العصافير

 

في الصباح , هجمت علينا العصافير . لقد جاءت منذ ساعات الفجر الأولى. بل قيل إنها وصلت قبل الفجر. وما إن وقعت على الأشجار حتى طفقت تزقزق وترقص على الأغصان العارية التي غسلتها أمطار الليلة الفارطة. كانت تزقزق وتفرك أجنحتها لمقاومة برودة الساعات الأخيرة من الليل. كانت صغيرة وعليلة ولكّنها رغم تعبها وقلة نومها كانت لا تكفّ عن الشّدو. لم تكن تهتم بالتقاط الحبّ الذي نثره لها الأطفال الصّغار. فقد كانت تكتفي بأن تلقي عليه النظرة الواحدة ثمّ تشيح عنه بعيونها المتعبة من طول السفر وقلة النّوم, وتعود إلى نشاطها الموسيقيّ المحموم. فترتفعالألحان من كل جهة ورغم أنها لم تكن تراعي النظام ولم يكن للفريق ضابط الإيقاع فإنّ تلك الفوضى كانت جوهر التناسق وكان ذلك الأمر منقطع النّظير… كانت الدنيا تغنّي. كانت تغني بكل جوارحها وبكل أجزائها رغم برودة الطّقس ورغم نذر العاصفة. كانت الدنيا من جبلها الأشمّ إلى الريشة الصغيرة من ريش تلك العصافير الغريبة تغني وترقص مقاومة برد الليالي السود.

حينما استيقظ الناس في الصباح, حاولوا التغاضي عن هذا الضجيج الذي لم يتعوّدوه في هذه الأصبحة الباردة المثلجة. حاولوا الانشغال بتبادل التحايا المطوّلة وبالسؤال عن الأحوال وبالإفاضة في إثارة مواضيع تافهة لا قيمة لها إلاّ كونها تمثل شاغلا يبعد الزقزقة عن الآذان الصدئة . لكنّ الألحان المتواصلة كانت تضيع التركيز وقد يتداخل الكلام فلا يؤدّي معناه. ووضع البعض سماعات في آذانهم اتقاء هذه الفوضى اللحنية ولكنهم كانوا يرون العصافير تحرك أجنحتها فيسمعون بأعينهم ما لم يكن يبلغ مسامعهم الضيقة المسدودة.

في الشوارع ارتفعت أبواق السيارات بالتّزمير. ورفّع السوّاق من أصوات المذاييع التي كانت تبثّ النشرات الإخبارية وتقطعها بالنشيد الوطني وبالأغاني الحماسية…تقول الأخبار العاجلة إنّ عصافير من الشمال تغزو البلدان المتوسطية الجنوبية. ويؤكّد الخبراء الذين استيقظوا باكرا ليواكبوا الحدث أنها عصافير ذكيّة ومدربة أرسلتها جهات مشبوهة لتشوش على الناس صفاءهم وراحة بالهم ولتفسد أخلاقهم.

في الصباح حاول الأطفال حبس العصافير في أقفاص حديدية لكنّ الطيور كانت تدخل وتخرج من تلك المحابس الباردة كما لو أنها كانت مجرّد خيالات, فلا الأبواب المقفلة ولا ضيق المنافذ الجانبية والفوقية كانت تمنع العصافير من الدخول والخروج. ولذلك قالت النساء العجائز :”هذه طيور الجنّ فلا تشغبوا عليها واتركوها تصدح كما تشاء”.

قال رئيس اللجنة الثورية لمقاومة الضجيج إنه سيدعو الله ليرسل العاصفة الثلجية, ونذر أن يصلّي يوما كاملا بلا انقطاع من أجل أن يجيب الله دعاءه وأعلن ذلك في كل الإذاعات الجهوية والإذاعة الوطنية وفي التلفزات, وحينما سمعت العصافير ذلك زادت من غنائها. وما إن ارتفعت درجة الحرارة قليلا مع الشعاع الأول للشمس حتى بدأت الطيور ترفع أجنحتها وتصفق بقوادمها. وانضمت إليها طيور محلية وحتى الدجاج قاق بنشاط والديكة جدّت في التصايح. وامتنع على الناس متابعة بقية النشرات الإخبارية ولم تعد منبهات السيارات تمنع الزقزقة وأصوات الطيور الأخرى من الوصول إلى جماجم الناس الفارغة. ولم يقدر الناس على سماع ابتهالات رئيس اللجنة الثورية لمقاومة الضجيج. بل انشغل الكثير منهم بالمشاهد الإباحيّة التي كانت تقوم بها العصافير الصغيرة, ذلك أنها كانت تتعانق بحرارة وتغمر رؤوس بعضها بأجنحتها وتتزاوج طائرة فوق الأشجار وبالقرب من النوافذ. “يا للمصيبة” هكذا قال رئيس اللجنة الثورية لمقاومة الضجيج. وردّد العقلاء وراءه “يا للمصيبة” وردّدت البنايات القديمة الراسخة في الأرض “يا للمصيبة” وحتى الأعواد الجافة وجلاميد الصّخر والقبور التي في طرف القرية وبقايا جليد من صقيع الليلة الفارطة كلٌّ ردّدها على طريقته” يا للمصيبة” بينما انشغل الأطفال والشباب بالرقص على الألحان الوحشية المنفلتة من النظام. وكانوا يرقصون والطيور تحطّ على رؤوسهم وأيديهم وأكتافهم فيسكرهم الطّرب. وتوقظ فيهم المشاهد الايروتيكية ميّت الشهوات.

“يا للمصيبة”…هذا آخر ما قاله قارئ الأخبار قبل أن يقطع الكهرباء. وأكمل مؤذّن المسجد الجامع الجملة في بوق الصومعة” يا للمصيبة لقد أفسدت الطيور أبناءنا” لكن صوته لم يجاوز شجرة أو بالكاد شجرتين وسقط ميتا…قتلته العصافير بمناقيرها وقصفته بحجارة من طين فثقل ووقع قبل أن يدرك غايته.

في العشية حينما بدأ الطقس يبرد جاءت الطائرات مع ريح الشمال وشرعت في إلقاء المناشير المحذرة من المخاطرة بالخروج أثناء العمليات العسكرية. فلزم الناس بيوتهم وتكسر الصقيع المتبقي من الليلة الفارطة وذاب وشربته الأرض وسبّحت الدور القديمة لإبعاد الشرّ عنها. وتثاءب الدّهر ولم يكن يدري ما يحاك للبلاد.

في تلك العشية بدأ القصف بطيئا ثم تكثّف مع اقتراب الليل. ماتت العصافير بالقنابل الفراغية. كانت الأرض مغطّاة بالريش وبمح البيض وبالقبلات الموءودة. وماتت الأغاني. ومات معها الأطفال والشباب والعشاق والمشردون والمقهورون والسجناء الذين استعادوا الفعل باستماعهم للعصافير والذين خرجوا من السقوف والكوات الجانبية.

في صباح اليوم الموالي, وعندما ظنّ العقلاء أنهم استراحوا من شغب الزقزقة, عادت العصافير ولكنها كانت تغني الشجن. كانت تغني وتبكي. والطائرات لم تغادر السماء.

Sent from my iPad

لا تعليقات

اترك رد