الشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة ج 1


 

نقصد بالشعرالعربي الحديث كل شعر كتب في العصر الحديث. وصفة (الحداثة ) يُقصد بها الإطار الزمني المتسم بمعالم الحياة الحد اثوية ومميزاتها عن الأزمنة السابقة التي قيل فيها هذا الشعر . ويتمثل بالوقت الحاضر بالحلقة ما قبل الاخيرة من السلسلة الزمنية التي قيل فيها هذا الشعر.

وقد اعتمد مؤرخو الأدب العربي على تصنيف الشعر العربي بحسب فترات زمنية متفاوتة تتسم بمواكبة العهود الزمنية السياسية للحكومات التالية المتاقبة كل بحسب عصره . وربما يصنف ايضا بحسب الأمصار التي قيل فيها هذا الشعر .

وقد اعتدنا ان نرى في الشعر الحديث تصنيفين اساسيين هما:
1- الشعر القديم: والمقصود به كل شعرعربي كتب قبل عصرالنهضة العربية الحديثة وربما قصد به بعضهم كل شعر كتب على نمط شعر قصيدة العمود القديمة والتي وجدت في الشعرالعربي منذ عصرالجاهلية وحتى هذا العصر المعاصر .وهذا اراه تجاوزا على كثير من الشعراء الذين لا يزالون يكتبون الشعرالتقليدي او الشعر العمودي وهو ما اسموه بالشعرالتقليدي او( التقييدي) عند البعض الاخر لانهم يعتبرونه مقيد بالوزن والقافية كما يسمى بالشعر العمودي نسبة إلى نوعية كتابة هذا الشعر باستخدام الشطر والعجز في التنظيم النمطي لكتابته .

2- الشعر الحر او ( شعر التفعيلة ) وهو ما استحدثه جماعة من شعراء الحداثة منهم بدر شاكرالسياب ونازك الملائكة والبياتي وصلاح عبد الصبور وسعيد عقل وغيرهم كثير .

والشعر الحديث يقصد به كل شعر عربي كتب بعد النهضة العربية. وهو يختلف عن الشعر القديم في أساليبه وفي مضامينه، وفي بنيته الفنية، والموسيقية، وفي أغراضه وموضوعاته وفي كثير من أنواعه المستجدة والمستحدثة . ويشمل جميع قصائد الشعر والدواوين التي قيلت في العصر الحديث فهي شعر حديث بدءًا من أول قصيدة كُتِبَت قبيل الحملة الفرنسية على مصر بأقلام الشعراء الرواد الأوائل – وهم رواد النهضة العربية وعلى راسهم الشاعر محمود سامي البارودي وقبله ناصيف اليازجي وابنه ابراهيم اليازجي القائل :

تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا أيُّهَا العَـرَبُ
                     فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ

فِيمَ التَّعَلُّـلُ بِالآمَـال تَخْدَعُـكُـــــم
                     وَأَنْتُـمُ بَيْنَ رَاحَــــــاتِ القَنَـا سُلـبُ

اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَــــــــذَا المَنَـامُ فَقَـدْ
                      شَكَاكُمُ المَهْـــــــدُ وَاشْتَاقَتْـكُمُ التُّـرَبُ

كَمْ تُظْلَمُونَ وَلَسْتُمْ تَشْتَكُونَ وَكَمْ
                      تُسْتَغْضَبُونَ فَلا يَبْدُو لَكُمْ غَضَـبُ

وانتهاءً بآخر قصيدة كتبها او كتبها عربي و كتبت باللغة العربية في الوقت الحاضر –
راجع موسوعتي (شعراء العربية) المجلد الثامن باسم ( شعراء النهضة العربية ) .

ويمكنني ان اصنف الشعر العربي الحديث الى مجموعة من التصانيف كما موجودة في حالتها الحالية :
الشعر العمودي او التقليدي
الشعرالحر او شعر التفعيلة
وقصيدة النثر وهي اخر ما توصل اليه بعض الشعراء المعاصرين الذين يكتبون شعر النثر اوما تسمى القصيدة ( قصيدة النثر ) التي لا مثيل لها في العصورالعربية قبلها .

ولكن هذه التقاسيم او التصنيفات لا تعني شيئا بالنسبة للشعر وكينونته وقد اثارت نزاعات وتناقضات متبادلة بين الشعراء انفسهم وكذلك بين النقاد ومؤرخي الشعر العربي حول طبيعة الكتابة شكلا ومضمونا . لكن الأهم عندي من كل هذا و ذا ك هو ايجاد الخصائص الفنية والموضوعات المختلفة للنصوص الشعرية وابتكار الاصلح والاسمى .

ان كثيرا مما كتبه الشعراء في هذا العصر والذي قبله كان على غير منهاج الشعر التقليدي او الكلاسيكي واقصد به الشعر الحر او شعرالتفعيلة وقد ظهر في الأدب العربي في النصف الأول من القرن العشرين، على يد الشعراء امين الريحاني وصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب و نازك الملائكة وشعراء المهجروعدد من الشعراء العرب في عدد من بلدان قارتي أوروبا وامريكا التي قصدوها للاستقرار فيها، وخاصة إيطاليا وفرنسا وبريطانيا ثم الولايات الأميركية والبرازيل . وكان من أبرزهذه الاختلافات التي أثارها هذا الاتجاه هو ما اثاروه حول الأصالة والحداثة على مدى عقود عديدة . فابتداءا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى الان يتجاذب الادباء و الشعراء والنقاد ومؤرخو الادب العربي الاتهامات حول الأصالة والحداثة ثم اضيفت تجاذبات أخرى بينهم حول التقليدية والحداثة والمعاصرة .

وفي رايي الخاص ان هذه الامور هي التي اعاقت الشعرالعربي من التطور والالتحاق بالشعرالعالمي وهذا ما تؤكده أرقام مبيعات كتب الشعر التي صدرت خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى ضعف مستوى النتاج الشعري لدى كثير من الشعراء وتكاثر أدعياء الشعر وظهورأعداد كبيرة من الكتب والدواوين المطبوعة ذات قيمة فنية هابطة محسوبة على الشعر بانواعه وخاصة الشعرالمنثور وهي لا تعني شيئا منه .

وحالة اخرى ارى انها اضعفت من نتاج الشعر العربي هو التقدم العلمي وانصراف الناشئة والطلبة وخريجي المعاهد العلمية والجامعات إلى متابعة العلوم الحديثة والبحث في ظل الحركة الاقتصادية الهامة واتجاههم الى سوق العمل طلبا للمعاش وبما يحقق لهم مستوى معاشي افضل فأدى هذا الى بعض جمود او ركود او انكسار في أفق الشعر العربي ، وإلى إضعاف تأثير التجارب القليلة الجيدة التي لا يمكن إنكار ظهورها في حركة الشعر والثقافة العربية ككل .

اما مراحل تطور الشعر العربي هو أنّ الشعر القديم يختلفُ في بعض جوانبه عن الشعر الحديث او المعاصر في الوقت الحاضر، وأهمّ ما يميّز الشعر القديم او الشعر العمودي حِرص الشاعر على النظم على الوزن والقافية ونظم البيت من الصدر والعَجز، وكان كل شعر لا يتم نظمه على الوزن والقافية لا يعتبرُ شِعراً بل يعتبرونه نثرا أو فصاحة فِي العصر الحديث . ومحبوا الشعر الجديد يؤشرون على الشعر القديم ويؤخذون عليه انهم يعتبرونه رافدا من روافد الامتاعِ والمؤانسة والنفعِ الحسي ينقل مشاعر الشاعر واحاسيسه ويعتبرُ مصدرَ طرب لدى البعض او الغنائية ويدعو إلى التحلّي بالأخلاقِ الكريمة والفضائل القيمة والنفورِ منَ الصفات السيئة غير الحميدة وربما كان تعبيرا عن الذات الثائرة لدى الشاعر العربي في ظل حركات التحرر الوطني يقول الشاعر :

أَخِي ، جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَـدَى
                        فَحَقَّ الجهــــاد ، وَحَقَّ الفِـدَا

أَنَتْرُكُهُمْ يَغْصِبُونَ العُرُوبَـــــــــ
                        ـــــــةَ مَجْدَ الأُبُوَّةِ وَالسُّــؤْدَدَا ؟

وَلَيْسُوا بِغَيْرِ صَلِيلِ السُّيُـوفِ
                        يُجِيبُونَ صَوْتَاً لَنَا أَوْ صَدَى

فَجَرِّدْ حُسَامَكَ مِنْ غِمْــدِهِ
                        فليس لَـهُ، بَعْدُ ، أَنْ يُغْمَـدَا

أَخِي، أَيُّهَـــا العَرَبِيُّ الأَبِيُّ
                        أَرَى اليَوْمَ مَوْعِدَنَا لاَ الغَـــــــدَا

أَخِي، أَقْبَلَ الشَّرْقُ فِي أُمَّــةٍ
                        تَرُدُّ الضَّلالَ وَتُحْيِي الهُـدَى

طَلَعْنَا عَلَيْهِمْ طُلُوعَ المَنُــونِ
                        فَطَارُوا هَبَاءً ، وَصَارُوا سُدَى

أَخِي، ظَمِئَتْ لِلْقِتَالِ السُّيُوفُ
                        فَأَوْرِدْ شَبَاهَا الدَّمَ المُصْعَـدَا

أَخِي، إِنْ جَرَى فِي ثَرَاهَا دَمِي
                        وأَطبَقتُ فوق حَصَاها اليَدَا

ونادى الحِمام وجُنَّ الحُسام
                        وَشَبَّ الضَّرَامُ بِهَا مُوقــدَا

فَفَتِّشْ عَلَى مُهْجَـــةٍ حُرَّةٍ
                       أبت أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهَــــــا العِــدَا

وَخُذْ رَايَةَ الحَقِّ مِنْ قَبْضَــةٍ
                       جَلاَهَا الوَغَى ، وَنَمَاهَا النَّدَى

وَقَبِّلْ شَهِيدَاً عَلَى أَرْضِهَــا
                       دعا بِاسْــــمِهَا اللهَ وَاسْتَشْهَـدَا
ان ظهور الشعرالحر على ايدي رواده الذين يعتبرون مِن أهمّ شعراءِ الحداثة لأنّهُم جمعوا بينَ الثقافة العربيّة الكلاسيكيّة والحداثة وربما المعاصرة ايضا . ووجد النقاد الذين وضعَوا أساسيّات لشعر التفعلية و شعر قصيدة النثر التي ظهرت حديثا .

راجع كتابي( دراسات في الشعرالمعاصر وقصيدة النثر ) طبع عمان- الاردن عام \2017

يتبــــــــــع

لا تعليقات

اترك رد