كيف صار التونسيون تونسيين ؟ قراءة لكتاب المؤرّخ التونسي الدكتور الهادي التيمومي


 

هذا كتاب للمؤرخ الدكتور الهادي التّيمومي المختص في التاريخ المعاصر موسوم ب{ كيف صار التونسيون تونسيين } صدر عن دار محمّد علي للنشر الطبعة الثانية 2015، وهو بحث معمّق اهتمّ فيه صاحبه بهويّة التونسيين ، و سؤال الهويّة وفق تصوّره صار مطروحا منذ ثلاثينات القرن التّاسع عشر مع حسين باي و دخول تونس مرحلة التّحديث ، ويقول التيمومي مبيّنا جوهر انقسام النّخبة التونسية إلى فريقين { وانقسمت النخبة التونسية منذ ذلك التّاريخ إلى اليوم إلى فريقين ظلّ الصّراع قائما بينهما يحتدّ حينا و يخفت حينا آخر .. فريق يعتبر تونس شرقية الرّوح و يصرّ على التّمسك بالتراث .. و فريق يعتبر أنّ تونس مطالبة بالانخراط في الحضارة الكونية الحالية .. كما يؤمن بأنّ تاريخ تونس لا يبدأ مع الإسلام ، وإنّما يبدأ من العصور البدائية و خاصّة مع البونيقيين الّذين أدخلوا البلاد في الحضارة و التّاريخ ..} ويضيف التيمومي معلنا أهميّة انتصار الفريق الثّاني والّذي قام ببناء الدّولة العصرية ، إلاّ أنّه يشير إلى سقوط نظام بن علي و انتخابات 23 أكتوبر 2011 الّتي أتت بالفريق الأوّل { وقد انتصر بداية من استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي 1956 الفريق الثّاني وقام ببناء الدّولة العصرية ، لكن انتخابات23 أكتوبر 2011التي جرت بعد الإطاحة الشعبية بنظام الرئيس زين العابدين بن علي ، جاءت إلى السلطة بالفريق الأوّل } ويشير التيمومي إلى إخفاق الإسلامين / الفرق الأوّل في إدارة شؤون البلاد بعد ممارسة للسلطة دامت عامين ، وأنّهم تبيّنوا الفرق الواسع بين من يحكم ويدير شؤون البلاد ومن يعارض ، عندئذ تخلّوا عن أوهامهم ، وهل حقًّا تخلّى الإسلاميون عن أوهامهم و رغبتهم الجامحة في السّلطة وتنفيذ مشروعهم الإسلاموي ، يضيف التيمومي { وأصبحوا يقولون بضرورة المصالحة بين الإسلام والحداثة ، وصوّتوا في المجلس التأسيسي وإن بشيء من التلكؤ و من محاولات الرّجوع إلى مواقفهم الماضوية السّابقة ـ على مبادئ الدّيموقراطية و على المساواة بين المرأة و الرّجل وحتّى على حريّة الضّمير } ، وفي صميم هذا الصّراع الحادّ ينزّل التيمومي كتابه { ويندرج هذا الكتاب في سياق هذا الصّراع الحّاد الذي أصبحت البلاد تعيشه و لا تزال منذ 14 جانفي 2011 حول هويّة البلاد } ويعتبر التيمومي أنّ الهويّة التونسية { وهي الهوية التي تتطلّب توليفة بين تاريخ تونس ـ بتمامه وكماله لابين أجزاء فقط ـ و الحداثة } ، ويشير التيمومي

إلى نجاح الحركة الوطنية التونسية و تحقيقها لاستقلال عام 1956 دون أن تحصل على دعم من العرب والمسلمين، واستطاعت القومية التونسية أن تخرج منتصرة { لقد حققت الحركة الوطنية التونسية الاستقلال عام 1956 بمجهودها الخاص ، ولم تتلق أيّ دعم من العرب والمسلمين .. وهكذا خرجت القومية التونسية منتصرة بينما فشلت العروبية الإسلاموية وكذلك الشيوعية في تونس ، وهي كلّها حركات مناهضة للقومية بصفة عامة } ويؤكّد التيمومي على نجاح القومية التونسية منتصرة وفشل القوى المعادية للتّونسة و لحركة التّاريخ منذ آلاف السنين ، تَونَسَةُ الاعتدال ودين الوسطية والتّسامح والقيم الكونية مثل الديموقراطية والحرية والعلم والسّلم والمساواة والاشتراكية والثقافة . ولهذا الكتاب أهمية بالغة فهو دراسة تاريخية معمّقة لهوية الشعب التونسي ، فحبّذا لو تهتمّ وزارات التربية والتعليم العالي و الثقافة بتعميمه على المؤسسات التربوية و الثقافية لتعمّ الفائدة ، يقول التّيمومي { .. لا ختام لكلام موضوعه الهوية ، هذه الذهنية الجماعية المستعصية على الفهم ، مهما طال هذا الكلام ومهما بذل فيه صاحبه من جهد وعناء } .

الكتاب من الحجم المتوسط في 176 صفحة ، وينقسم إلى أربعة فصول :الفصل الأول موسوم بِ: المفاهيم و المنهج وتحدّث فيه التّيمومي عن الثقّافة و الهوية والقومية و الدّولة ، والفصل الثّاني عنونه بالسّؤال التّالي : ما معنى أن يكون المرء تونسيًّا في مطلع القرن 21 ؟ و للإجابة قدّم خمسة عشرة مُعطى لأخذها بعين الاعتبار ، وتتطلّبها المقاربة الموضوعية للشخصية التونسية في مطلع القرن الواحد والعشرين . وتحدّث عن 1 السّمات السّمحة ، و2 السّمات المحرجة . وفي الفصل الثالث : {{الكلمات و الأشياء}} من أفريكا إلى إفريقية إلى تونس ، 1 من العصور البدائية إلى العهد البيزنطي و2 من مجيء العرب المسلمين إلى القرن السادس عشر ، و3 من بداية انخراط تونس في المنظومة .
وفي الفصل الرّابع : التّاجر الدّاهية و الفلاّح الثائر {{ الرّأس والأرجل}} {1864 ـ 2014} .

المؤرّخ الدكتور الهادي التيمومي :
من مواليد 13 /01/1949 بالكبّارة معتمديّة نصر الله من ولاية القيروان / تونس ، متحصّل على الإجازة في التّاريخ كليّة الآداب بتونس 1971 ، و دكتوراه حلقة ثالثة ، جامعة Nice فرنسا 1975 اختصاص تاريخ معاصر . ودكتوراه دولة جامعة تونس الأولى 1997 اختصاص تاريخ معاصر . يعمل حاليا أستاذا في كليّة العلوم الإنسانية و الاجتماعية ، شارع 9 أفريل 1938 تونس ، 1007 .
له عديد الكتب المنشورة : نذكر منها :
– 1/ كتاب نقابات الأعراف التونسيين 1955 / 1932 دار محمد علي 1983 .
– 2/ كتاب انتفاضات الفلاحين في تاريخ تونس المعاصر : مثال 1906 ، بيت الحكمة ، تونس ، 1994 .
– 3/ كتاب الجدل حول الإمبريالية منذ بداياته إلى اليوم { مع مقدّمة لسمير أمين } دار محمّد علي تونس ، دار الفارابي بيروت 1994 الطبعة الأولى وتونس الطبعة الثانية 2004 .
– 4/ كتاب تاريخ تونس الاجتماعي 1956/1881، دار محمد علي 1997
– 5/ كتاب الاستعمار الرأسمالي و التشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية : الكادحون الخمّاسة في الأرياف التونسية {1943 ـ 1861} دار محمد علي ، كلية العلوم الإنسانية بتونس 1999 دكتوراه دولة .
– 6/ كتاب في أصول الحركة القومية العربية {1920ـ 1839} دار محمد علي { طبعة ثانية 2007 } .
– 7/ كتاب مفهوم التّاريخ و تاريخ المفهوم في العالم الغربي من النهضة إلى العولمة ، دار محمد علي ، 2002 .
– 8/ كتاب تونس 1987 ـ 1956 ، دار محمد علي ، 2006 { طبعة ثانية 2008 } تُرجم إلى الفرنسية .
– 9/ كتاب الغائب في تأويلات العمران البشري الخلدوني ، دار محمد علي ، 2007 .
– 10/ كتاب تونس والتحديث : أوّل دستور في العالم الإسلامي ، تونس ، دار محمد علي ، 2010 .
– 11/كتاب تونس في التاريخ من جديد : 14 جانفي 2011 ، تونس ، دار محمّد علي ، 2011 .
– 12 كتاب خدعة الاستبداد الناعم : 23 سنة من حكم بن علي ، تونس ، دار محمد علي ، 2012 .
– 13 كتاب المدارس التّاريخية الحديثة : دار التنوير ، تونس ، بيروت ، 2013 .
– 14 كتاب Genealogie D un RetarD Historique* Le Maghreb premoderne
وله أعمال كثيرة في مجال التّرجمة أيضا .

لا تعليقات

اترك رد