الدائرة المغلقة


 

يحتضر الإنسان إذا حان موعد رحيله عن الحياة، وكذلك تفعل بقية الكائنات الحية، وأيضا تفعل ذلك الحضارات والدول والمجتمعات، ليس من ناحية امتلاكها لأعضاء حيوية أو أجساد مادية، وإنما لما تمثله الدول والمجتمعات من حياة لأفرادها وتواجد لثقافتها وإنجازاتها وإبداعاتها التى تنطق بالحياة والفرح والإنجاز والمستقبل. ولعل ابن خلدون في مقدمته الشهيرة قد ناقش هذه القضية باستفاضة عميقة ركز فيها على أن الدول لها دورة حياة مثلها بالضبط مثل الانسان، أي تولد ويقوى عودها وتشتد وتهرم، ثم تموت. وأيضا قدم المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت نظريته حول هذا الشأن في مقال شهير له بعنوان “ما هي الحضارة” الذي خلص فيه الي أن الدول لها مقومات سياسية واجتماعية ودينية واقتصادية وأخلاقية وتعليمية إذا ما اختفت أو اختفي احدهما فالدولة سوف تنهار. ففي هذا التشابه العضوي والفكري بين الإنسان والدولة والحضارات تكمن الدائرة المغلقة التى تتكون منها الحياة الأبدية الي مالانهاية، سواء في كوننا أو في الأكوان الأخرى أو الموازية.

لكن مالذي يجعل الإنسان في عالمنا العربي عاجزا وبائسا ومحبطا عن استكمال دائرته الحضارية الممتدة الي عوالم أخرى، فالتاريخ يسجل دائما ديمومة الأفكار والابداعات والحضارات التى تنسب لفئات من الناس والأعراق، يأخذونها ويستكملون مشاريعها لتنبض بالحياة والإكتشافات كما هو الحال مع الحضارات اليونانية والرومانية والسومورية والبابلية وحاليا الاوروبية والغربية. لقد قدم العرب تاريخهم بشكل سلبي يهميمن عليه ما وصفه ابن خلدون سابقا وكثير من المؤرخين والمستشرقين بالعصبية والتطرف والانغلاق والتكرار والاجترار، وهو ما يصيب أي أمة بالعطالة والتوقف ثم الإنهيار. فالجمود الفكري والديني والسياسي الذي طال البنى السياسية والفكرية والاجتماعية في المنطقة العربية قد استمر طويلا الي يومنا هذا ولعلي لا أبالغ كثيرا حين أقول بأن السكون والجمود قد يستمران طويلا جدا مع مؤشرات استمرار تفضيل

النقل على العقل وبقاء أنماط الحكم الديني والقبلي والطائفي والعسكري وهيمنة رجال الدين والفقهاء على الإنسان والمجتمع. فالخروج من الدوائر المغلقة يتطلب مجهودات عظيمة ووعي متقدم وثقافة عقلانية تكسر ماهو ثابت وتراجع ماهو مقدس كي تبني علوما جديدة ومعارف مختلفة وابداعات بشرية لا يطالها الخطوط الحمراء أو المكروهات والممنوعات، سواء الدينية أو السياسية.

فمجتمعاتنا العربية قد أصابها اليوم الوهن والرثاثة والتخلف، ورغم ما يميز مجتمعاتنا من حصولها على هبات الطبيعة المادية، الا ان استغلال تلك الموارد جاء بشكل استهلاكي من الخارج، فالدول الغربية هي من تقوم باستخراج تلك الموارد ومن ثم إعادة تصديرها الينا لنقوم باستهلاكها دون أن نفكر بانتاجها وتصنيعها أو حتى استيعاب قيم العمل والتفكير والانجاز والتقنية التى تصاحب عمليات الاستخراج والتصنيع. وهذا مرده الي عوامل مختلفة، ليس من بينها بالتأكيد مسألة المؤامرة أو هيمنة القوى الاستعمارية على أوطاننا، ولكن الأمر يرجع في المقام الأول الي ضعف داخلي وفشل ذاتي في التقدم الحداثي واستيعاب منجزات الحضارة في الحكم والمجتمع والحريات والديمقراطية. فالغالبية من الشعوب العربية ترفض منجزات الحداثة الغربية باعتبارها رجسا من عمل الشيطان وبنفس الوقت فهي تستخدم بنهم منجزاتها باعتبارها مسخرة من الله لخدمة المسلمين وتسهيل حياتهم. وهذه الافكار هي نتاج تراث موروث حظى بقدسية تامة ومحاط بسياجات دوغمائية لم يتم تفكيكها حتى اليوم. فالعلاقة بين العرب والآخر هي علاقة يشوبها الكثير من الإستعلاء والدونية والأفضلية بحكم أن العرب يحملون الدين الأفضل واللغة المقدسة التى نزلت في الكتاب المقدس.

ولم تتخلص الشعوب العربية من تلك العلاقة المسمومة بفضل مناهج التعليم المستمرة في طرحها الشوفيني ونرجسيتها ضد الآخر المختلف، كذلك استمرت الأنظمة العربية في توليد مؤسسات حكومية وقوانين جائرة تقمع الحريات وتدعم الجهل وتغييب الشعوب بمناهج الأسلمة والقبلية والطائفية في أسوأ أشكالها التربوية دون إتاحة أي

فرصة لإحداث التغيير في نمط التفكير والسؤال والنقد. فغدت غالبية الشعوب العربية نسخ مكررة وعقول مؤدلجة تعيش على الفتات وتقبل بالظلم والفساد وانعدام المجال الفردي الخاص. وبهكذا مواقف وثقافات، تكبر الدوائر المغلقة التى تعيش بداخلها تلك الشعوب دون أي بصيص أمل في التخلص منها والانفتاح على العالم الحديث. فالسجون في مجتمعاتنا كبيرة جدا وقوانين الردة والتكفير والإزدراء تتوسع يوما بعد يوم لتمنع أي تساؤلات منطقية أو أفكار خارج صندوق النظام والدين والتقاليد.

ان الثقافة التى نعيش فيها اليوم في مجتمعاتنا العربية هي ثقافة الموت والجهل والاستبداد، ثقافة تعلمنا الخوف وعدم طرح السؤال واستهجان النقد ومعارضة الثوابت، ثقافة تكره الحياة والتعايش والانفتاح، ثقافة صنعت قوالب ابستمولوجية جامدة عن السياسة والدين والمجتمع، ثقافة لم تقدم الي العالم سوى الارهاب واللاجئين وقصص هروب النساء والرجال والأطفال من الموت والتعذيب والقسوة.

لم تأخذ الشعوب العربية من الحداثة الغربية سوى كمالياتها التكنولوجية بينما رفضت كل افكارها التقدمية والمعرفية والتاريخية. رفضت تلك الشعوب أن تتعلم كيف تبني طرقا آمنة في التعايش والحكم والمجتمع، رفضت تلك الشعوب أن تكون شعوبا حضارية وأمة تاريخية متعلمة، رفضت أن تخرج من قوقعتها الماضوية وأن ترفض قيودها وأن تصنع يومها ومستقبلها، رفضت تلك الشعوب وكأنها تعطي الإذن للتاريخ أن يسحقها ويجعلها تعيش داخل دوائر مغلقة مستمرة من الجهل والوصاية وانعدام الكرامة الإنسانية.

لا تعليقات

اترك رد