الشعوب إما أن تخلق ثورة وأما أن تصنع تفاهة


 

نحاول مراراً وتكراراً بكل ما أوتينا من صبر ومن حيل، أن نجد للشعوب العربية مبرراً منطقياً يجعلها على ما هي عليه من بؤس فكري وفقر علمي وانحطاط أخلاقي وسلوك اجتماعي مضطرب وانخفاض ملحوظ في منسوب الإحساس والوجدان، واستغباء شعوب العالم الآخر لها؛ لكننا إلى الآن لم نجد سبباً وجيهاً وعقلانياً يدفعها إلى كل ما تم ذكره سوى ميولها الجامح للدونية وتلذذها الكبير في أن تظل في صدارة الشعوب الغبية والمستعبدة. فهي مستعبدة من قبل طواغيتها ويستعبدها الجهل ويحكمها غباء شديد اللهجة.

فكلما تقدمت دول العالم الآخر، تكنولوجياً وعلمياً وطبياً؛ كلما تراجعت الشعوب العربية إلى الوراء وأضحت مستهلكة أكثر لجميع منتجات السخافة والسلوك التافه، ومنتجة ومصدرة للغباء وكأنها في خلاف وعداء دائمين مع التطور والتقدم وقد استغل الطغاة وجلاوزتهم النزعة الدونية الكامنة في نفوس شعوبهم والتي قد توارثتها أباً عن جد فكان من السهل عليها أن تفرض سلطتها وتبسط سطوتها على شعوب لديها الاستعداد النفسي التام لاعتناق العبودية والمهانة.

تعودنا على مر العصور، أن نعلق على شماعة الحكام والملوك كل الآثام والخطايا، وكذلك اعتدنا ان نضع معاطف الخيبة والويلات على مشجب “إسرائيل وامريكا وايران” ونجعل من الشعوب العربية ضحية للمؤامرات الكونية التي تحاك لها في الخفاء وبأن الشعوب العربية مغلوب على أمرها ولا حول ولا قوة لها.

عندما ترى بأم عينيك مخيمات عربية في بلاد عربية يغطيها الثلج إلى أن يطمرها ويخيّم فوقها ظلام الموت، وأطفال يزحفون بأجساد ترتجف أما فوق طين خلفته الأمطار الغزيرة على أرض طينية تفتقر للتصريف الصحي، وأما على ثلج برودته تلسع كفحيح نار كافرة لا ترحم ولا تذر من شرها أحد،. يبحثون عن ملجأ تلوذ إليه أجسادهم المنهكة من شدة البرد والجوع والتعب، ونساء لاجئات، تائهات حائرات؛ لا يعرفن إلى أين يذهبن بأكوام اللحم البشرية التي انبلجت من أرحامهن. أجنّة خلقت لتحيا لا لكي تموت من كثرة القهر وقلة الضمير. فلا نجد من هذه الشعوب من يكترث بأمر أكداس لحم كانت حصتهم من الوطن اللجوء والنزوح والعيش في مخيمات الذل والبؤس والهوان والعار علماً بأن الأمة العربية مؤخراً قد حذفت من قواميسها ومناهجها الأخلاقية مفردات الإحساس، النخوة، الشهامة، المروءة والشعور بالعار.

وحين ترى في الضفة الأخرى صُناع التفاهة من المطربين والفنانين العرب يحصدون ملايين “اللايكات” والمتابعات الهائلة في جزء من الثانية من بعد بث الأغنية أو مقطع فيديو ليس فيه إلا العهر والسخافة فعلى سبيل المثال:

محمد رمضان صدّر نفسه ملكاً واسطورة للتفاهة تدعمه الملايين من هواة التفاهة والسخافة فلو طرحنا سؤالاً على أنفسنا: من الذي صنع تفاهة محمد رمضان وغطرسته، ومن الذي جعله من مجرد شاب صعيدي فقير ليجعله من خلال عمل تلفريوني ملكاً واسطورة أليست الشعوب العربية هي من فعلت هذا؟

من الذي يقلد شكل ذقنه، ومن الذي يعيش في هوس تغريداته واغنياته الهابطة، ومن يدفع المال أليس الشباب العربي هو من يدفع؟ من أين له ملايين الجنيهات والدولارات ومن الذي رفع من أجره ليصل إلى 45 مليون جنيه مصري لعمل واحد في السنة أليست هي الجماهير العربية؟

من زرع فيه الغرور والتعالي على الآخرين واحتقاره للفنانين أليست الجماهير العربية التافهة والسخيفة مثل محمد رمضان؟ السبكي للإنتاج الفني لا تدفع لهذا التافه والفارغ مثل هذه المبلغ لولا إنها على يقين بأن هناك جماهير متعطشة للتفاهة ستدفع اضعاف ما تدفعه لمحمد رمضان فلو انتزعنا محمد رمضان واعدناه إلى اصله الصعيدي البسيط هل يساوي فلساً واحدا؟ لو كان هناك جمهور عربي ذواق وأخلاقي هل سيتابع كليب سخيف ” أنا الملك” ” مافيا.. مافيا” ؟؟؟

هل محمد رمضان يملك الوقت ليتابع أحوال اللاجئين السوريين في مخيمات لبنان؟ وهل جمهور محمد رمضان المهووس بالسخافة يعرف شيئاً عن الأطفال الذين يموتون من شدة البرد والجوع؟

لا أحد منا يقدر ان ينكر دور الحكام وملوك العرب الأشاوس في هذه المأسي الإنسانية ولكن بالوقت نفسه علينا ألا ننكر دور الجهل والتخلف وانحطاط الإحساس لدى الشعوب العربية ودورهم السلبي في تضخيم وترسيخ الأحزان والأوجاع.

الشعوب والجماهير العربية منشغلة عن هموم اللاجئين وأهل الخيام الرثة والحزينة بأشياء ذات تفاهة فالسعودي بات منشغلاً بالحفلات الطارئة والجديدة التي غزت بلاده على حين غفلة وشيوخ ورجال الدين في المملكة السعودية ما عاد يعنيهم أمر المسلمين وأمر الإنسان بالمطلق وما عادوا يولون أمر الحلال والحرام أهمية بقدر ما يعنيهم اختلاق وابتكار فتاوى تتلاءم مع مزاج الوالي، فلم يعد المجون الذي كانوا يلعنونه حرام، وما عاد الغناء والموسيقى حرام طالما أن الوالي المبجل قد أباحها؛ فالأموال التي تنفق على المطربين العرب والأجانب في المملكة كفيلة بأن تنهي مشكلة الخيام وبناء أعظم البيوت الصحية لأولئك المساكين الذين يتضورون جوعا وبرداً والأموال التي تنفق على انتاج فيديو كليب سخيف لمحمد رمضان والفنانة بشرى كفيلة بأن تعيد تأهيل الأطفال اللاجئين نفسياً، والجنون والهوس الذي تنفقه الجماهير العربية على المتابعة والتقليد كفيلة بأن تعيد للمنكوبين الإحساس بالأمان بوجود أخوة لهم بالدم يتأثرون لأوجاعهم؛ لكن هيهات، هيهات أن يفكر الجمهور المنهمك بالحفلات وأعياد الميلاد والطقوس الغريبة التي دخلت إلينا من كل فج عميق..!!!!

إن الشعوب العربية منذ الأزل كانت وما تزال هي المؤسس والداعم الأكبر لكل سخافة وتفاهة وهي التي صنعت وتصنع كل ما هو تافه وحقير، والجمهور العربي هو الذي يدفع للمجانين مثل محمد رمضان وأحلام وغيرهم ثمن الطائرات الخاصة والقصور وهو الذي صنع من القملة اسطورة وجعل من الحشرة ملكاً.

الشعوب العربية هي من تدعم وترسخ شكل عبوديتها والحكام والملوك العرب يجلسون يلفون الساق على الساق يعقدون الاتفاقيات والصفقات الكبرى مع العدو الحقيقي دون ان يكترثوا بامر الشعوب فما عادت الشعوب تشكل أي خوف وقلق طالما إنها منشغلة بالسخافات والهرج والمرج.

لابد للشعوب العربية من حالة هوس يعيشون بها إما هوس برجال الدين وأصحاب العمامات واللحى والدعاة وأما بالطغاة وأما بالفنانين. ثلة منها تعيش جهلاً كبيراً وتقدّس بشرا وتقتل باسم المقدّس وثلة تصلي وتسجد لحاكم وثلة تموت وتنتحر من أجل فنان. ولا توجد ثلة تخترع او تبدع أو تعمل بحثاً علمياً او طبياً أو تصنع لنا مسماراً أو ساعة رقمية أو حتى ولاعة.

والسؤال:
* هل على الإله أن ينتصر لهذه الشعوب البائسة والضعيفة، وعلى أي أساس ينتصر لهم؟
* هل هناك سبب واحد يدفع الأمم الأخرى أن تحترم الشعوب العربية؟
* هل تلام إسرائيل وامريكا وايران وروسيا وغيرها لو احتلت البلاد العربية واستنزفت خيراتها؟
لا يوجد أي مبرر للشعوب العربية يجعلنا نقتنع بأنها مظلومة وهي التي تظلم نفسها بنفسها ” وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون”
شعوب تجعل من التافه ملكاً وأسطورة. تضع الأحذية على رفوف باذخة وتلقي الكتب على أرصفة تدوسها الأحذية هي شعوب لم تَحترم ذاتها ولن تُحترم.

لا تعليقات

اترك رد