كركوك معضلة العراق


 

اثيرت مشكلة كركوك مرة اخرى اثر قيام حزب الاتحاد الوطني الكردستاني برفع علم اقليم كوردستان على احد مقراته في هذه المدينة , وسرعان ماايده الحزب الديموقراطي الكوردستاني الذي برر ذلك على اعتبار ان كركوك مدينة متنازع عليها ولايوجد اي مانع قانوني من رفع علم كوردستان فيها , ومثل ذلك تصعيدا خطيرا في هذه المدينة ذات الاعراق المختلفة

ان كركوك مدينة تاريخية قديمة طورها الانكليز لتكون من اكبر المدن النفطية بعد ان تم استخراج النفط فيها ومن طبقات قريبة من سطح الارض منذ عام 1926. و يعتبر نفطها من النفوط الخفيفة ، وحقول النفط فيها تتميز بغزارة الانتاج وجودته . وفيها النار الازلية التي لاتنطفئ لكثرة الغاز الذي يخرج تلقائيا من الارض . وبالرغم من انها مدينة ذات موقع ستراتيجي واثري ايضا الا انها تتميز ايضا بالتنوع السكاني . ان مدينة كركوك مدينة وادعة واهلها يتميزون بتقبل الاخر ولاتوجد اي عدائية بين سكانها رغم تنوعهم على مر الزمان . وبسبب النفط الغزير والاحتياطي الكبير فيها اصبح التنازع على اشده بين الحكومة المركزية واقليم كوردستان منذ امد بعيد . . وبعد غزو العراق واعداد الدستور الجديد اعتبرت كركوك من المناطق المتنازع عليها بين الاقليم والحكومة المركزية شأنها شأن بعض المناطق في الموصل وديالى وصلاح الدين . وقد نص الدستور في المادة 140 على تسوية موضوع المناطق التي سميت بالمتنازع عليها خلال فترة محددة . الا ان الحكومة المركزية ظلت تماطل في البت فيها وهي تراهن على الزمن . والحكومات المشكلة منذ الاحتلال الامريكي للعراق والى يومنا الحاضر تسوف وتماطل في كثير من المسائل وتترك القضايا للزمن وكثيرا مايكون الزمن في غير صالحها ولذلك نرى ان المشاكل والصراعات ظلت مستمرة لا بل اشتدت اكثر فاكثر وبمرور الايام . ومنها مشكلة كركوك . ولما تماطلت الحكومة المركزية وسكتت على استئثار الكرد بها لفترة من الزمن فقد تسبب ذلك مجددا بالتغيير الديموغرافي لها مما اصبح اعادتها الى وضعها السابق مهمة شبه مستحيلة وكلما طال الزمن رسخ التعصب القومي فيها . خصوصا بعد ان دخل التركمان على الخط من جديد وشعورهم بالتهميش وهم يعتبرون كركوك مدينة تركمانية ايضا . اضافة الى ان هناك اطماع اقليمية فيها مثل تركيا التي تدعي حرصها على ضمان سلامة سكانها من التركمان ، وايران التي سارعت الى عقد صفقات تصدير نفط كركوك اليها بعد ان تمت سيطرة الحكومة المركزية عليها في حزيران الماضي . وعادت مسألة تهريب النفط الى السطح مرة اخرى حيث كانت الحكومة المركزية تتهم الحكومة المحلية فيها بانها تغض الطرف عن عمليات التهريب التي تقوم بها مافيات تنسب الى الحزبين الكرديين , وبعد عودة كركوك الى الحكومة المركزية عادت عمليات تهريب النفط فيها مجددا , وكل طرف يتهم الطرف الاخر بالتهريب . ويبدو ان عصابات التهريب تستند على اي حركة سياسية فيها سواء كردية كانت ام عربية او من الحشد الشعبي وعلى مرأى ومسمع الحكومة المركزية

لعل محاولات التغيير الديموغرافي المستمر في كركوك تعد من اخطر المسائل التي تواجهها المدينة وهو ليس وليد الساعة , فقد حاولت الحكومات السابقة منذ العهد الملكي مرورا بنظام عبد الكريم قاسم وكذلك العهد السابق للاحتلال الذي قام باكبر عملية توطين للعرب فيها بعد منحهم حوافز مادية وسكنية فيها . الا ان اغلبهم قد غادرها في السنوات الاخيرة لاسباب عديدة رغم قيام الحكومة الاتحادية باعادة السيطرة عليها في 16 تشرين اول / اكتوبر عام 2017 فان الاوضاع فيها مازالت غير مستقرة واخذت جهات عديدة تهدد مواطنيها بالسلاح او التفجيرات ، اضافة الى الدعايات المنتشرة في خطورة احتلالها من الدواعش في محاولة لاعادة سيطرة البيشمركة الكردية عليها . كما تم استغلال الخروقات التي يقوم بها بعض عناصر الحشد او الميليشيات المحسوبه عليه لاثبات زعزعة الامن فيها . ويقابل هذا كله دعوات قياديين من الحزبين الكورديين الاتحاد الوطني والديموقراطي الكوردستاني من ان الكورد لن يتنازلوا عن مدينة كركوك ويسمونها قدس كوردستان لترسيخ ارتباطها بالاقليم . مما يعطي الانطباع باننا امام نزاعات مسلحة جديدة حول هذه المدينة الوادعة ، غير النزاعات السابقة التي امتدت لفترات طويلة . ويبدو ان وضع كركوك اشبه بمشكلة كشمير بين الهند والباكستان فاغلب الحروب بين الدولتين كانت بسبب هذه المقاطعة . . اننا لانريد لمدينة كركوك المسالمة ان تكون محل صراعات مسلحة , ولانريد مزيدا من النزاعات المسلحة في العراق لاحول كركوك ولا حول اي منطقة من مناطقه . ولعل من اخطر القضايا التي تواجه كركوك والمناطق المسماة المتنازع عليها هي التغيير الديموغرافي ، فبالرغم من المحاولات العديدة لاجراء التغيير الديموغرافي لمنطقة من المناطق فانها لم تنجح يوما في العراق ، ولكنها تسبب نزاعات مستمرة وعداءات متقابلة . ان قادة اقليم كوردستان حاولوا تكريد كركوك بكل الطرق وهم بذلك لايختلفون عن كل الحكومات المركزية السابقة وكذلك الحالية التي تغض النظر عن عمليات التهجير والتغيير الديموغرافي الجاري ليس فقط في كركوك وانما في كثير من مناطق العراق مثل سهل نينوى وجرف الصخر وديالى ومحيط بغداد وغيرها . ان بقاء العقليات الشوفونية والطائفية سائدة في العراق سوف تجعله بؤرة دائمة للنزاعات وردود الافعال المسلحة التي عانى منها الشعب العراقي امدا طويلا , وانه غير مستعد لمزيد من التضحيات برجاله وماله . ان النظرة العقلانية والمنصفة للامور واعطاء كل ذي حق حقه سيحقق العدل بين كل مكونات الشعب العراقي ويمنع سفك مزيدا من الدماء لا في كركوك فقط بل وفي كل مدن ومناطق العراق

لا تعليقات

اترك رد