إصلاح المجتمع العراقي

 

منذ أن دخل العراق إلى الكويت عام 1990 بدأت مرحلة جديدة في تاريخه المعاصر بل بدأت في كل منطقة الشرق الأوسط فسطع نجم دول كانت مغمورة وسط الشعاع القوي الذي كان يصدر منه ويغطي على اغلب دول المنطقة كقوة عالمية يحسب لها في جبهتها الداخلية الرصينة وفي التزاماتها الدولية والإقليمية واقتصاد واعد رغم ما حصل قبلها في الحرب الضروس بين العراق وإيران التي استمرت لثمان سنوات وهذا غير مهم بالقياس إلى مجريات الأحداث في داخل العراق بعد الخطأ القاتل الذي أصاب كل المشاريع وتأثرت به كل المنطقة بنسب مختلفة لكن ما حصل في الداخل هو هول عظيم حيث بدأ الانحدار يأخذ مدى عميق في نفسية المواطن العراقي وفي قابليته على التطور والإبداع بل في حسه الوطني وانتمائه إلى وطنه اغلبها بسبب الحصار الأمريكي الذي طال الشعب واثر فيه أكثر مما أصاب الدولة وأجهزة الحكومة كهيكلية وبدأ يتغير سلوكه وينحدر باتجاه هاوية سحيقة لا يعلم مدى نهايتها إلا الله فالمواطن العراقي كان يعتني في كل شيء إبتداءا من مظهره إلى ثقافته إلى حرصه إلى أمانته إلى كل تفاصيل حياته اليومية كمواطن صالح واكتسب عادات وممارسات لم تكن معروفة لديه من قبل ولو إن جزءا منها كان نتاج عرضي للحرب العراقية الإيرانية وما رافقها من استقطاب للأيدي العاملة الأجنبية للتعويض عن زج عدة أجيال شملت تولدات عقود الأربعين والخمسين والستين في جبهات القتال مما شكل فراغ في الساحة العراقية الداخلية سمح بانتشار الكثير من عادات وتقاليد تلك الموجات البشرية التي دخلت بين الناس خصوصا وإنهم في سن الشباب الأعزب عملت مجتمعة على تفكيك واندثار ما كان متوارث في المجتمع العراقي لعدة قرون فانتشر الفساد وسادت الرذيلة والفاحشة على مستوى الشارع بينما اختل الخوف من القانون والالتزام به بنسبة كبيرة بين موظفي الأجهزة الحكومية وبدأت أجهزة الدولة تتهاوى كنتاج وتحصيل حاصل لسلوك البحث عن لقمة العيش وانخفاض قيمة الدينار العراقي مقابل العملات الأجنبية وتدنت قدرة المواطن الشرائية مع اعتماد الدولة على القروض الأجنبية وعلى استيراد معظم الحاجيات الأساسية اليومية للفرد والعائلة وعجز المنتج المحلي عن الوفاء بالتزاماته أيضا لاعتماده على المواد الخام التي أوقف استيرادها هي الأخرى.

على العموم فان من مخلفات زج المواطن العراقي في حروب غير مقتنع بها مقابل اقتصاد ضعيف قد شكل انتكاسة في قواعد بناء مجتمع ناهض يواكب عجلة التقدم الحضاري العالمي بل بالعكس فقد العراق الكثير منها مع وجود رغبة عارمة في المجتمع الدولي عامة والإقليمي خاصة لتحطيم ذات المواطن وبشكل متصاعد ساهمت فيه الدولة العراقية حين ذاك بجهل منها أو رغما عنها ربما بسبب محدودية إمكانياتها المتأثرة بمجريات الأحداث وامتداد فترات الحروب لسنوات وها هي تتضاعف اليوم مع الحكومات الحالية التي تعاقبت بعد عام 2003 رغم إن الحصار اقتصاديا قد رفع عن العراق لكن آثاره السلبية تزداد يوميا لصعوبة التخلص منها وتأصلها في الأجيال التي نشأت وسطها ورضعت منها وأخطرها على مستقبل العراق هو ضعف ولاء المواطن للوطن مقابل ولاءات ليست بذات أهمية كالولاء للعشيرة أو المدينة وحتى الطائفة أو القومية فتعطلت عنده بوصلة ألامان وأصبح المواطن يبني اهتماماته بتخبط بعيدا عن الوطن وتطوره وهذا بلا شك وسيلة عملت على تنميتها وتصعيدها الجهات الأجنبية التي تهدف إلى إضعاف العراق ومن المؤكد إنها تطمح إلى توسيع قاعدة تفتيته وتقسيمه .

من المؤكد الثابت والمعروف إن المسئول هو شخصية عامة وقدوة في المجتمع ومثال يقلده المواطن البسيط فإذا كان هذا القدوة نموذج ويرتدي زي الدين ويلتف بعباءة الإسلام في سرقة المال العام وتعاطي الرشوة ويبني شخصيته وكيانه على حساب المصلحة العامة فمن الطبيعي أن تنعكس هذه الحالة على البسطاء خصوصا إذا كان يعاني من آثارها السلبية وهو يشاهد ثروات البلد تذهب بعيدا عنه يساعد في ذلك التسقيط السياسي الناتج عن اختلاف الانتماءات الحزبية وكشف سلبيات بعضهم البعض من خلال وسائل الإعلام التي ازداد عددها بشكل ملحوظ ناهيك عن وسائل التواصل الاجتماعي التي يساء استخدامها كثيرا.

لقد نمت في العراق بسبب التهاون في تطبيق القانون وتسويف عقوباته الرادعة ثقافات لم تكن معروفة سابقا أو كانت محدودة جدا فانتشرت عصابات الجريمة المنظمة والقتل في المجتمع بينما سادت في دوائر الدولة التي تعاني من الترهل والبطالة المقنعة مفاهيم الرشوة والمحسوبية والحزبية والتجاوز على القانون والتجاوز على المال العام وتوسعت دائرة المشاريع الوهمية دون الخوف من رادع قانوني أو أخلاقي أو ضمير وسادت ثقافة الأنا لدى الموظف فصار الأغلب الأعم يفكر في تسخير مكان عمله لمصلحته الشخصية على حساب واجبه الوظيفي.

لكي تنهض الدولة العراقية من جديد هي بحاجة إلى إعادة بناء منظوماتها المجتمعية إبتداءا من الفرد والأسرة والمدرسة ونظامها التربوي تساهم الشريحة الوطنية المثقفة في الجزء الأكبر منها على شكل حملات متوالية منظمة وتفعيل القانون ووسائل ردع الإجرام بقوة وتسخير كل الإمكانيات الإعلامية والتجمعات والمناسبات الوطنية والدينية والمنصات الشعبية وتشخيص وكشف وسائل وأساليب المسيئين لنبذهم وتخليص المجتمع من شرورهم.

لا تعليقات

اترك رد