ضغط حقيقي على إيران يبدأ من العراق لتشكيل تحالف استراتيجي في المنطقة


 

ينظر لرئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي بأنه رجل توافق، ويريد الحفاظ على مسافة واحدة من طهران وواشنطن، خصوصا وأن عادل عبد المهدي ينتظره أكثر من ملف ساخن وسط محيط متوتر، لكن هل يكفي هذا؟ أم أن مصالح العراق هي الأولوية؟ التي تخرج عن السياق الذي يرسمه أو يريده عادل عبد المهدي، خصوصا وأن عادل عبد المهدي رجلا معارضا لنظام صدام حسين، أولا في صفوف الشيوعيين، ثم بسيف الإسلاميين كغيره من المعارضين الذين حكموا العراق بعد تسليمه لإيران من قبل بوش الابن، ولا يزال قياديا بارزا في المجلس الأعلى الإسلامي وهي الحركة التي أسسها آل الحكيم قد يكون أراد أن يتحول العراق على غرار حكم الخميني، لكن انشق عادل عبد المهدي وأسس تيار الحكمة، ما يعني أن قراءة عادل عبد المهدي للمشهد السياسي كانت صحيحة في البعد عن تيارات الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي، ويقدم نفسه اليوم كمستقل وعلى هذا الأساس تم ترشيحه.

لكن هل يتمكن عادل عبد المهدي من تجاهل القيادي القوي لمنظمة بدر المقربة من إيران وزعيم تحالف الفتح الذي حل ثانيا في الانتخابات التشريعية تحت هيمنة مليشيات الحشد الشعبي التي تدين أغلبها بالولاء لإيران من أجل السعي نحو مرحلة النهوض بعد مرحلة دحر تنظيم داعش الذي كان السبب في تشكيل المليشيات الموالية لإيران بحجة محاربة الإرهاب وجعلت العراق أكثر تبعية لإيران.

وبعد زيارة ترمب لقاعدة الأسد دون علم مسبق من قبل القيادة العراقية لتفقد القوات الأميركية من غير أن يلتقي أي مسؤول عراقي أثار انتقادات في العراق خصوصا من قبل فصائل شيعية مسلحة موالية لإيران وحتى أحزاب سياسية تابعة لإيران، رغم أنها أتت على ظهر الدبابة الأميركية، لكن نتيجة تبعيتها لإيران نددت بزيارة ترمب لقاعدة عين الأسد.

تأتي زيارة وزير الخارجية بعد أسبوعين من زيارة ترمب في 9/1/2019 وقابل رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي وبقية الرؤساء الآخرين، وأعلن عن اتفاقية شراكة بين البلدين طويلة الأمد، في زيارة غير مجدولة، ولم يكن العراق ضمن جولته التي تشمل 8 دول شرق أوسطية هي الأردن والسعودية ومصر والإمارات وقطر والبحرين وعمان والكويت، فيما لم يتم الإعلان عن العراق من ضمنها.

ومما يزعج إيران أن ترمب أعلن الانسحاب من سوريا، ولكن كان انسحابه باتجاه العراق إلى جانب إنشاء قاعدتين عسكريتين جديدتين غرب البلاد على مقربة من الحدود السورية، وكأن قرار ترمب الانسحاب من سوريا كان تكتيكيا فقط من أجل إعطاء روسيا القرار في سوريا، والتخلص من الصدام المباشر مع أنقرة.

لذلك نجد أن موسكو تضمن الأمن في منبج بتفاهم مع أنقرة، أي أن أمريكا تخلصت من الإحراج مع أنقرة وتركته لروسيا، خصوصا بعدما غادر بولتون مستشار الأمن القومي من أنقرة من دون لقاء أردوغان، ولا زالت تركيا تلوح بتدخل شرق سوريا، بينما هناك رفض أمريكي من التدخل العسكري التركي في سوريا دون التنسيق مع أمريكا، وهناك توافق بين ترمب وماكرون على انسحاب منسق وحماية الأكراد وهو لن يعجب تركيا بسبب طموحاتها في سوريا وهو ما أدركته السعودية وابتعدت عن تركيا قبل أزمة خاشقجي مما جعل أردوغان يستثمر هذه الأزمة سياسيا لكن ذلك لم يحقق له شيئا بل خسر أكبر قوة اقتصادية في المنطقة ومعها بقية دول الخليج وبدأت تدخل تركيا مرحلة من الارتباك.

لكن أمريكا تتواجد أكثر في العراق للتفرغ من أجل مواجهة نفوذ إيران التي ترى إيران أن العراق تابعا لها ومنه تنطلق نحو المنطقة حتى البحر المتوسط لإقامة ممر إيراني يلتف نحو حزب الله في لبنان، لكن التواجد الأمريكي يمنع تحقيق هذا الممر.

تأتي هذه الخطوة الأمريكية بعدما وجدت أن إيران لا تزال تؤثر على حلفائها في المنطقة وخصوصا على الحوثيين في اليمن التي نكثت بالعهود والمواثيق، وتعيد ترتيب وضعها العسكري، وتدفع بتعزيزات كبيرة من المسلحين والأسلحة الثقيلة في الحديدة.

وإيران منزعجة من أن الجيش اليمني يواصل هجومه في مواقع عديدة ساخنة لم تدخل في اتفاق استكهولم، وحرر مواقع في الجوف وصعدة، وصد هجوما حوثيا في البيضاء للضغط على الحوثي من أجل تنفيذ اتفاق استكهولم، وفي نفس الوقت طلبت الحكومية الشرعية من المجتمع الدولي التصدي للمماطلة الحوثية، رغم ذلك وافق الرئيس هادي على تمديد اتفاق الحديدة، وبعد موافقة هادي وتقديم المبعوث إلى اليمن في مجلس الأمن أن اتفاق استكهولم متماسك.

اتجه الحوثيون إلى تبني الهجوم عبر طائرة مسيرة إيرانية من طراز أبابيل ضد عرض عسكري أقيم في قاعدة العند التي انطلقت من جبل حابش الذي يطل على قاعدة العند، وفي نفس الوقت يسيطر عليه الحوثيين في محافظة لحج على الحدود مع تعز،

استهدف الهجوم المنصة من أجل قتل قيادات، لكن تصريح اللواء ثابت حواس قائد اللواء 131 أعلن عن فشل الهجوم في قتل قيادات، لكن قتل في هذا الهجوم أربعة جنود، ونحو 20 مصابا، أراد الحوثيون كسب زخما إعلاميا في إطار التصعيد مقابل المكاسب التي تحققها الشرعية في صعدة مقر الحوثيين، أو أنهم يحاولون استخدامها ورقة ضغط في المفاوضات بأنهم يمتلكون قوة ردع، ويريدون أن يحققوا إنجازات مهما كانت صغيرة.

وفي نفس الوقت تراهن الولايات المتحدة على العقوبات المفروضة على إيران وترى أن الضربة ستأتي من الداخل الإيراني، حتى أن عضو البرلمان جليل رحيمي جهان آبادي حذر من مصير الاتحاد السوفيتي، وقال عندما سقط الاتحاد السوفيتي كان يملك 13 ألف صاروخ نووي ونفوذا في 20 بلدا في العالم، ويمتلك محطة فضائية، لكنه تفكك في شوارع موسكو، منبها النظام من ضرورة خفض إنفاقه الداخلي والخارجي وإلا سيلقى الهزيمة من داخل طهران.

ولا زالت طهران تتصرف وكأنها امبراطورية، وهي بين التحدي والغرور، حتى أن قائد البحرية أعلن بأن إيران ستوسع نطاق عمل قواتها البحرية بحيث تصبح على مقربة من الولايات المتحدة، وفي نفس السياق أعلن قائد القوة الجوية بالحرس الثوري الجنرال على حاجي زاده أن بلاده تجري شهريا ما بين 30 – 40 تجربة صاروخية وهو خرق للقرار الأممي 2231 والذي يمنعها من اختبار صواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية، ما جعل وزير الخارجية الأمريكي يحذر إيران من عواقب إعلاناتها تلك، وقال أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تراقب سياسات النظام الإيراني المدمرة التي تضع الاستقرار والأمن الدوليين في خطر.

بعدما فقد داعش قاعدته الإقليمية في العراق، رغم ذلك هناك نفوذ إيراني كبير في العراق، وهناك محاولات كبيرة في العراق لنقل البلد من رجل المنطقة المريض إلى واحد من الفواعل الفاعلة إلى جانب السعودية ومصر من أن يصبحوا فاعلين ولاعبين أصحاب القدرة في المنطقة بأسرها.

رغم الوهن الذي أصاب المنطقة وبشكل خاص العراق فهناك محاولات لاستعادة الدولة، ولم تعد مزايدات السياسيين التابعين لإيران تجدي وأغلبهم أتى على ظهر الدبابة الأمريكية، فلعبة الأمم تغيرت التي كانت في الفترة الماضية على المواجهة بين أيديولوجيات ومذاهب ومنظمات عابرة للحدود.

بينما لعبة الأمم أضحت اليوم واضحة للعيان لا لبس فيها، فإيران تريد ممرا إلى البحر المتوسط، وتركيا تريد تواجدا في شمال سوريا لإنهاء المعضلة الكردية التي تلعب بها الولايات المتحدة ضد الدول الإقليمية منذ فترة طويلة، ليس فقط في شمال سوريا بل في الداخل التركي.

العراق وسوريا لا يعانيان فقط النفوذ الإيراني، بل يعانيان إعادة التعمير وبناء المدن وعودة اللاجئين، وعودة العراق وسوريا للصف العربي من أجل تشكيل محور عربي حقيقي لتحديث المنظومة العربية التي تقدم للشرق الأوسط وعدا جديدا باحثا عن الإعمار والاستقرار والسلام وأيضا لترتيب أوراق البيت اللبناني والفلسطيني ولكن بمعزل عن النفوذين الإيراني والتركي ووقف تدخلهما في المنطقة مقابل الانسحاب التدريجي الأمريكي من المنطقة.

نحن أمام مرحلة جديدة من واشنطن العميقة خصوصا بعدما ذهب ترمب إلى الرياض واجتمع مع نحو 50 رئيس دولة اتفقوا على محاربة الإرهاب الذي أقلق العالم، وبدأت مرحلة مواجهة الفكر السياسي الراديكالي الذي ينتج العمليات الإرهابية.

واشنطن العميقة عليها مواجهة الانفلات العسكري في العراق وفي اليمن وفي سوريا من خلال تأكيد التحالف مع السعودية ومصر والإمارات والأردن، وواشنطن العميقة تعالج أخطاء الإدارة الأمريكية السابقة التي فتحت الخط مع خامنئي عام 2009، ووقعت الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، وهو الاتفاق الذي نقضه ترمب، وتحاول أمريكا لملمة هذه الأخطاء.

وهي منذ عام 2017 منذ خطاب ترمب في الرياض اتخذت واشنطن العميقة قرارها، لكن الانقسامات داخل الإدارة الأمريكية والتحقيقات التي تركت ثقلا نفسيا كبيرا، كما أنها وجدت عقبات على الأرض في تنفيذ استراتيجية واشنطن العميقة، لكن نهاية عام 2018 وبداية عام 2019 بدأت واشنطن العميقة في تنفيذ استراتيجيتها، أي أن استراتيجية واشنطن العميقة واضحة في إدارتها لكن الواقع على الأرض يحتاج إلى وقت.

لا تعليقات

اترك رد