الفنانة التفات عزيز


 

ملامحها تصرخ بالحركة وحركتها تلد شكلا متميزا ومعبّرا عن معنى قد يكون معقّدا لكنه معنى ينتج عن فعل أو مجموعة أفعال متلاطمة متداخلة زمكانيا كأنه فيلما معقد التركيب لا يمكن تحليله بسهولة . حينها ستقرأ خطابا في الحركة والفعل والبناء الدرامي لوجه اسمر سطحه يتسع لصراع مابين ملامح الوجه وشكله ,مابين شكل الوجه وملامحه ,مابين العينين المستديرتين بقساوة نظراتهما ,وبين استدارة الفم الذي يستطيل احيانا ليعلن عن رفض ويستدير احيانا اخرى ليعلن عن حالة حب ,كما يمكنه ان يتلوى بحركة سلوموشن ليعلن عن الوصول الى قرار يصل الى ذهن المتلقي كأنه أمر فيه متعة مستقاة من رسالة قريبة جدا من القلب المتفتّح لأقتناص لحظات الجمال الناتج من محاكات الشكل مع المضمون .

هكذا كانت هذه الصفحة التي قرأها المخرج عدنان ابراهيم المخرج الذي يبحث عن الوجوه المميزة التي تنبع من معنى النص وتصب فيه ,فوجدها من خامة (البريسم )خيط رفيع جدا لكنه لمّاع حسّاس يمكنه ان يكون وترا يصدر اصواتا شجية معبّرة, كما يمكنه ان يساهم بحياكة سجادة أو قطعة قماش كأنها لوحة ترتكز فوق جدران القلوب المتعطّشة للجمال .فكانت (خيط البريسم )ولونه وعبق الماضي وصدى الحاضر وتلوّن النص الجميل الذي كتبه يوسف العاني برومانسيته وحرفته المتميزة بالكتابة بلون جديد, ساهم برسمه الفنان المخرج عدنان هادي يريشته المتميزة ,

وكانت التفات عزيز اللون والقماش وحتى الأطار لهذه القطعة من البريسم, ولم تكن خيطا بل كاني خيوط متداخلة بجمال سحري كسب ود الناظر المتعطّش لقيمة هذا الجمال المتفرّد المختلف الذي يحاول ان يبني له نهرا ,أو أساس لنهر من الابداع يؤسّس لقيمة لاتكتفي بالتمثيل بل تتعداه الى الكتابة ظنّا منها بأن كل مايكتب لايصل الى تحريك أوتار البريسم التي تسكن خيالها وانها هي من يضع الخام البريسمي ويسقيه ويجنيه .أو هي أنانيّة مبرّرة من فنانة تثق بقدراتها الكتابية فتؤلف وتكتب لنفسها لتطرح صورتها في الكلمة التي تعني بها بقيمة الصورة الملونة الناتجة من عملية صناعة الفعل وقيمة الحوار واللعب على حبال الصراع السلس الذي يهتز كأرجوحة مداها اعلى الفعل يمينا وأعلاه يسارا مرورا بمساحة البحر التي تسكن مابين الأعليين فتترطب المساحات لتعلن عن احداث رطبة طريّة فيها السمك والحوت بأحجام مختلفة وهي تتصارع مع شدة الأمواج ورومانسيتها وأنعكاسات الشمس والبرد والالوان والصوت المختلف ,لكنها لاتتجمد ابدا لأنها متحركة لدرجة يصعب انجمادها .

هكذا هي طريقة التفات عزيز في التمثيل ثم الكتابة ,ومن ثم الاخراج .هي امرأة لاتكتفي أو تقتنع بسهولة ,ولا يمكنها التوقف عند نقطة وفارزة وفاصلة, ولا تحب المنحنيات المرنة السهلة كما انها تحاول جاهدة ان تجعل كل كلمة مماتكتب مقروءة ومرئية ومتحرّكة وكأنها تكتب لنفسها كممثلة ومخرجة ,صانعة ,ماهرة ,رسامة ,نحّاتة ,بطريقة تختلف فيها عن محترفي كل هذه المهن فتتجاوز على نفسها حينا وتكون قاسية على نفسها وعلى الأخر الذي تعذّبه احيانا كثيرة ولا تمنحه سوى لحظات قليلة للنزهة أو الراحة ,أو الاستراحة التي تنذر بأزمة أو أكثر أما بجملة وأما بحركة كاميرا ,وأما بأشتغال ملانح الوجه التي تبدو حادة جدا لدرجة انها تخترق الممثل المقابل لها وتجبره أن يمعن للاستسلام ايجابا ,أو للانقياد الى الخطاب الذي تتبناه هي .

فهي كاتبة كأنها ممثلة ,وممثلة كأنها كاتبة ,وأخيرا مخرجة لما سبق بأنانيّة الواثق من نفسه الغير مقتنع بأقلام الذي يكتب لها ,وغير مقتنعة بمن اخرج لها كممثّلة, فتعيد كل هذا وذاك في خطاب جديد وأحداث مستقات من كل ما قرأت ومثّلت فتصحّح كما تظن هي, وتصدق في بعض من ذلك, لكنها تستعجل احيانا لتعلن عن نتيجة الاحداث كما حصل ذلك في (قبل فوات الاوان )لكنها تعود وتبني كل ماسبق ببناء محترف فيه تطوّر تقني وجمالي في (الريح والرمال واوركسترا) يساهم في ذلك قراءتها وتفسيراتها التي تستند على لغة الصورة التي يبدو انها تسيّدت على تعبير المنجز النهائي التي توصلت له التفات بعد أن امعنت قراءة النص كأنها ليس من صنعه, وأقول صنعه لأنها تكتب النص كأنه صناعة ثم تعيد صناعته في عملية وصنعة اخرى اسمها الأخراج .تجلّى ذلك جيدا في (رحلة أمينة ) مثلا .

التفات عزيز تقرأ وتعيد قراءة كل شيء على طريقتها الخاصة ولا تترك شيء دون ان تدوّن ملاحظاتها عليه ومن ثم تعيد صياغته وتقدمه بشكل جديد أما نص مكتوب ,وأما مرئي ,واما جهد أدائي متميز فهي اخذت رومانسية يوسف العاني وحبكة صباح عطوان وتقنية اشتغال الحوار مع بنية الفعل من علي صبري وشدّة وذكاء وفطنة التفات عزيز في التعامل مع تقنيات الخطاب المرئي في كيفية طرح بناء صوري لايتخلى عن حرفيّاته مجتمعة, وكانت النتيجة حضورا قرأته انا هكذا كأنه استيعاب لطريقة ماسبق ذكرهم مع اضافات جمالية تنتمي لها شخصيا ,أو هي طريقة تقنية مشتركة تنتمي الى البيئة الفنّية المشتركة لكنها بأطر جديدة جميلة تنتمي الى روح التفات التي فيها من القلق بقدر مافيها من الاستقرار ,وفيها من الالم بقدر مافيها من الفرح وان اختلف زمن حضورها وغيّابها كميّا فهي ,متقاربة جدا في حضورها وغيّابها وهذه سمة تواجدت في معظم النصوص التي كتبتها وأخرجتها الفنانة التفات عزيز .

تميّزت الفنانة التفات منذ حظورها الاول ممثلة وكاتبة ومخرجة فأثبتت انها محترفة , لكنها لم تستطع ان تركّز على موهبتها الكبيرة في التمثيل ومن ثم الاخراج وبعدها التأليف فوزّعت جهدها على الثلاثة دون موازنة ممّا اثّر سلبا على حظورها الفني الذي تضائل أمام هذه المواهب الكثيرة الكبيرة وزاد من ذلك ترحالها المستمر وعدم استقرارها في كل شيء ولم تمنح لنفسها فسحة كي تعبّر عن نفسها بخطاب فنّي هي قادرة ومتمكّنة من صناعته اكثر مما كان ,لأنها تجيد كتابة ورسم وتلوين خطواتها المتسارعة التي تثير اعجاب واستغراب المتتبع لخطواتها الحياتية والفنّية فيبرز سؤالا لم أجد له جوابا مقنعا هو كيف لها ان تتمكن من كل هذا في فترة زمنية كهذه وانجاز كبير كهذا,لكنه قليل على موهبة كالتي تسكن في قلب وخيال وذهن التفات عزيز المبدعة في الكلام والتمثيل والتأليف والاخراج .

كانت مذهلة وهي قلقة ,ومذهلة وهي تتلفت فوق السطوح الايلة للسقوط في فيلم (بيوت في ذلك الزقاق ) فرأسها الصغير الذي يخترق مساحات الضوء التي تحيط برأس (عبد المطلب السنيد) في اللقطات التي جمعتهما كان يتحرّك وكأنه يعيد رسم الافعال والمعاني التي يبغيها المخرج (قاسم حول )بأجمل وأبلغ صورة وكانت بطلة المشاهد واللقطات التي تواجدت فيها وكأنها البيوت التي اجتمع فيها كل نتاجات الزمن الذي سيطيح بسلب المرحلة ,وكأن كل شيء في الفيلم قد تم بناءه على الشخصية التي تمثّلها التفات ,أو ان قدرة التفات عزيز التمثيلية قد عبّرت عن كل هذا وغيره بأبلغ صورة استحقّت عنها التفات عزيز جائزة افضل ممثلة لعام 1981 عن هذا الفيلم .

أما في المسرح فقد تألقت التفات كممثلة وحاولت ان تكتب وتخرج بعض الاعمال لكنها بقيت كممثّلة متميزة في اعمال فرقة المسرح الفن الحديث مع كبار المسرح العراقي (يوسف العاني وسامي عبد الحميد ) .اشتركت التفات في مسرحية (الملا عبود الكرخي ) مع يوسف العاني وغزوة الخالدي واخراج سامي عبد الحميد عام 1981 وتميّزت التفات في هذا العمل كممثلة تعرف كيف تتعامل مع المفردة الشعبية الطريفة اذ تعاملت مع تلك المفردات بكيفية العارف والمستمتع بما يعرف ,والمكتشف والمستمتع بما اكتشف فتحرّكت اكثر من الجميع وأبتسمت اكثر من الجميع ,وكانت اداة وصل للمعلومة الشعبيّة مابين الجمهور والحدث الممسرح . ساهمت ايضا التفات في مهرجان الفجيرة الذي يقام في الامارات العربية المتحدة بمسرحيات (صباح الخير ايها الليل ,وبحور الحنين,وكرة الثلج )

ككاتبة كما كانت ممثلة في مسلسلات (الاماني الضالة ,احلام الخوف ,الخطوة الواثقة ,بنت النور ,الغريبة والهفوف ,عزيزة ,ان الاوان ,دائما نحب ,علاء الدين ابو الشامات ,حكايات جدتي ,اجنحة الثعالب ,جلوة راكان ,طيور على الماء ,السر الغامض ,شمس البوادي ,اربعة على الطريق ,القمر والذئاب ,الغريبان ,القضوة,الريح والرماد,قلوب تسكنها المحبة ,حرير ودائرة الشوك ,نادية ,المجاريح ,عمر بن ابي ربيعة ,الصدى ) .وكتبت واخرجت (قبل فوات الاوان ,استقالة ,من اجلهم جميعا ,رحلة امينة ,الريح والرماد ,اوركسترا ,الصدى ).وفي السينما كان لها مساهمة في افلام (بيوت في ذلك الزقاق ,السيد المدير ).أما في المسرح فقد مثّلت ايضا في مسرحيات ( مقامات ابو سمرة ). التفات عزيز ممثلة بدأت مع عدنان هادي وتعلمت ابجدية الاخراج منه في تمثيليات مهمة مثل (الامبراطور ,موللبيع ) ثم انطلقت فكان ما كان.

لا تعليقات

اترك رد