عبدالله عبدو و غيومه الماطرة على السياج


 

حين قال عبدالله عبدو الذي أنجبته عامودا عام( 1971 ) : ” الفن التشكيلي عالم تدخله و لا تستطيع الخروج منه ، عالم لا يحتمل عدم الصدق ” كان يدرك أن الدخول إلى هذا العالم ليس سهلاً أيضاً و لا تبنى على النوايا ، و أنه ليست قطعة أرض تدخلها و تجول فيها و تخرج منها متى تشتهي ، عالم يقبل الدخول بصعوبة و إن دخلت فالخروج أصعب إن لم يكن مستحيلاً ، هذا الإدراك العميق لعيدان و عرزال عالم الفن من قبل عبدالله عبدو يجعله يمتطي حصانه و هو على أهبة الإقلاع إلى هذا العالم العذب ، الجميل دون أن يفكر بالعودة أو بالخروج ،

لهذا فهو منذ ربع قرن و أكثر و هو في صومعة هذا العالم ينشد ألوانه و نمنماته ، و نحن نشم معه رائحة عفويته و فطريته ، رائحة مدينته عامودا و قصتها و ما وراء ألوانها ، فهو و بحكم التوق إلى كل ما يمكن أن يتسرب إلى منتجه كصياغات مشخصة ضمن سياق خاص ، يبرر وجود كل تلك المنافذ و التي عبرها ينسج زخرفاته دون تحديد أي سقف دلالي قد يتعلق بإستيعابه للعوالم المختلفة لكل تلك المعاني التي تتجلى في فعلها التأويلي ،

فوجود عدد لا محدود من الآفاق المتنوعة يجعل لإنتاجه طرقاً متعددة و متفتحة ، و هذا ما سيمكنه ببناء مكونات بصرية فيها يستعيد وحدات تشكيلية بنمط الإرتباط بحدود كثيرة ، جميعها قادرة على إنتاج ذاتها أولاً ، و إنتاج خطوط بتركيب إبلاغي و بمتغيرات تشكل البنيات السيميائية كنمط آخر لإشتغاله بالعناصر الممكنة على التحققات الإدراكية ثانياً و التي ستحمي تصوراته داخل محاكاة لعالم جد متميز و متفرد ،

و ربما بذلك يحتفي بلغة بصرية ستوضح بدورها إختياراته الثيمية و الفنية ، و التي ستقوده إلى تولدات هي من طبيعة موحى بها عن ماض يمكن القول عنها مآسي الماء و التراب ، و التي تختزن شروط هي المولدة لمشهده البصري ، المشهد الذي يستحوذ على أجزاء كثيرة من اللحظات المقتنصة من قسمات مساراته العتيقة التي تتخللها تماسك في المعطى البصري نفسه مع وحدة و إنسجام في تكثيف الفعل الجمالي كمواز لفعل قيمي معرفي ، و هذه هي إحدى النقاط المهمة و التي بها و عليها تتأسس تمثيلاته البصرية و ما يشتغل عليه من علامات بصرية بمعطياتها الظاهرة و الباطنة معاً ، فصحيح أنه يستند على كشف الدلالات من داخل تلك العلامات إلا أنه قادر أن يتحكم في سيرورة التدليل ذاته و بكل توجهاته ، و أطيافه المرتبطة بدورها بعناصر تكاد تغطي أكثر التقابلات في فضائه التعبيري ،

لذلك و لأجل الوصول إلى اللامحدود يثقب عبدو الذاكرة الجمعية حتى تبدأ غيومها ماطرة على السياج و على تلك الدروب الضيقة و بخصوصية الفرد الواحد لبلورة التحولات المرادة تمثيلها ، تجسيداً لمجموعة الإحالات بوحداتها التعبيرية التي تتحرك داخلها تلك الزخرفات وفق مقاييس خاصة قابلة للتحقق جزئياً،

و هكذا فالفضاء الفاصل بين الوقائع قد تكون هي سبيلنا الأجمل للتعرف على ممكناته الدلالية دون زحزحتها مع السماح لها بالتسلل خلسة إلى مناح يمنحها خصوصية التسامي بكينونة الروح مع كينونة الجسد و بالقامة ذاتها دون أن يفصل بينهما أي تل أو أي جدار ، و هذه الوضعة بحد ذاتها ستجعل عناصره تلد دفعة واحدة و تدعم كل تلك البساطة بتوافق زخرفاته في حركاتها و أسلاكها مع الإنحياز قليلاً أو كثيراً للجهات التي لا تعصف بسياجه و لا بأرائك فضاءاته حيث البؤس و الغرابة و التسامي بهما ، و بعيون تنحاز هي الأخرى إلى الرصد و الإلتقاط لمحاور الأشياء مع تركها في حالة تدفق قد تمنع طمس معالمها .

عبدو يزيح الأفكار جانباً ، و لا يلتزم بالفواصل الثابتة ، بشبكة من آليات ترفض توقف الذات للذات ، بل يفترض مسبقاً بإمكانية إنعاش المخاض من أكثر الأجزاء دقة ، و من أكثر العلامات إنعطافاً ، فأهداب خيوطه تنسج من داخل نصه ، أو مما يسمى مشهده ، فليس من المستغرب أن يخضع أشياؤها و تفسيراتها لتفسيرات جديدة ، فهو هنا يوقظ الحضور إلى لا نهايته ، محاولاً إرجاع الزمن إلى حد اللاممكن ، و ذلك بإزاحة الذات من مركز المحسوس دون الوقوع في شباك التعاطي مع الوضوح .

لا تعليقات

اترك رد