القوى التي تشكل الاقتصاد العالمي

 

يتغير العالم بشكل أسرع من أي وقت مضى.
ويوجد مليارات من الناس متصلين ببعضهم البعض في شبكة انترنت عالمية غير مسبوقة تسمح بانتشار الأفكار والابتكارات الجديدة بشكل فوري وبلا احتكاك.
والجمع بين مكونات هذا الترابط مع الديموغرافيات المتغيرة بسرعة و القيم والمواقف المتغيرة وتزايد عدم اليقين السياسي والتقدم الهائل في التكنولوجيا ومن الواضح أن العقد المقبل قد يكون أحد أهم التحولات التاريخية .
ولكن أين تتقاطع كل هذه الاتجاهات الكبيرة للصورة ، وكيف يمكننا أن نفهم العالم الذي يكتنفه التعقيد و الغموض؟ علاوة على ذلك ، كيف نفرد أشرعتنا ونبحر للاستفادة من الفرص التي يوفرها هذا البحر من التغيير؟
يمكن أن نلخص القوى التي تغير العالم وتشكل مستقبل الاقتصاد العالمي بما يلي:

غزو التكنولوجيا
عبر تاريخ المال و الأعمال ، كانت الشركات الرائدة في العالم تركز على الصناعة. فابتكر الرواد الأوائل أمثال هنري فورد وتوماس أديسون في الفيزياء نظريات وقاموا باستخدام الذرات و توصلوا إلى طرق جديدة لإعادة تنظيم هذه الذرات لخلق أشياء مثل خطوط التجميع والمصباح المتوهج . ثم استثمرت هذه الشركات كميات هائلة من رأس المال لبناء مصانع المواد واستخدمت آلاف العمال لبناء هذه الأشياء.
وقد بنيت معظم الشركات الكبيرة العملاقة على نفس المنوال مثل أي بي ام والأمريكية للفولاذ وجنرال إلكترك وولمارت وفورد وغيرها كثير لا مجال لذكرها هنا لأن القائمة تكاد لا تنتهي في الغرب والشرق ولكن يجب الانتباه إلى أن الواقع التجاري اليوم مختلف جدا. نحن اليوم نعيش في عالم من البايتات bytes وهي المرة الأولى في التاريخ الذي تصطدم فيه التكنولوجيا والتجارة الدولية بحقيقة أن البيانات الرقمية قيمتها أكبر بكثير من الأشياء المادية والمواد والمنتوجات . وأفضل مكان لرؤية هذه الحقيقة تكمن في طريقة تقييم السوق والشركات. ونحن نرى أن شركات مثل آبل وأمازون ومايكروسوفت قد حلت محل الشركات التقليدية العادية التي تصنع أشياء مادية محسوسة .

ويستفيد الغزو التكنولوجي من الاتصالات والتواصل والشبكات والذكاء الصناعي والذكاء العاطفي ونطاق غير مسبوق يتيح إنشاء منصات عالمية يكاد يكون من المستحيل التنافس معها . لقد استحوذ الغزو التقني على تجارة التجزئة والإعلان وتضع هذه الشركات الغازية نصب عينيها السيطرة على الرعاية الصحية والتمويل والتصنيع والتعليم والخدمات .
فهل نحن أمام تغير جديد بحيث تصبح الذرات أكثر قيمة من البايتات مرة أخرى ؟

تطور المال :
المال هو أحد أهم الاختراعات البشرية بدءا من قشور القندس إلى قضبان الذهب فقد تقلب وتغير شكل ووظيفة المال باستمرار عبر التاريخ.
في العالم الحديث ، نجد أن تعريف المال أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فقد اختارت البنوك المركزية إنشاء تريليونات من الدولارات من العملات و منذ الأزمة المالية وعلى الجانب الآخر يمكنك في الواقع استخدام تقنية السلاسل المغلقة لإنشاء العملة التنافسية الخاصة بك في عدد قليل من النقرات بالماوس الحاسوبي أو بلمس شاشة موبايلك .
و بغض النظر عما هو المال وما طبيعته ، فإن الناس يقترضون كميات قياسية منه.
لقد اقتربت ديون العالم الآن مما قيمته 247 تريليون دولار فيها حوالي 63 تريليون دولار اقترضتها الحكومات المركزية الحاكمة .
وفي ظل الظروف النقدية غير العادية اليوم ، تُعتبر أثقال الديون الضخمة مجرد حالة شاذة يجب مقاربتها بجدية .
وفيما يلي نورد أمثلة أخرى توضح تطور الأموال فدولة فنزويلا قامت بتضخيم قيمة كل عملتها تقريبًا ، و “الحرب على النقد” تدور رحاها في غير مكان من هذا العالم ، والبنوك المركزية تقرض المال بأسعار فائدة سلبية مثل (السويد واليابان وسويسرا) و العملات المشفرة مثل البتكوين تنتشر بين الناس بشكل جماعي وتزيد على أكثر من 200 مليار دولار.
والطريقة التي ننظر بها إلى المال وكيف يتطور هذا الإدراك بمرور الوقت هي العامل الأساسي الذي يؤثر على مستقبلنا.

أشكال الثروة
الثروة ليست قيمة راكدة وكذلك بالنسبة لأولئك الذين يتطلعون إلى تحقيق أقصى استفادة من الفرص العالمية ولهذا السبب فإنه من الضروري الحصول على فكرة عن كيفية تغير أشكال الثروة .

إن النظرة الحديثة للثروة هي إما أن تكون صحية للغاية أو كزجاجة شمبانيا اعتماداً على كيفية النظر إليها : تبلغ قيمة شركتي أمازون وأبل أكثر من تريليون دولار ، ويمتلك جيف بيزوس ثروة تبلغ 100 مليار دولار وتعد الطفرة في السوق الصاعدة الحالية الأطول في التاريخ الحديث خلال 10 سنوات .

هل سيستمر هذا النمو على هذا الشكل ، ومن أين سيأتي؟
يتوقع البنك الدولي ما يلي :
على الرغم من هذه التقديرات ، هناك قائمة من البنود التي يشعر الأثرياء بالقلق بشأنها وهي أن كل شيء من المتوقع عودته إلى عالم حيث يبدو البجع الأسود الجيوسياسي أكثر شيوعًا.
هذا هو السبب في أن أولئك الذين يقومون ببناء الثروة وحمايتها يساورهم القلق بشأن مثل هذه الأحداث.
لكن المشهد العام للثروات لا يقتصر فقط على المليارديرات والشركات الضخمة بل يتغير بطرق أخرى مثيرة للاهتمام أيضًا. على سبيل المثال ، فإن تعريف الثروة بحد ذاته يأخذ معنى جديدًا بحيث يؤدي جيل الألفية مهمة الاستثمار المستدام بدلاً من التركيز كليًا على العائد النقدي.
كيف سيبدو منظر الثروة بعد عقد من الآن؟

الشرق الواعد :
كان الصعود الاقتصادي للصين قصة مقنعة لعقود.
وحتى وقت قريب ، كنا قادرين فقط على الحصول على فهم لما تسطيع فعله القوة العظمى الشرقية . وفي السنوات القادمة ، ستأتي هذه الوعود أكلها على نطاق سيظل محيرًا للكثيرين.
ومن المفهوم أن تعداد سكان الصين واقتصادها لا يزال من الصعب وضعه في الاعتبار. والصين تجمع بين العنصرين معا لإظهار أن الصين لديها عدد لا يحصى من المدن ذات إنتاجية اقتصادية أعلى من الدول بأكملها.
في الواقع ، الصين لديها أكثر من 100 مدينة مع أكثر من 1 مليار نسمة. هذه المدن تقع تحت المجهر العالمي و لكل منها اقتصادات مثيرة للإعجاب سواء كانت مبنية على المصانع أو إنتاج الموارد الطبيعية أو اقتصاد المعلومات.

والمثال المثير للإعجاب هو أن دلتا نهر اليانغتسي وهي منطقة واحدة تضم شنغهاي وسوتشو وهانغتشو ووشى ونانتونغ ونينغبو ونانجينغ وتشانغتشو لديها ناتج محلي إجمالي يبلغ 2.6 تريليون دولار وهو أكثر من ناتج إيطاليا بأكملها .

التقدم التكنولوجي المتسارع :
كما شاهدنا سابقا بالفعل ، هناك العديد من جوانب التغيير التي ستؤثر على مستقبلنا المشترك.
وعندما يتعلق الأمر بالتقدم التكنولوجي فإن معدل التغيير نفسه يزداد أسرع وأسرع. كل عام تجلب التكنولوجيا المزيد من التقدم التكنولوجي أكثر من الماضي ، وبمجرد أن “عصا الهوكي” التي نستخدمها في عملنا هي في طور الزيادة و يمكن أن تحدث الابتكارات بوتيرة عمياء.
يمكن وصف هذا كنقطة فارقة في قانون مور ، وقانون العائدات المتسارعة هو أيضًا شيء تحدث عنه مستقبليون مثل العالم الاقتصادي ري كورزويل لعقود.
ومن المثير للاهتمام أن هناك فرعا آخر من التغيير السريع الذي ينطبق أكثر على عالم الأعمال والاقتصاد. ليس فقط سرعة التغيير المتسارعة ولكن لأسباب مختلفة فإن الأسواق قادرة على تبني تقنيات جديدة بشكل أسرع مما يخطر في البال.
ومع التسارع الذي تتحرك به التكنولوجيا الآن نتوقع أن تتطور أنظمة البنية التحتية للطاقة وأنظمة التوصيل بوتيرة أكثر حدة مما شهدناه من قبل.

التغير في الجغرافيا البشرية:
تتغير التركيبة السكانية العالمية دائمًا ولكن موجة المد السكاني في العقود القادمة ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بالكامل.
في الدول الغربية والصين ، سيستقر معدل نمو السكان بسبب معدلات الخصوبة والتركيبة السكانية. في هذه الأثناء سيترجم التكاثر السكاني في القارة الأفريقية وبعض دول آسيا جنبا إلى جنب مع التحضر السريع إلى نمو المدن الضخمة ، حيث يحتمل أن يزيد عن 50 مليون شخص.
في نهاية القرن الحادي والعشرين سوف تظهر الرسوم المتحركة أن إفريقيا وحدها يمكن أن تحتوي على 13 مدينة كبيرة أكبر من نيويورك.
بحلول هذا الوقت ، من المتوقع أن المدن في أمريكا الشمالية وأوروبا وأمريكا الجنوبية والصين سوف تجمع تعداد سكان يتراوح بين الصفر و 20 % فقط من تعداد السكان الحاليين في هذه المدن.
فما هي التحولات الأخرى التي تغير اللعبة في الجغرافيا البشرية التي ستحدث خلال هذا الامتداد الواسع في هذا الكون ؟

المعضلة التجارية :
يشير المصطلح التجاري إلى أن التجارة التوافقية والعقلانية بين طرفين هي التي تجعل كلا الطرفين أفضل حالاً.

واستناداً إلى هذا المبدأ الاقتصادي الجزئي ، وأيضاً وفق إجماع الاقتصاديين على أن التجارة الحرة مفيدة في نهاية المطاف ، تعمل دول العالم باستمرار على إزالة الحواجز التجارية منذ الحرب العالمية الثانية بنجاح كبير.

ولكن لا يوجد شيء مباشر على الإطلاق ، ويتم الآن تحدي هذه الحقائق التي طال أمدها في السياقات الاجتماعية والسياسية على حد سواء. يبدو أننا الآن محاصرون في مفارقة تجارية يعطي فيها الساسة خدمة شفوية للتجارة الحرة ، لكنهم غالباً ما يتخذون إجراءات في الاتجاه المعاكس.

للحصول على فكرة عن مدى أهمية التبادل التجاري بين دولتين ، علينا أن ندرس الميزان التجاري بين هاتين الدولتين ومن المستفيد الأكبر من العمليات التجارية وما القصص التي نسمعها عن العلاقة التجارية بين أمريكا والاتحاد الأوروبي وبين أمريكا والصين إلا في نفس السياق .

المراجع

World Economic Review, 2018
Encyclopedia Britannica 2015
World Book 2016

لا تعليقات

اترك رد