هجرة العقول العربية


 

عانت الدول العربية خلال الحقب الماضية من ظاهرة فقدان العقول العلمية والبحثية والإبداعية ، فيما يسمى بـ ” هدر الإمكانية ” والذي يعني ” أن هناك غايات نهائية للشعب ، وأنه يمتلك إمكانات ، بعضها ثابت والبعض الآخر متغير ، يمكن إذا أحسن استغلالها أن تؤدي إلى الوصول لهذه الغايات ، ولكن هناك محددات أخرى لمدى القدرة على استعمال الإمكانات وتطويرها وصولا للغايات.

لقد راهنت الدول العربية على التعليم كوسيلة لطي واقع التخلف وتحويل التعليم من نخبوي يستهدف أقليات أرستقراطية مجتمعية ، إلى تعليم جماهيري متوجه لجميع شرائح الشعب ، ولكن تكاثرت أعداد المتعلمين ثم الخريجين الذين واجهوا واقعا تنمويا متأخرا ، بدا في : عدم وجود فرص عمل ، احتكارات اقتصادية ، وتميز طبقي ، واحتكار سياسي ، وغياب رعاية الكفاءات والموهوبين ، ففضّل الكثير الهجرة خارج الأوطان ، وبعضهم الانطواء داخل الوطن حيث الرضا بقليل لا يثمر ولا يرقى بالذات ، ولا يفيد مستقبل الوطن . ومن هنا كانت أزمة النظام التعليمي وفشل مخططاته أدت إلى تهميش أعداد ضخمة من الشباب ، الذين صاروا مولدين لأشكال من العنف الاجتماعي والسياسي.

وفي الوقت الذي لم تجد الكفاءات العربية بكل شرائحها وطوائفها ودياناتها (المسلمة والمسيحية) أمكنة وفرصا لها، ففضلت الرحيل إلى الغرب، وفي المقابل واصلت نظمها العربية الحاكمة استيراد خبراء من الغرب ، لأنها لم تكلف نفسها عناء البحث عن الوطنيين المتميزين داخل أو خارج الوطن .

ولكي نقف على حجم الأزمة المتمثلة في هجرة العقول والأدمغة العربية إلى الدول الغربية ، نستعرض بعض الإحصاءات التي تشير إلى أن (60 %) ممن درسوا في الولايات المتحدة الأمريكية في العقود الثلاثة الأخيرة لم يعودوا إلى أوطانهم، وأن ( 50 % ) ممن درسوا في فرنسا لم يعودوا لدولهم، والغريب أن حكام دولهم الطاردة يعدّون هذا أمرا عظيما لأنه يفيد أقطارهم بمداخيل نقدية تتمثل في تحويلات العاملين إلى الوطن ، وفي نفس الوقت حل لمشكلة البطالة.

وهكذا تختزل القضية إلى قضية مالية فحسب ، ونسوا أن هذه العقول يمكنها أن تأتي للوطن بآلاف الأفكار والاختراعات التي تعود بعشرات المليارات على شعوبهم.

وقد وصلت معدلات الهجرة لدى الشباب إلى أرقام مفزعة ، تهدد بعض الدول العربية بكارثة ، فدولة لبنان – مثلا – تفقد ( 16.000 ) شابا شهريا، وهذا معناه لدولة صغيرة في عدد السكان مثل لبنان تفريغا للكفاءات على المستوى القريب ، وتفكيكا للدولة على المستوى البعيد ، وهذا ينطبق على كل فئات الشعب اللبناني السنة والمسيحيين والدروز .

وقد يرى البعض أن هناك وجوها إيجابية في التنمية في بعض الأقطار، ولكن من المعلوم اقتصاديا أن نمو الناتج الإجمالي لا يعبر عن حدوث تنمية، فهناك أقطار نفطية بها فائض مالي ضخم ، ناتج عن اقتصاد ريعي ،وليست مساعي تنموية حقيقية . ورغم الإمكانات الضخمة التي تزخر بها الأمة ، إلا أن الاختيار الحاسم يتمثل في مدى الاستفادة من طاقاته البشرية الوفيرة نسبيا ، وهذا يتحدد بخصائص البشر في المجتمع بالإضافة إلى التنظيم الاجتماعي الاقتصادي الذي ينظّمهم في أطر اجتماعية وسياسية وإنتاجية ، فلم يحدث تقدم في القوى البشرية تتناسب مع متطلبات التنمية الجادة ، ولا تليق حتى بالعصر الذي نعيشه.

فالتركيز على القوة البشرية يصب مباشرة في الهدف المتوخى من دراستنا، فلا استثمار لمواردنا دون بشر، ولا بشر تنمويين دون تعليم جاد ، وتدريب عال، واستفادة من مواهبهم ، بمعنى أن يتعرف المجتمع على حاجاته، ومن ثم يوجّه قواه البشرية لتلبية هذه الحاجات بالنظر إلى قدراتهم ، ثم مؤهلاتهم ، ومن ثم يضطلع كل فرد بدوره ، و تصدي مختلف الطاقات والتخصصات لسد الحاجات الجماعية .

والمثال الواقعي للأزمة في العالم العربي يبدو في نسبة الإنفاق على البحث العلمي التي لا تتخطى ( 0.15 % ) من حجم الناتج الإجمالي للدول العربية ، في حين تتعدى (2 % ) من الناتج في الدول المتقدمة ، كما أن عدد الباحثين في العالم العربي الموزّعين على القطاع الحكومي بكل روتينيته وبطئه وخضوعه للدولة يزيد عن ( 66 % ) ، وهناك ( 31% ) في الجامعات ، أما القطاع الخاص فنسبته(2%)، يقال هذا وسط معدلات عالية من الأمية في العالم العربي تصل في بعض الأقطار العربية إلى ( 60 % ) ، وهناك هدر ضخم في منظومة التعليم ، يؤدي لتسرّب الطلاب ، الأمر الذي جعل نسبة الخريجين عام 2010م في حدود 3.4% من السكان وهي نسبة ضئيلة.

نذكر هذا ، لأنه لا استغلال حقيقيا ولا حفز للكفاءات ، فلابد أن تكون الصورة واضحة ومكتملة ، حتى تعرف الأمة أين تقف ، وواقعها العلمي والبشري ، وهل تنتج عبر نظامها التعليمي ما يغطي حاجاتها ؟ وأوجه تخصص علمائها ؟ وإلى أين يسيرون ؟ كي تكون التوجهات عند طرح الفروض الكفائية نابعة من واقع الأمة، آخذة في الحسبان العلماء المهاجرين ، والمنفيين ، وأيضا القابعين داخل الوطن ، منتظرين فرصا لهم .

لا تعليقات

اترك رد