هيبة الدول وهيبة مواطنيها!!

 
هيبة الدول وهيبة مواطنيها!! للكاتب عبد الامير المجر #العراق

من الحكايات التي ظلت عالقة في ذاكرتي من ايام قريتنا في المجر الكبير، ما سمعته من اهلي عن علاقة امرأة عجوز، طيبة بإفراط، بكنّتها التي كانت امرأة قوية ومتسلطة بعض الشيء، ولأن مزاج المرأتين مختلف تماما، لذا كانت المشاكل بينهما مستمرة، ولم تكن نتيجة أي تصادم من جانب العجوز يوما ما طبعا، اذ لم تتردد الكنّة عن تعنيفها او التطاول عليها. وفي احد الايام جاءت العجوز الى جار لهم، حلّ مع عائلته قربهم قبل نحو سنتين من تلك الحكاية، ويسمع باستمرار ما يدور من معارك بين المرأتين، وشكت اليه العجوز حالها بعد معركة او خلاف مع كنّتها، وقالت له وهي تبث لواعجها: «هل تقبل يا فلان ان تقول لي فلانة، وتقصد كنّتها، اسكتي والا ضربتك واسقطت هيبتك؟!»، فما كان من الرجل الاّ ان ردّ عليها وبعفوية لم تخل من قسوة غير مقصودة: «والله يا ام فلان.. منذ ان سكنت الى جواركم الى اليوم لم أر لك هيبة في البيت!!».

لقد ظلت تلك الحكاية مدار تندر اهلنا، الذين وجدوا في الرد العفوي للرجل صدقا، يعكس واقع العلاقة بين المرأتين، ويعكس ايضا الصورة النمطية التي رسمتها القرية لتلك العلاقة، بمعنى ان الرجل تحدث بالمسكوت عنه او عبّر عنه بطريقة لا تخلو من طرافة وقسوة ربما جرحت العجوز الطيبة.

بعد ان اقتحمت الجماهير الغاضبة يوم السبت 30 نيسان الماضي مبنى البرلمان، تحدث اكثر من مسؤول وسياسي وحتى بعض الاعلاميين، بأن الذي حدث يمثل اهانة لهيبة الدولة!. وللحق نقول، كنا نتمنى لو ان المتظاهرين اكتفوا بمحاصرة مبنى البرلمان ولم يقتحموه، لكن الذي حصل قد حصل. وما يعنينا من الامر وردود الافعال العديدة تجاهه، هو القول ان هيبة الدولة أهينت، لأنه قول يمثل اهانة لمشاعر العراقيين الذين يرون ان العراق ومنذ العام 2003 لم يعد دولة، بالرغم من تشكيل خمس حكومات، لم تفلح في السيطرة على الحدود ولا على الشارع ولا على المسؤولين فيها، ممن لم يتورعوا في سرقة المال العام، حتى بلغ مجمل ما سرقوه، كما يقول الراسخون في علم الاقتصاد والمال، اكثر من خمسمائة مليار دولار، تكفي لبناء دولة بكاملها في صحراء مقفرة وليست اعمار او اصلاح دولة قائمة، اصبح شعبها اليوم من افقر الشعوب ومجتمعها يعاني انعدام الخدمات وقلة فرص العمل وضياع المستقبل للملايين من شبابها، بغياب خطة حقيقية للتنمية وغياب الامن بعد استباحتها من قبل معظم دول الجوار وغير الجوار، بفضل اغلب القوى السياسية العراقية التي رهنت نفسها لتلك الدول، فباتت ابواب العراق ونوافذه مفتوحة، لتدخل وتستبيح دولة غنية وتتحكم بمصيرها، بينما الشعب العراقي يتفرج على هذا المشهد المأساوي وهو يشعر بأن كرامته جرحت واصيب بكبريائه بعد ان كان صاحب القدح المعلّى بين الدول المجاورة والبعيدة.

نعم انها مصيبة كبيرة حين يتصور المسؤولون ان اقتحام المتظاهرين لمبنى برلمان هذه المرحلة يمثل اهانة لهيبة الدولة، من دون ان يعرفوا ان هذه الهيبة يجب ان تكون موجودة على الحدود وفي المطارات، ويلمسها المواطن العراقي في مداخل دول العالم وشوارعها وبين ناسها الذين يتساءلون عن العراق الذي كانوا يعرفونه ولم يجدوه، الاّ من خلال تصريحات ونشاطات المسؤولين العراقيين، التي تعبر عن جهويات متناشزة، يقصدون من ورائها تمزيق وحدة الشعب وجعله طوائف وأعراقا ليوزعوها بينهم كي يتسيدوا عليها، او هذا هو ديدنهم منذ اكثر من عشر سنوات. للاسف هذه هي الحقيقة التي لا يريد البعض ان يعترف بها وهي بالتأكيد حقيقة تعبّر عن نفسها كل يوم، والمسؤولون يعززونها بما يجعل الشعب واهنا وضعيفا ومفككا ليسيطروا عليه، من دون ان يسألوا انفسهم، بأن الذي يقومون به هو الاهانة بعينها لشعب لا يستطيع ان يصبر على اهاناتهم وسرقاتهم الى ما لا نهاية.

ان الذي حصل يوم السبت 30 نيسان الماضي مؤسف حقا، لكنه بالتأكيد نتيجة حتمية لما حصل طيلة ثلاثة عشر عاما، لم ينتبه خلالها قادة (العراق الجديد) الى هيبة المواطن والدولة معا، قبل ان تأتيهم تلك الصيحة التي ايقظتهم وايقظت العالم على هول ما تعرض له المواطن العراقي من اهانات على ايدي مسؤوليه!!.

لا تعليقات

اترك رد