التوجه التنويري يقتضي تحديث أدوات التعليم

 

نافذة (03): التعليم وآفاق متغيراته

مقتبس من المعالجة: “إنّ التكامل بين سلامة المنهج ومضامين المقررات وأدوات الإيصال فيها، يمثل ركناً جوهرياً في نجاح العملية التعليمية وتفعيل دورها التنويري مجتمعياً؛ فكيف نتعامل مع الأدوات بسياقات التحديث؟”.

لا يختلف التعليم الألكتروني عن المنتظم الشائع حتى يومنا إلا في درجة توظيف أحدث وسائل الاتصال لنقل المعلومة من جهة والتجربة وقدرات ممارستها من جهة أخرى بما يفيد في بناء شخصية المتعلم على أساس تمكينها من الأداء الخلاق المبدع.. ولهذا فإنَّ القوانين الناظمة ستبقى من حيث الجوهر هي هي في الأداتين المستخدمتين في العملية التعليمية..

إن أدوات نقل الخبرة تضيق بتكرار منظومة التعليم التقليدي؛ فهي إذ تحاول نقل المقرر (الجديد) إن افترضنا وجود تجديد (واجب) لا يمكنها ذلك بسبب محدودية الأداء في التقليدي من وسائل الاتصال بين الأستاذ والتلميذ.. وحتى وسائل الإيضاح تلك الموظفة بنهج متحرك تظل غير قادرة على ملاحقة المتغيرات من جهة وتتطلب وقتاً وكلفة مضافة…

لقد باتت المتغيرات العاصفة اليوم قادرة على اختزال عرض التجربة ونقل محاورها بكلفة زمنية أقل وبإمكانات عطاء أكبر.. ولهذا فإنّ إضاعة وقت التدريسي والطالب ما عادت موضوعية سليمة بتمسكها بل بتحنطها على ذات الأدوات التقليدية محدودة الإمكانات.. ما يتطلب موقفا قويا وقراراً حاسماً في التوجه نحو توظيف الأدوات الأحدث في تشغيل العملية التعليمية..

إنّ أهم الأدوات هي تلك المنجزات القائمة على منظومة التعليم الألكتروني؛ أو التعليم عن بُعد. ففيه استخدام أحدث تكنولوجيا وصلت إليها البشرية اليوم. ومن باب أولى أن ننظر إلى أ، من شروط ضم الجامعات في قوائم المناقشة بجودة التعليم وسلامة مخرجاته هي نسبة توظيف التكنولوجيا وتحديداً التعليم الألكتروني في عملياتها كافة وأولها العمليات التعليمية والبحثية..

وهكذا أصبحت أدوات التعليم (الألكترونية) ذات نسب متقدمة في مجمل منظومة التعليم المنتظمة القديمة وارتقت إلى مستويات تجاوزت نسبة الثلث؛ الأهم هنا أن دول العالم المتقدمة وأخرى بين دول تتطلع لملاحقة التقدم التكتولوجي العاصف باتت تشغل كثيراً من مؤسسات التعليم فيها بمنظومة التعليم الألكتروني بعد أن وضعت الشتريعات والقوانين المناسبة مثلما تلك الناظمة لمجمل التعليم القديم وأدواته..

وفي واقع الحال تجاوز عالمنا المعاصر منطقة الأمية (التكنولوجية) وصار وجود أجهزة الكومبيوتر وملحقاته ورديفاته من أجهزة ذكية ظاهرة طبيعية بخاصة بين النشء أطفالا وتلامذة وشبيبة.. وبهذا زالت عقبة كأداء أمام وجود التعليم الألكتروني.. وهو الذي تجري العملية التعليمية فيه بالضرورة بعيداً عن الملائية والكتاتيب التي انقرض زمنها منذ أكثر من قرن ولكنها لم تنقرض من الممارسة في بلدان كثيرة منها بلداننا التي يراد لها من بعض قوى أن تتقولب وتتحجر على تلك المنظومة وكأنها محمية بحصانة القدسية الزائفة التي يسبغونها عليها!

وبهذا فإنّ نظام التعليم الذي يستخدم نسبة أدوات تكنولوجية متقدمة ذات أثر سيكون أغنى وأكثر فعالية وتأثيراً في بناء قيم المعاصرة بذهنية علمية متطورة ومن ثمَّ الشخصية التنويرية التي تحترم الأنسنة وحركة التقدم بلا حواجز وعراقيل كما يجري ببلداننا اليوم…

والأبعد نضجاً وأثراً تنويرياً في بناء الشخصية الإنسانية اليوم، هي أدوات التعليم الألكتروني في نظام التعليم عن بُعد. إذ أنه يخلق معايشة أحدث متغيرات العصر في الأجهزة الذكية من جهة وأبعد برامج شبكة الإنترنت تركيباً… وهي أدوات بهذه الصيغة يمكنها أن تضخ معلوماتياً أموراً جد معقدة تؤسس لعقل قادر على التحليل من جهة والاستنتاج من جهة أخرى وبالتأكيد في قدرات الخلق والإبداع بعد استيعاب المقررات بأدوات مختلفة نوعياً…

وقبل إشكالية المعارف والعلوم والطابع الغني معلوماتياً هناك موضوعة الاتصال بمنظومة معاصرة هي الأحدث تقنياً والأكثر تحريكا وتفعيلا لاشتغال العقل العلمي ومن ثمّ لتنوير ذاك العقل بمنطق جديد يعبر منطقة السلبية والاستسهال القائمة على حشو أدمغة التلامذة بمعلومات بالية تبرر للخرافة وخطابها المتخلف المتبلد…

والمعنى القيمي لتوجهنا إلى أدوات العصر الأحدث في منظومة التعليم تتجسد أولاً في القيمة التربوية لبناء الشخصية المعاصرة بناءً تنويرياً يُنهي مرحلة الخضوع للظلاميات ومنطق الخرافة والتخلف. هذه الممارسة التنويرية تتأتى من محو الأمية لا الأبجدية المتعارف عليها حسب بل وتلك المتعلقة بامتلاك أدوات التحليل والتركيب بقصد إنتاج خطاب عقلاني بديل للماضوي الذي انتهى زمنه ولم يعد يجدي نفعاً اجتراره بقدر ما يوقع ذاك الاجترار في مطبات الركود والجمود…

إنّ مجتمعاتنا التي وقعت بمصيدة التجهيل في ظل نظم الإسلام السياسي وظلامياته بما أفضى إلى نشر خطاب التخلف ومنطق خرافته تظل بحاجة إلى جهود التنوير بتنوعات مصادرها ومنها العملية التعليمية المحدَّثة. يمكننا التمعن بأوضاع ليبيا والسودان وصنعاء اليمن ومناطق سطوة العصابات المسلحة التي تسمي نفسها معارضة في سوريا وأيضا في العراق تحت سلطة أحزاب إسلاموية هي سلطة ميليشياوية ظلامية بامتياز..

هذه النماذج تفرض عملية تعليمية تتكاثر وتتناسل فيها الزوايا والتكايا وتلك المدارس الدينية التي يُزعم كونها بديلا للمدارس العامة والأنكى عندما يجري ترتيب أو برمجة المقررات بطريقة تستجيب للكتاتيبية الملائية وطريقة الحشو السلبي الذي لا ينتج إلا بلادة تجتر تخلفاً وخرافة ولا تولد أو تنتج سوى بلادة من نسلها. وبعد أن كانت حتى البلدان التي أشرنا إليها كنماذج، بعد أن كانت تسودها منظومة تعليمية مقبولة تردّت وتراجعت لتتفشى فيها منظومة تعليم يحكمها المجلببون المعممون من ترهات زمننا ممن لا يتجاوز أحدهم جلبابه مظهرا تزويقيا بلا جوهر، يربأ حتى الماضي الممثل لذاك الرداء القبول بهذا الاجترار السطحي الفارغ ورداءاته…

وعليه اقتضى التنوير موقفاً نوعياً يكافح تفشي ظاهرة اجترار التقليدي الماضوي وسلبيات الأخطر والاتساع بعملية تعليمية جديدة تنتمي للتحديث بجميع جوانبها ومنها (الأدوات). حيث تصبح قضية تبني التعليم الأكتروني أكثر من إشكالية أدوات عابرة الأثر فهي تكنولوجيا تحتاج تحريك العقل والتزام اتجاهه العلمي في الاشتغال…

إذ لا يمكن لعقل يقوم على آلية التلقي السلبي وحشوه بمعلومات مجترة أن يحلل ويركب ويرتب ليخلق و\أو يبدع أو حتى يتعامل مع الأجهزة الذكية ومع الكومبيوتر.. ولكن أنوار التعامل مع هذه الأدوات سمنح فرصا واسعة لتشغيل إنتاجي يستثمر المعلومة في إعادة الخلق والتحديث ومن ثم فإننا هنا بمجابهة توظيف الأدوات ونظام اشتغالها مرفقا بالتنوير العقلي؛ لأنَّ التنوير يتلازم بالضرورة مع أية حركة تمثل العقل العلمي واشتغاله..

وبناء على هذه الحقيقة يجب خوض النضال اليومي الدائب المثابر من أجل تحقيق التنوير عبر تحديث أدوات العملية التعليمية.. ولا يجوز التردد أو التلكؤ للحظة في هذه المهمة فمثلما النضال السياسي يدخل بإطره المجتمعية الكلية بمسيرة التغيير فإن النضال التنويري بميادينه المختلفة يشكل محوراً آخر بتلك المسيرة (مسيرة التغيير) وأبرز ما في محور التنوير هو ما يدخل في تحديث أدوات العملية التعليمية بدءا بمراحلها الأساس وليس انتهاء بمراحلها الجامعية والعليا لأن التعليم المستمر يؤشر ديمومة التعلّم طوال حياة الإنسان…

وبقصد مزيد إيضاح نجد أن التعليم الألكتروني يشترك في التنوير عبر الآتي من الخصائص التي يستم بها:
1. وجود الأجهزة التكنولوجية الأحدث ما يتطلب في سياق التعامل معها قدرات علمية تحليلية تركيبية بمعنى بفعل الإيجاب فيها.. وهو الأمر المتعارض مع الاستسهال والاستسلام والسلبية في منظومة التعليم التقليدية المرضية في أدائها كما التعليم (الديني).
2. طريقة اشتغال تلك ألأجهزة بمنطق التعليم عن بعد (الألكتروني) تتطلب آليات مختلفة في التعامل والأداء من جهة ثنائية الحصول على
المعلومة من جهة وتحليلها ثم الوصول إلى مرحلة الاستنتاج وإعادة خلق مواد جديدة من جهة أخرى..
3. نوعياً تقتضي حال التعامل مع الاتصالات عن بعد بمنطق مختلف يحتاج لدور الشخصية الفاعلة المنتجة لا المتلقية كي تستطيع التعامل أو توظيف الأجهزة وما توصله من معلومة أو تجربة وممارسة التمرين العملي من خلالها…
4. حجم الربط مع مصادر غنية التنوع تفتح حواراً موضوعياً أكثر ثراءً بل هي بديل عن منظومة محدودة مصدرها أحادي التشكيل يفرض أوهامه بوصفها حقائق نهائية غير قابلة للجدل…
5. تربط منظومة التعليم عن بعد بصورة أنجع وأوسع بين العقول البخثية للطلبة واساتذتهم وميادين البحث وموضوعاته بحيث يمكن عقد الصلات مع أشمل تلك الإشكالات المبحوثة والكشف عن الثغرات قبل ممارسة المشروعات فعليا ميدانيا..

إن كل تلك المعالم والمسارات تثير التنوير بمدياته الأنجع بخلفية اشتغال العقل علمياً وبمنطق يكافح الخرافة والجهل والتخلف.. وتلكم هي مسألة رئيسة تحتاجها المجتمعات التي أشرت إليها نموذجا ما زال يتطلع للتحديث في الأدوات وبالتالي في منظومة التفكير العلمي وخطابه التنويري…

غير أن هذه الإشكالية تظل بحاجة لمزيد توسع وتعمق في معالجتها بما يقترح مشروعا تحديثيا شاملا بخلاف ظواهر التشبث بالتقليدي خشية بضع مظاهر سلبية أو ثغرات هي أقل بكثير من المتفشي وسط النظام التقليدي البائس في ارتخاء العقل وقدرات تفعيله ومنحه سمة الإيجاب..

فهلا دعمنا حملات التحديث في الأدوات وفي نظام التعليم الأكثر حداثة وجدة وجدية؟ وهلا تفاعلنا بملاحظاتنا بقصد التنضيج والوصول إلى الأنجع؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد