الفنان التشكيلي مراد عبدلاوي: أنطولوجية الذات في استحضار المكان

 
الفنان التشكيلي مراد عبدلاوي: أنطولوجية الذات في استحضار المكان

يعمل الفنان مراد عبدلاوي. في صياغة أعماله الفنية وتشكيل النص البصري – كأثر فني – بالاستناد على أسس ومعايير حرية الإبداع دون التقيد بمبدأ الارتباط – الالتزام والالزام – الناتج عن فرض البيئة المحلية وهويتها بأشكالها وتفاصيلها المغلقة بمفردات تأصيلية تحدد وتثبت هوية العمل لبيئة واقعية محلية. بل يتأثر بالمكان والإنسان كحالة تنعكس على الذات بدون تفصيل او توضيح للهوية أو التأصل للموضوع . هنا يأتي الألتزام والإلزام من مايفرضه مخزون الذاكره بتلخيصات وتجريدات محمله بشفرات ذاتية تؤشر ولا تشير .
بنية الشكل:
تتأسس أعمال الفنان مراد على نمط وأسلوب ذاتي يستند على مرجعيات نفسية تخص الذات المجردة من الخزين الشكلي التفصيلي والمحملة بشفرات وتجريدات مفتوحة كعلامات وإشارات للواقع الخارجي المحيط بالفنان. هذا التمدد الشيئي في الخيال – المستمد أصلا من التجوال البصري في محيطه وتنقلاته – يتيح له اكتشاف ( ذاته) عبر (موضوعية الوجود الشيئي ضمن النص البصري المؤلف).

الفنان التشكيلي مراد عبدلاوي: أنطولوجية الذات في استحضار المكان

ويعتبر هذا الاكتشاف عملية إبداعية يعززها الشعور بالجمال وميزانه الذي هو بالأساس قاعدة البناء لأعمال الفنان مراد عبدلاوي. فضلاً عن تلك الصلة كإحالة قانونية تعمل على تعالق الجمال بالموضوعية عبر ( علامات) تبدأ من داخل شيئية الذات لا من خارجها. تتمظهر بفعل التكوين الجمالي للمساحات اللونية والتجريدات والخطوط, لهذا يصبح النص مفتوحاً من الصعب تفسير معطياته عبر المعرفة والمرجعيات الخارجية عن الذات. شكل(1).

التجريدات والمساحات اللونية:
الفنان التشكيلي مراد عبدلاوي: أنطولوجية الذات في استحضار المكان

خطاطة (1- أ)
من الواضح أن الفنان مراد يستند على إشتغال الذاكره كمخزون لتلخيصات ما مضى في علامات وشفرات تفصح عن إرتباط الذات بشئ كان ومازال يلح على الحضور ببقاياه العالقه في الذهن .فالفنان مراد هنا يحقق ذاته ببقايا ذكرى في توظيف جمالي يستند على المساحات اللونية فهو لا يدرك ذاته بمعزل عنها. ولأن الصياغه الجمالية للألوان تتولد في لحظه الإشتغال في العمل وتستمد أشكال التجريد من الذاكره يتأسس العمل بإدراك جمالي لوني وتلخيصات الخاص بما كان لدى الفنان سواء مكان كان فيه أو إنسان كان معاه. خطاطة (1 – أ ). فيتموضع المكان بأعراض تؤشر إلية كما يلاحظ من تجريدات لبنيه تشبية بالجذوع والفروع للشجر في الخطاطة السابق ذكرها .
البنية العلاماتية:
برغم أنطلوجية الذات وحرية الطرح لما هو ذهني مجرد من التفصيل أو الوضوح إلا أننا نجد تداخل العالم الخارجي مع عالم الفنان الداخلي والذي هو أصلا يتمدد مع مخزون الماضي وسفر التأمل والمشاهدات .. فحقيقة الذات للإنسان مبنية على التواصل مع مايراه وما رآه فيما مضى .. فكل حياة نحياها وكل ملامسات الخارج للعالم الداخلي للإنسان تشكل ذاته وتصيغ مرجعه النفسي .. فليس كل مانقوم به بعفوية ليس له تأويل أو تفسير .. فالعفوية واطلاق الذات عباره عن تواصل مع المخزون الذهني وإنقطاع عن العالم الخارجي مؤقتاً .. ويمكن القول أن هذه العملية هي عملية إفراغ المخزون بأولوية الحضور , فالشكل واللون المسيطر على الذاكره والمتقدم في حضوره هو من يصاغ أولا على سطح العمل .. والمعيار التنظيمي للأشكال والمساحات اللونية يقوم على الحاله المزاجية المستنده على التأثيرات البصرية للفنان والممارسة ( الخبره المكتسبة).. وهي الوحده التي تفرض نفسها على الداخل .

فمن تموضع بعض الأشكال التجريدية لما يوحي بهيئة وجوه نجد أن للأشخاص حضور واضح في ذاكرة الفنان ولكن ليس من المقربين بل هم مرطبتين بالمكان المتمثل بتجريدات لمفردات فروع الشجر والذي هو الأخر كان للفنان فيه ذكرى مرور أو فترة بقاء. من هنا يتحدد الدور الذي ينبني عليه النص وهو إستحضار المكان بمحمولاته مع تمدد الذات في صياغته وفق منظور جمالي مفعم بالإحساس العاطفي للفنان .. فالبنفسجيات والورديات بالإتفاق الجمعي ترتبط بالأمل والسعادة. وحضورها هنا قد تكون كانت هناك عند ذلك المكان ومع تلك الأشخاص المرتبطه بالمكان .. بمعنى أنها كانت ويتمناها الفنان أن تعود .. فحضور التعبير اللوني هنا هو غياب وإشتغال النقيض له بحكم التركيبه العلاماتية للمكان ومحمولاته وفي سياق الذات والإستحضار للماضي تسقط عن مدلولات الالون اللحظه الآنية وتصبح في إشتغال الماضي وتدل عليه.

من العرض السابق يتضح لنا أن الفنان مراد يصيغ أعماله الفنية بالإعتماد على المخزون الذاتي للأماكن ولأشكال الذي مر بها وشاهدها فوضعت أثر ذكرى مرتبطه بالحاله النفسية التي كان فيها سواء كان حزنا أو فرحا .. وفي توظيف جمالي قائم على معيار التنظيم اللوني وحضور المساحات اللونية المحملة بالتجريدات التي هي في الأصل بقايا ذاكره كان لها أثر على الحاله النفسية للفنان .. كل ذالك يستند على خبره فنية للفنان أصبحت مؤصلة لديه حتى أصبحت جزء من أدوات الذات في التعبير والإفصاح عن المخزون الداخلي ..

لا تعليقات

اترك رد