استنهاض نموذج قرطبة التنويري

 
17025662 - columns, archers and pillars of the great mosque-cathedral of cordoba, spain.

قرطبة كانت عاصمة دولة الإسلام العربية دامت أكثر من 500 عاما وسقطت عام 1236 بعد أن وصلت تلك الدولة إلى جنوب فرنسا وكادت تنطلق إلى بقية أوربا، وكان يلقب ابن رشد فيلسوف قرطبة ولا يزال اسم قرطبة مرتبطة باسمه وهو صاحب الكتاب الشهير فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال، وكان ينحاز للعقل ويعلي من شأنه ومن مكانته في الإسلام وهو ليس بدعا من القول بل تماشيا مع آيات القران التي دائما تدعو إلى التدبر والتفكر، فحينما يقول الله سبحانه وتعالى ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ) فالإنسان لم يعاصر بداية الخلق، لكن أمره الله سبحانه وتعالى التفكر في بداية الخلق ويحتاج إلى استخدام كل الأدلة العلمية والتجريبية في التوصل إلى كيف بدأ الخلق حتى يؤمن بأن هناك عودة للحياة في الآخرة والتي هي من عالم الغيب.

نموذج قرطبة كان يغلب عليه التسامح إزاء التعايش مع الآخر المختلف واعترافا باختلافه مهما كان نوع الاختلاف دينيا ومعتقديا ومذهبيا وقوميا وسلاليا لأن الله وحده هو الذي سيحاسب البشر تماشيا مع قول الله سبحانه وتعالى التي تعتبر أساس من أسس حقوق الإنسان ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير)، والآية الأخرى التي تعتبر من الآيات التي تدعو إلى احترام التعدد والتنوع واحترام كل رأي آخر مختلف من أجل الحفاظ على الوحدة ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، والآية الأخرى التي تنهى عن إكراه الآخر على الدخول في الدين ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ).

نموذج قرطبة التنويري سبق ثورة تنوير أوربا في القرن الثامن عشر التي كانت ضد الكنيسة، لكن نموذج قرطبة التنويري لم يكن ضد المسجد أو ضد العلماء أو ضد الدين خصوصا وأن في الدين الإسلامي لا يوجد رجال دين لهم سلطة على المجتمع كما هي في عصرنا الحاضر.

إذا نحن لسنا فقط بحاجة إلى عصر تنويري كما في أوربا بل استنهاض تنوير نموذج قرطبة الإسلامي الذي لن يصطدم بالمجتمع وبالعلماء، لأن نموذج قرطبة لا يقصف كل شئ ديني لمحاولة شرح كل شئ إنساني أو طبيعي بما يخرج الدين والإنسانية من

المعادلة تماما بما في ذلك الأخلاق التي تم إخضاعها للمنهج العلمي البحت في التنوير الأوربي.

فاستنهاض نموذج قرطبة الإسلامي الذي لم يشهد هذا النموذج تسلط ديني ضد مفهوم وتطور العلوم بما يجعلنا بحاجة إلى البحث عن أداة فكرية لمحو ماضينا، حيث أن التجربة التاريخية لنموذج قرطبة وقبلها من نماذج عربية وغير عربية إسلامية لم تعاني من أزمة حادة بين العلم والدين كما عانت أوربا خلال القرون الوسطى ومن ثم فلا حاجة من إخراج الدين من المعادلة واستبداله بفلسفات أخرى لا يقبلها المجتمع المسلم الملتزم بدينه، هناك خطأ في التجربة السياسية التي مزجت الدين بالسياسة، وأغلب تاريخ العرب شهد أغلب مراحله سيطرة المؤسسات السياسية دون الدينية باستثناء حالات نادرة أو قليلة وهذه حقيقة ثابتة تبرز عند مراجعة التاريخ العربي.

استنهاض نموذج قرطبة حتى وإن كان النموذج السلفي الذي يرفض وجود مؤسسة دينية تفرض بوصلة محددة وضيقة للتحرك الاجتماعي والسياسي كما حدث في العصر العربي والإسلامي الحديث من ظهور تيارات الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي والتي أثبتت فشلها في إيران والعراق ومصر وفي بقية الدول العربية الأخرى قد يستشهد البعض بحزب العدالة والتنمية التركي، لكنه يؤمن بالعلمانية، بينما تيارات الإسلام السياسي الأخرى لا تؤمن بالعلمانية، رغم أن نموذج قرطبة يفصل بين مسار السياسة ومسار الدين ( العلمانية بالمفهوم الغربي )، وإن كان مسار السياسة يجب أن يلتزم بمبادئ دينية وهي في الأساس مطالب حقوقية تؤكد عليها الأديان مثل العدل والمساواة والتعايش المشترك والالتزام بالعهود والمواثيق.

ولو رجعنا إلى مقولة الفيلسوف هيغل الألماني الذي قال بأن لكل أمة لها روحها فسيظل الدين الإسلامي يشكل الجزء الأكبر من هذه الروح أو الهوية وأساسا عاما للأخلاقيات والسلوك لأفراد المجتمع ككل.

ولو أخذنا حكمة الفيلسوف ديفيد هيوم الذي أكد فشل هذا العصر في استبدال نظام الأخلاق على أسس علمية في إطار تقديس المنهج الفكري وحده، فالإنسان ليس كالظاهرة الطبيعية يمكن إخضاعه لقوانين علمية دقيقة لفهمه أو رسم الطريق إليه ليسير فيه بشكل ميكانيكي، وهذا لا يمنع أننا بحاجة إلى تحديث فكري شامل ورؤية نقدية لواقعنا وتنقيته ومراجعته مراجعة حقيقية على أسس منهجية سليمة تفتح المجال أمام استنارة فكرية مستمدة من هويتنا الدينية الذي يرفض النتوءات الفكرية الضالة.

ليس اعتبار الإسلام مصدر تخلفنا أو منبع التخلف، بينما الحركات المتطرفة هي التي تسببت في التخلف التي استندت إلى تفسيرات خاصة أو خاطئة، فمن الخطأ الانسياق وراء تجارب الآخرين، واستنساخ السياسي على أسس تجارب الآخرين، متناسين خصائصنا التي نتميز بها كعرب ومسلمين.

لا تعليقات

اترك رد