح أمراً جديراً بالمناقشة وفقاً لما تراه النظرية التكتيكية في الفن.

هل كان حكم المتذوقين عليه أفضل من حكمه على نفسه ؟ لذا فانه سيضطلع بأعباء عمله الفني لا باعتباره محاولة شخصية يقوم بها لصالحه الشخصي، بل باعتباره عملاً عاماً لصالح المجتمع الذي ينتمي إليه. وأي حكم ينطق به خاص بالانفعال يجب أن يبدأ بإشارة مضمرة إلى أن هذا الانفعال شعور جماعي وليس شعوراً ذاتياً، ان أعماله الفنية هي دعوة موجهة إلى المجتمع لكي يشاركه فيه، والفنان بوصفه كائناً متناهياً لن يصبح على دراية بنفسه وبشخصه إلا إذا ارتبط بآخرين وشعر في نفس الوقت بوجودهم باعتبارهم قادرين على مشاركته عندما يرى أنهم قادرون على الفهم والحب المتبادل فعل يعتمد على المشاركة. فبعد تحليل الصلة بين الفنان ومتذوقي فنه، خاصة إذا أعتمد الفنان على فنه ولم يعتمد على أي فنان آخر من أية ناحية من النواحي والانفعالات المعبر عنها ينبغي أن تكون انفعالات الفنان وحده، ولو إننا نظرنا بإخلاص إلى تاريخ الفن، فإننا سنرى إن حدوث مشاركة بين الفنانين كان على الدوام أمراً معتاداً مشيراً بوجه خاص إلى نوع المشاركة الذي يطعم فيه أي فنان عمله بعمل فنان آخر أو حين ينتحل فيه فنان عملا آخر ويضمه إليه. وظهرت في القرن التاسع عشر قاعدة جديدة في الأخلاق الفنية نصت على اعتبار الانتحال جريمة، وإذا أعترف الفنان بهذا الانتحال وعمل حساباً له أمكنه أن يدعم عمله و يغصبه، وإذا أنكره تعرض عمله للهزال. إذا لم يستطع التفوق على أفكار زميله فليسمح له على الأقل بنقلها، إذ أنها ستنفعه عندما يحاول إعدادها لكي تصبح أعمالاً خاصة به. و سوف يحقق ذلك دعاية لصاحب العمل الأصلي، إن كل ما أدعو إليه أن يعامل الفنانون المحدثون بعضهم بعضاً مثلما فعل الرسامون في عهد النهضة. إن أسوأ ما يعرقل مسيرة الفنان هي تلك العادة العقلية التي تركز دائماً على الجوانب السيئة في الإنسان وعلى أخطائه الشديدة الوضوح، ويتجاهل الشيء الجميل المختفي في داخله. وهذا يصدق بصورة عامة على أصحاب المواهب المحددة والطبائع الفنية الضعيفة التطور، أذ يرون الجانب الرديء في كل شيء، فلا يميزون الجمال أو يستوعبونه وهذا هو السبب في أن أعمالهم الفنية أحادية الجانب، مزيفة، لأنه لا يوجد فنانون لا يملكون ذرة من الشيء الجميل في داخلهم، والشيء الجميل المهم هو أن تحسه و تفهمه. ولكن هذا لايعني أن التركيز في النتاج الفني على الجوانب الجمالية دون الأهتمام بالجوانب التي تعرقل حياة الناس وتسبب لهم المشاكل والمصاعب والحروب والمظاهر التراجيدية كما يتناولها الكتاب في المسرح، إن الكنوز الحية هي قلوب البشر، و إن الشيء الواجب عمله هو الدخول إلى القلوب الحية داخل سلسلة من الأفعال الخارجية والداخلية والدخول إلى طبيعة العواطف الإنسانية الحيوية الأصيلة.

المقال السابقمستقبل الدولار
المقال التالىالاستدامة في عالم المال والأعمال
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد