ما هو سر نقمة الكنيسة على رواية شفرة دافنشي ؟


 

أكثر من عشرين كتابا تم نشره بلغات شتى للهجوم على رواية شفرة دافنشي لدان براون وتفنيد ما جاء بها من معلومات، وجميع كتابها ممن يعملون لدى الكنيسة أو من التابعين لها، ولعل أهم كتابين عرفهما القارئ الغربي هما (فك شفرة دافنشي)، و(تحقيق حول شفرة دافنشي)، فما الذي قالته الرواية ولم يرض الفاتيكان؟…. حاولت الكنيسة طوال سبعة عشر قرنا مضت تأكيد ألوهية الكتاب المقدس ولم تكن شفرة دافنشي رائدة فكرة أن هذا الكتاب لم يكن مقدسا بالمعنى الحقيقي لأنه انجاز بشري تواتر على كتابته العديد، وأن الكثير من آياته تغيرت عبر تكرار النسخ والترجمة وتعرض للكثير من التعديلات… وإذا كنا نعرف اليوم أربعة أناجيل هي (يوحنا، مرقس، لوقا، متى) فإنها كانت تزيد عن سبعين انجيلا خلال القرون الأولى للمسيحية، مثل هذه المعلومات حاولت الكنيسة لفترة طويلة حجبها عن عامة المؤمنين المسيحيين، ووضعت الكثير من الخطوط الحمراء لاختراقها، إلا إن بعض المفكرين في فترة عصر التنوير في أوربا، اجتازوا هذه الخطوط وصاروا يبحثون في مناطق كانت تعتبر طريقا سالكة لمحاكم التفتيش، وحين تصدى دان براون في روايته (شفرة دافنشي) للغوص في مناطق ساخنة، فلأنه سلك طريقا فتحها أسلافه من المفكرين والأدباء ووجهت لها الاكتشافات الهائلة لمخطوطات البحر الميت وبرديات نجع حمادي ضوء ساطعا كشف الكثير من تصدعات الفاتيكان، لم يعد سرا أن أمر تحديد الأناجيل المعتمدة واستبعاد ما أطلق عليها فيما بعد (أبوكريفا) أي المهرطقة، كان بيد الإمبراطور قسطنطين الأكبر الذي كان وثنيا، وهذه مفارقة غريبة، فقد كانت عبادة الشمس هي السائدة في عصره والإمبراطور هو كاهنها الأعظم، ويبدو انه كان ذكيا حين ابتكر فكرة إذابة الديانة المسيحية الناهضة والتي ازداد أتباعها حتى صارت تهدد ديانة الدولة الرومانية الرسمية، أي عبادة الشمس، فقام بدمج التواريخ والعادات الطقسية والرموز الوثنية الرومانية ضمن التراث الديني المسيحي، فصمم ديانة هجينة يستطيع الجميع اتباعها، يقول دان براون في روايته: (كان في غاية الأهمية والحيوية لحسن سير الكنيسة والإمبراطورية أن يتم الاعتراف بيسوع على انه المسيح الذي أعلن الأنبياء عن قدومه، ويؤكد بعض العلماء ان الكنيسة الرومية قد سرقت بكل بساطة يسوع من المسيحيين الأوائل، وانها حرفت تعاليمه ووظفتها لفرض نفوذها) ـ انتهى ـ ، تعامل المسيحيون خلال القرون الثلاثة الأولى مع المسيح على أنه انسان، ولد وتزوج وأنجب أبناء ومات، فكان قرار الامبراطور قسطنطين سببا في إشاعة مفاهيم أخرى، فقد أمر بأعادة كتابة حياة المسيح في عهد جديد يستبعد جميع الأناجيل التي قدمت الجانب الإنساني ليسوع، ثم تم اختيار الاناجيل الأربعة وتعديل نصوصها بما يجعل من يسوع ابن الله وذا كينونة إلهية، ثم أمر بجمع الأناجيل الأخرى وحرقها، وهذا ما أكدته اللقى الثمينة التي تم العثور عليها في كهف قمران بالبحر الميت، وهي مخطوطات تزامن بعضها مع حياة السيد المسيح ونقلت وقائع تناقض تماما ما نعرفه اليوم في الأناجيل الأربع، يقول دان براون: (كانت روما تريد إقناع العالم بأن النبي يسوع كان إلها،

لذلك استبعدت كل القصص التي تثير ملامح انسانية من حياته، وللأسف، كان هناك موضوع يتواتر في كل الأناجيل، وهو زواج يسوع من مريم المجدلية) ـ انتهى ـ، ويقول في موضع آخر: (يسوع كان يهوديا، وفي أيامه كانت العزوبية مدانة في الواقع، وكان على كل أب يهودي أن يبحث عن الزوجة الصالحة لإبنه، واذا لم يتزوج يسوع، كان لابد من الإشارة إلى ذلك على الأقل في احد الاناجيل الأربعة ومعه تبرير لهذا الوضع غير المألوف)…

مما كشفته مخطوطات البحر الميت وبرديات نجع حمادي التي لا تقل أهمية عن الأولى في عرضها وقائع عاصرت السنوات الأولى للمسيحية والتي تتناقض كثيرا مع ما نعرفه اليوم عن تاريخ عقائدها، فقد جاء في انجيل فيليب: (والمنقذ كان له رفيقة، مريم المجدلية، وكانت المفضلة لدى المسيح وكان يقبلها على فمها، الأمر الذي كان يحرج مشاعر باقي الحواريين الذين كانوا يعبرون عن عدم رضاهم، ويقولون ليسوع: لماذا تحبها أكثر منا؟..) ومن المعروف ان كلمة رفيقة بالآرامية كانت تعني زوجة.. ويقول: (ولكي تحمي نفسها من نفوذ مريم المجدلية قامت الكنيسة بفرض صورتها كعاهرة ومحت أي أثر لزواجها بيسوع، وكان من المحال للكنيسة أن تستمر بعد نشر خبر انجابه طفلا، ولكي يمكن للمؤسسة الكنيسية إعلان انها وحدها هي طريق الخلاص والحياة الأبدية، فكان لابد لها من تأكيد ألوهية المسيح)..

هذه بعض الفقرات التي تجعلنا نعرف المبررات التي تدفع الفاتيكان للتضييق على أية أفكار مماثلة لما جاء به دان براون، ولعل حملتها المستمرة منذ عام 1947 حين تم العثور على مخطوطات البحر الميت ثم برديات نجع حمادي لمحاربة أي جهد لترجمتها أو عرضها للرأي العام هي صورة أخرى من صور مناهضة الأفكار التي تريد محاكمة الفكر الكنسي.. لقد أدرك المفكرون منذ عصر التنوير في أوربا أن ما تُعَلّمه الكنيسة عن يسوع عبارة عن زيف.. وإذا كانت محاكم التفتيش بما تمتلكه من سلطات قد تمكنت من قمع أية فكرة مغايرة لشروط الكنيسة، فإنها فقدت مثل هذه السلطة في زمننا الراهن بالتأكيد لذا عمد الفاتيكان إلى استراتيجية أخرى، فقد تأسست منظمة (أوبس داي) أو عمل الرب عام 1924 بأسبانيا، لتقوم بمهام تبشيرية سياسية وكبير أساقفتها تارتشيزيو برتوني واحد ممن عمل على محاربة رواية شفرة دافنشي، علينا أن نعرف ان اثنين من الكرادلة العاملين في هذه المنظمة هما جزء من الحلقة الضيقة المحيطة بالبابا الكاثوليكي ومن الهيئة العاملة على اختيار بابا جديد بعد وفاة السابق، لذا لا غرابة أن تتصدى المنظمة بقوة لأية أفكار مما تعدها هذه المنظمة هرطقات..

كان يسوع بشريا لدى أتباعه، وكانت الاناجيل تؤكد هذا كما تشير صراحة إلى زواجه، حتى عقد مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م، فأقر عقائد أخرى منحت المسيحية صورتها التي تواصلت بعد ذلك، فقد جاء في قرار المجمع: (إننا نؤمن بإله واحد، الأب القدير، خالق كل الكائنات المرئية واللامرئية، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الأب، المولود الوحيد، أي من نفس جوهر الأب، إله من إله، نور من نور، إله حقيقي من إله حقيقي،

مولود وليس مخلوق، مشارك في الجوهر للأب، الذي عمل كل شئ ما هو في السماء وما هو على الأرض، والذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا قد نزل من السماء وتجسد، وجعل نفسه انسانا، وتألم وبعث في اليوم الثالث، وصعد إلى السماوات، وسيعود ليحاكم الأحياء والأموات… الخ)، وحتى في هذا المجمع لم يتم اقرار الصلب بعد، فقد ذكر أنه تألم من أجلنا، لكن الأمر تطور إلى مرحلة أكثر تقدما في مجمع القسطنينية عام 381 حيث تم تأليه يسوع، فنقرأ في نص القرار: … ومن أجل خلاصنا قد نزل من السماوات وتجسد عن طريق الروح القدس والعذراء مريم وجعل نفسه انسانا، وقد صلب من أجلنا أيام بيلاطس البنطي، وتألم ودفن ثم بعث في اليوم الثالث وفقا للنصوص وصعد إلى السماوات، ويجلس عن يمين الأب وسيعود ممجدا ليحكم الأحياء والأموات…. الخ)

ما فعلته رواية (شفرة دافنشي) هو أنها قدمت من خلال بنيتها السردية حزمة من الأفكار التي سفهت السرود المثيولوجية للتراث المسيحي وحاولت تقديم تحليلا ذهنيا لوقائع واصلت الكنيسة بعناد فرضها على العقل الإنساني الذي لم يعد قادرا على احتمال ما يستحق التسفيه منها.. ودان براون حلقة من مسلسل الحوار العقلي المنهجي الهادف إلى انقاذ الإنسان من الانقياد الأعمى، ليكمل ما بدأه فولتير وجان جاك روسو وديفيد هيوم ومونتسكيو، ومثلما تعرض هؤلاء إلى هجمات الكنيسة فمن الطبيعي أن يتعرض لها دان براون وهو يقدم روايته المثيرة للجدل (شفرة دافنشي)

لا تعليقات

اترك رد