عرض وتحليل ونقد مؤلف الكاتب الجمالي الإسكندر ببادوبولو ج2


 

الإسلام والفن الإسلامي
2ـ العمارة الإسلامية

… يتجه اهتمام الكاتب إلى فن العمارة الإسلامية، فيتساءل بداية عن سبب اهتمام المؤرخين بهذا الفن وإعطائه مكانة هامة بينما يوضع في الدراسات الجمالية في الغرب في درجة ثانوية “إن العمارة كانت دائما تحتل الدرجة الأخيرة في ترتيب الفنون وحتى بعض الفلاسفة كهيجل وكانط لم ينظروا إليها إلا هكذا”،إن العمل المعماري لا يجب النظر إليه وتقييمه من حيث ضخامته وحجمه فقط، ولكن حسب علاقة الأشكال والألوان وتعقيداتها وارتباطاتها بالفضاء الذي هو ركيزة كل إنشاء معماري. وإن غياب هذه المنهجية في تحليل العمل الفني المعماري ناتجة بالدرجة الأولى عن قصور النظر إلى العمارة في الفن الإسلامي من جانب تكويناتها الفضائية وبنيتها الهيكلية، إضافة إلى غياب المهندس المعماري كشخص مبدع حر يوقع منجزاته، ويتميز بفردية تجعله يتميز عن البناء أو الصانع التقليدي. فجل المنشآت المعمارية الإسلامية لا نعرف شيئا عن الأشخاص الذين وضعوا تصوراتها الأولى، هذا باستثناء بعض المنشآت المتواجدة في الشرق العربي وبلاد فارس.

وهنا يستند الكاتب إلى أقوال المستشرق كستون فييت ليؤكد أن المهندس المعماري كما يفهم اليوم لم يوجد أبدا في مصر بعد دخولها إلى الإسلام. وأن غيابه كان ملحوظا دائما في الحلقات الدراسية أو الحفلات التي يقيمها الملوك والأمراء، بينما كان الرسامون المصورون يأخذون درجة المثقفين متساوين في ذلك مع المؤرخين والكتاب واللاهوتيين، حتى إن كثيرا منهم أصبحوا يحتلون مناصب عليا في البلاد. وهذا عكس ما كان عليه قانون الفنان فيما قبل النهضة الأوربية، حيث كان الفنان يعتبر صانعا يدويا تقليديا ولما جاءت النهضة الإيطالية تغير هذا القانون ليصبح الفنان ذا مكانة مرموقة في المجتمع.
ويرجع الكاتب سبب الاعتبار الذي يتميز به الرسام المصور ويجعله مفضلا على المعماري إلى الاهتمام الذي يوليه المسلمون للكِتاب المخطوط الذي نتج عنه احترام كبير ورفعة مقام كان من بين أسبابها الرئيسية الاهتمام بالمكتبات والخزانات وتعميم القراءة.
ويرجع الكاتب اهتمام المسلمين بالكتابة والقراءة إلى تحريم الصور وتشخيصها، حيث “إن المسيحيين اتكلوا على التصوير في الكنائس ليتمكن الأميون من تتبع الأحداث الرئيسية في حياة المسيح وترسيخها في عقولهم”. لا نظن أن التصوير لعب دورا هاما في شرح أحداث السيد المسيح عبر تاريخ الكنيسة كلها؟ فقد سبق لهذه أن عارضت التصوير ونشرت ظاهرة تحريم الصور Iconoclasme التي يقول عنها “أرنولد هاوزر” بأنها “كانت تقتصر على الصور ذات المضمون الديني… والواقع أن النفور من التمثيل التصويري للموضوعات المقدسة، فضلا عن كراهية أي شيء يذكر بعبادة الأوثان لم يكن في حقيقة الأمر عاملا له عند البيزنطيين المتأخرين بما كانوا يتصفون به من استمتاع بالصور، نفس الأهمية الحاسمة التي كانت له عند المسيحيين الأوائل، فحتى الوقت الذي اعترفت فيه الدولة الرومانية بالكنيسة، كانت هذه الأخيرة قد هاجمت الاستخدام الديني للصور من حيث المبدأ، ولم تكن تسمح بها إلا في الدافن وبشروط خاصة محددة، وحتى في هذه الحالة كانت الصور الشخصية محظورة والنحت ممنوعا، وكانت التصاوير تقتصر على التمثيل الرمزي فقط، وكان استخدام أعمال الفنون الجميلة ممنوعا تماما في الكنائس” (هاوزر. ص162).

ويضيف الكاتب: “وبما أن المسلمين لم يتعاطوا للتصوير في مساجدهم كان من الضروري تعلم القراءة”. يعتقد الكاتب أن غياب التصوير في المساجد كان من بين أسباب تعميم التعليم في المجتمع العربي، أو هكذا يفهم من كلامه. لكن العرب ارتبطوا بالكتابة ارتباطا وثيقا قبل الإسلام، ثم زاد ارتباطهم مع الإسلام ونزول الوحي (نشأة الكتابة عند العرب).
إن فكرة تجهيل العرب رائجة عند المستشرقين عامة وعند بعض الكتاب المحدثين والقدامى. فإبن قتيبة في مختلف حديثه يقول بأن غير عبد الله بن عمرو الذي سمح له رسول الله (صلعم) بتقييد الحديث، فمن الصحابة أميون لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي”؟
ونجد الجاحظ يقر بتجهيل أهل الجاهلية فيقول في البيان والتبيين ج3 ص28: “وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال…ثم لا يقيده العربي على نفسه وليدرسه أحدا من ولده، وكانوا أميين لا يكتبون”.
ويرد الجهل بالجاهلية، وتجهيلها إلى عدم وفرة الوثائق الكافية بدراستها وتحليل مكوناتها الثقافية، وأهمل المفكرون القدامى من المسلمين هذه الفترة التاريخية من حياة العرب، فكان الحديث عنها في بعض صفحاتهم لا يقصد لذاته، ولكن ليستشهد به لغيره من موضوعات العصور الإسلامية، وهذا ما ترك الأخبار عن العصر الجاهلي ناقصة وساعد هذا النقصان على نعت عرب الجاهلية بالبدائية والأمية.
ونعلم أن القرآن الكريم وصف عرب الجاهلية بالأمية، ويورد الدكتور ناصر الدين الأسد ثلاث آيات تشهد على ذلك، لكن هذا الوصف بالأمية لا يعني في نظره الأمية الكتابية والعلمية ولكن يعني الأمية بأمور الدين وشؤونه و(بوحدانية الله سبحانه)، (ص 44-45).
ودحض الجهالة الفكرية عن العرب يؤدي بنا إلى التأكيد على أنهم قد عرفوا الكتابة والقراءة وأن معرفتهم بالكتابة قد امتدت عبر العصر الجاهلي أزيد من ثلاثة قرون على أقل تقدير، وأن ذلك ثابت بالبرهان القاطع، والدليل الملموس الذي لا سبيل إلى دفعه (ص 46)، وهذا يرذ فكرة تعلم القراءة والكتابة وارتباطها بعدم وجود التصوير في المساجد التي نحن بصدد مناقشتها.
هل كانت القراءة والكتابة منتشرة بين الناس أم كانت وقفا على الخواص منهم؟
يجيب عن التساؤل الدكتور ناصر الدين الأسد بأن “وجود المعلمين في الجاهلية أمر ثابت منصوص عليه في وضوح لا يقبل الشك. فقد عقدت بعض المصادر العربية (كابن حبيب في المحبر، وابن رستة في الأعلاق النفسية)، فصلا خاصا أثبتت فيه جريدة بأسماء المعلمين في الجاهلية والإسلام”.

ويورد الكاتب أدلة أخرى على إثبات وجود المدارس، منها طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري، وذكرا في فتوح البلدان للبلاذري نقلا عن الواقدي مفاده أن “الكتاب كان في الأوس والخزرج قليلا، وكان بعض اليهود قد علم كتابة العربية وكان يعلم الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون”.
إن الكاتب اعتمده على أفكار لاتينية أصلها المسيحية الرومانية التي ” حفظت تصورها للفن كلغة مكلفة أن تروي للعين بواسطة الصورة ما يحيكه النص للفكر عبر الكلمة”. وهذه الفكرة هي التي يؤكدها البابا غريغوريوس الكبير خلال القرن الرابع الميلادي في أن التصاوير تستعمل في الكنائس كيما يقرأ الأميون بالنظر إلى الجدران ما لا يستطيعون قراءته بالكتب (روني هويك)، انظر كذلك (Gombrich. ص 95).
لكن الذي يجب أن نؤمن به ونقره هو أن العالم الإسلامي بفضل تعميم القراءة والكتابة أصبح آنذاك متقدما حضاريا وفكريا على الأمم الأخرى، وقد لوحظ تدني عدد الأميين، وشيدت المدارس الكبيرة في العراق ومصر وتونس والمغرب، وكثر الاهتمام ببلورة جمالية الكتاب شكلا ومضمونا، ذلك الكتاب الذي ارتبط حبه عند الناس بقيمته ومحتواه حتى أصبح نقطة التقاء فنون عديدة، لتؤلف فنا موحدا، مما جعل الأمصار تتباهى فيما بينها، بما لديها من كتب ومخطوطات.
وكان الخطاطون ينعمون بمرتبة عالية في المجتمع الإسلامي ويتمتعون بتقدير الأمراء والخلفاء، لكن مع مرور الزمن انتقل هذا التقدير إلى الفنانين المصورين، ويستند الكاتب في هذا إلى مثال الرسام بهزاد الذي عين مديرا للخزانة الملكية في القرن السادس عشر، في عهد الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية.
إن الاهتمام بالمصورين توازيه المكانة التي تتمتع بها المنمنمة في التجربة الفنية بينما الرسومات الحائطية آخذة في الأفول، كما بقيت الفنون الصغرى تعتبر كصناعات يدوية تقليدية.
ويخصص الكاتب قسما هاما من هذا الفصل للعمارة التي لم تكن تحظى باهتمام الناس حتى أهملت قيمتها الأصيلة. “إن العمارة في نظر عامة المسلمين لم تكن فنا إلا بمساحتها وقشرتها الفسيفسائية الجصية أو الرخامية، أو إذا أخذت بعين الاعتبار الآيات القرآنية التي يمكن قراءتها أو فهمها أو بتكويناتها التجريدية ونقوشها.

ولا شك أن هذه قاعدة عامة تبناها جل الباحثين في الشرق والغرب، يهملون القيم المعمارية التصحيحية كالكتل والأحجام والنسب والفراغ لصالح التزيين والديكور”. تبنى بعض الكتاب والمؤرخين هذه “البدعة النقدية” فوصفوا مثلا فنون الدولة السعدية بالانحطاط لأنها لم تصل في نظرهم إلى غنى الأشكال والألوان الذي عرفته العمارة على عهد الدولة المرينية. فقد أثار انتباه المؤرخين، إلى الانبهار، الزخرفة والتزويق المضر بالبصر في بعض الأحيان، ولم ينتبهوا إلى قيمة الفراغ الجمالية التي برزت بقوة في العمارة الإسلامية على عهد السعديين، وخير مثال مدرسة ابن يوسف بمراكش. وسنعود إلى دراسة هذه المعلمة فيما بعد.
يقول المؤلف إن علينا أن نرى العمارة الإسلامية بعين اليوم أي العصر الحديث، فنعطي أهمية إلى لغتها الخاصة، نحلل ونفكك ألغازها وذلك بهدف اعتبار وتقدير مميزاتها الإسلامية. والوظيفة الموكلة لهذه العمارة لا تفيد في الإقرار بانتمائها إلى الإسلام(!)
ويتساءل المؤلف إذا كانت هذه العمارة تحمل أشكالا رمزية وإذا كان مضمونها يحتوي بصمات فكر تأليفي إسلامي.
ولاحظ الكاتب أن الأعمال النقدية والتاريخية في ميدان العمارة أخذت طابعا أركيولوجيا أو طابعا إيقونوغرافيا كشف عن ضعف النظريات التحليلية، حيث إن المآثر كانت تدرس مجردة و “بدون أن توضع في علاقة مع أشكال الحياة الاجتماعية” عند المسلمين كما يقول (ج. صوفاجي)، كإدماجها في المحيط أو النظر إليها من الناحية الوظيفية.
فيجب إعطاء أهمية قصوى للغايات العلمية والاجتماعية والوظيفية التي تميز الأثر المعماري، وكذلك التقاليد و”الأفكار العميقة” التي تتسم بها الجماعة الإسلامية التي هي في جوهرها ترتبط بالمفاهيم الفلسفية. وإن أية دراسة تهتم بالجانب الجمالي وحده لا تكفي لفهم العمل الفني المعماري.

إن علم الجمال يكشف عن التركيب الذي يوجد بين العناصر المعمارية في انصهارها في الوحدة العامة، فتظهر الخاصيات التشكيلية التي تميز العمل الفني وتعرف بهويته الوطنية أو العرقية، وبأصالته، وهذا كله بمراعاة الغايات العملية والاجتماعية والسياسية والدينية. ” يجب إذاً الاهتمام بالمفاهيم الثيولوجية والفلسفية السائدة في تلك الفترة، وبنظريات التحليل الجمالية الحديثة في الميدان المعماري” (ص 27).
وهاتان الفكرتان هما اللتان توجهان البحث في جميع مراحله.

هوامش:
مراجع:
أرنولد هاوزر- الفن والمجتمع عبر التاريخ، ترجمة. فؤاد زكريا، ج1- المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1981
د. ناصر الأسد- مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية- دار المعارف، مصر- الطبعة الرابعة 1969
روني هويج -الفن تأويله وسبيله- ج1، ترجمة صلاح بورما- دمشق 1978
Ernst Gombrich – Histoire de l’art – Flammarion Paris 1982

لا تعليقات

اترك رد