التشخيصية الغنائية والمكانية في مرسومات رولا حمدي

 

عنيت حاضرة المكان في مرسومات “رولا حمدي ” بالتجريد والواقعية وما كان منها في التجريد اوجدته ضبابية الاتقان الحداثي في تباينات الاظهار والظهور فضلا عن ابراز ملامح التشكيل ومضمونه وتبين ذلك من خلال ما ادركته حسيتي الفنان والمتلقي لمنتجها النصي التشكيلي الموسوم بخاصية ضبابيته المتكأة على الخطوط والالوان والمساحات المباشرة فاظهرت جلية في وحدة الموضوع التي نزح اغلبه الى التعتيم بوصفه شفرة مكانية تضيفها (حمدي ) وتسبغ خاماتها بالاتشخيصية في الخط واللون والشكل بمعنى الاخفاء حينما استعملت بوادر الضربات اللونية “الفرشاة المزدوجة\ كناية عن المزج ” وما اخفته من لمسات في البنية الخطية غير الحسية اي تلك التي ابتعدت حقا عن المظهرية واقتربت نحو حقائقها السوسيولوجية في المضمون “الفعل النفسي ” فما كان من ورود ظاهرة التشخيص ونقيضتها الا اتقان معرفي جاءت به معطيات المعروضات التقريرية البحثية لا يقاع متواتر في ارجاء اللوحة وزعتها بشكل متوازن ومتطابق وذي ائتلاف غنائي فضلا عن انها شكلت المغيبات نحو حاضرها والحاضر نحو مستترها في تحقيق لحركة جمالية تشكل عنوانا للوحاتها لكنه لا يشكل حاجزا بين السطحين الظاهري والثاوي “القريب والبعيد” وبذلك وضعت (رولا) سمة فنية إضافية لتقنياتها من شأنها ان تضاف الى قيمة نوعية مادية استتيكية اقترنت اجرائاتها بخلاصة الجمالية , بعد ان وظفت الافق الضبابي الباحث عن حضوره بتوازي مع الافق الواضح الباحث عن غيابه وتلك كانت معادلة في بلاغة التوصيل وارسالاته , عليه ان التشخيص هنا بمعناه انتقال من شفرة النص الى شفرة المعنى وتلقيه عبر شكلية محسوساته التي ما فتأت ان ابحرت بين زاوية واخرى في ثنايا الموضوع والفكرة , وذلك يعد ضربا في تفريغ نصوص الافكار والمشاعر الانسانية الى نصوص مادية تخاطب ذاتها او وجودها المسلمة في التعبير .

لذا ان استعارة بنية التشخيصية الغنائية هي التعبير والانتقال من السطوح ومخيالاته الى السطوع والظهور وهي مثلية حاضرة وانها الزام وتناص “جيو شكلي ” جاءت به (رولا) من اوحدية الفكرة الى تعدديتها في الشكول وكأنه هو التعبير ذاته عن الفكرة بطرق استدارية بواسطة تقانات التصوير ومنها (التشبيه ) غايتها اثارة المصورة لجمالية التطبيق وانتقالها من مخاطبة الذهن والوعي الى مخاطبة الحس والوجدان . كما ارادت الفنانة ان تضع الموضوع برمته بين واقعين اولهما الواقع الافتراضي والاخر الحقيقي لذا جعلت فيما بينهما حاجزا يقترن بسطح زجاجي وفقا لقراءة المتلقي , حيث سعت من خلال الحاجز ان تنقل الحقيقة من واقعها
الحقيقي نحو الواقع الافتراضي وليس بالوهمي , فالمتلقي ينظر الى العالم الفني بعين واحدة لا بعينين اثنتين ومن خلال النظرتين ارادت ان تعكس كلا العالمين بواقعين احدهما هو المشخص الحقيقي والاخر صورته غير المشخصة , وهنا تمكنت الفنانة ان تضع الحقيقة وزيفها في مسار واحد فأكدت ان الفكرة كانت اسمى حينما ظهرت من وراء الحاجز وان حقيقة الاشياء كما وصفها “هربرت ريد ” هي الفن وانه محاولة لا ستنطاقه عبر الوسائل والاساليب وبالتالي ابراز مظهريتها بدقة , عليه تلك ايضا من المحاولات التي اجادت فيها عبر تناولها فلسفة الاشياء الواقعية التي لا تنفك ان تستند الى الحقائق الظاهرية البسيطة ومنها “الانموذج المرسوم والذي نحن بصدد تحليله ” فالشخوص والابنية واداءهم كله يتمقص الانطباع من قبيل الجمع بين الواقعية والانطباعية لا بين الواقعية وغيرها , ويعد من تقنيات البواطن الحفر في الاسلوب جامعة فيما بين الواقعية العلمية في الاسلوب وبين النظرة المثالية للحياة , وهنا لا بد ان نطلق عليها التشخيصية الغنائية .

عليه ان قوانين الغنائية التي جاءت لها هنا تصب في قانون الاضداد المترابطة (في اللوحة )وتضاعف من عدم سطوع اللون بعد استخدام تأثير ه البصري ومن ثم اخفات وفتور اللون النقي وتحييد شدته على المسطح الكنفاسي , واعتماد المزج البصري كوسيلة اسلوبية تنافس النقاوة العالية ل(كنه اللون ), مما يضفي الى عدم الاهتمام بملامح الظهور المقتربة من الانطباعية الجديدة وتمثلاتها النقطية والمساحات البقعية لانتشار الضوء ومعتماته , لانها تركت للمتلقي التمتع بالمزج والتركيب , ولا نعلم ان كانت تلك الممتزجات البصرية تحليل لفيزياء اللون وقوانينه ام العكس .

كما تعتبر اعمال الفنانة “رولا ” محط اهتمام واعجاب المتلقي وذلك لاهمية الطروحات التي تصورها فهي تتطرق الى قضايا معاصرة وكبيرة في شموليتها ومضامينها حتى لنجدها تتجاوز الزمن التقليدي وتخوض عوالم من الفلسفة ليس على جوانب فنية ونقدية وانما بحثية واعدة ومستقبلية في الثقافة العربية , لذا ان المظهرية التشخيصية لديها لم تعد مجرد خطوط واشكال وتمظهرات وانما اخذت جوانب اكثر امتدادا كانت الاقرب للمشاعر في تراجيديتها , ونحن ندرك ان ماتنتجه من معالجات فنية تتسم بالقوة والايحاء وتؤسس لا بجدية معاصرة نابعة من واقع ثقافي وجمالي يعنى باهمية الفنون ودورها في المجتمعات العربية وبذلك ترد (رولا )في منتجها الفني بان التشخيصية لم تعد مجردة من اصولها بل وتتسق فيها لما تحمله من صدق المحاكاة , كما وصفها ارسطو ” محاكاة للافعال النبيلة ” .

المقال السابققهقهةٌ في وادي الموت
المقال التالىفي رحاب الرحمن شيخنا وحبيب قلوبنا
الاسم/ الدكتور حازم عبودي كريم السعيدي التولد/ الديوانية 20/11/ 1960 تخرج في المثنى الابتدائية للبنين في المسيب 1973 تخرج في متوسطة المسيب للبنين1976 تخرج في ثانوية المسيب 1982 الشهادة بكالوريوس فنون تشكيلية /1986 الجامعة والكلية/ جامعة بغداد ـ كلية الفنون الجميلة ـ حاصل على شها....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد