الخَرَزة


 
الخَرَزة.. للكاتب جمال حكمت عبيد.. #قصص #ابداع
لوحة للفنان سامر اسماعيل

ملعونة هي الحرب، مضى عليها أربعة أعوام، ومازالت تحصد الطموح والاحلام.. كلمات النصر فيها ترقص على شفاه الحكّام بخطابات مزيّفة..

وقوافل الشهداء علبٌ مغلفةٌ بالوان، داخلها انسان أو بقايا انسان مزقَته شظايا الحرب، وُضِعَ مصفوفاً كأسماك البحر المعلبة ، كان قبل أيام طموحاً يتنقل في بحار الأحلام، وسياجاً مانعاً دخول الأعداء .أسْراها طالهمُ اليأس والحرمان وأمسوا في طي النسيان..

وذاك الكائن الحي المسكين، المحصور بين الخوذة والحذاء “البسطال” يصنع بطولات وصولات ، تخترقها مخاوف وآهات.. يتأمل، يبحث عن جواب لسؤال: – متى تنتهي الحرب ؟

فيأتيه الجواب جاهزاً ” العِلم عند الله ” . ..

ما دامت الأمور قد دخلت عِلمَ الغيب؛ حتى تسارعت وشاعت بين الجنود إنَّ هناك خَرَزات تقِي حاملها شرور شظايا القنابل والرصاص التائه في حضن الفضاء .. هذا ما أكده له أحد الجنود، كان يُحدِّثه بكل ثقة وقناعة عن انواع الخَرَز.. منها تحمي حاملها من الرصاص، ومنها تحميه عند المواقف الصعبة،.. أنهى حديثه يُقْسم بالله، إنَّ السيد الرئيس بنفسه يحمل واحدة ضد الرصاص!! وقد غرَزها في زنده الأيمن .

عند اجازته الدورية سبعة أيام بعد كل شهرٍ، لم يكن له سوى السؤال عن الخَرَزة ، ؟ ويأتيه الجواب على طرفِ لسانها: لم اسمع بها يا ولَدي ، ومهما يكن يا بُني سوف أسأل جارتنا “العَلَوية” عساها تعرف ..

في آخر يوم اجازته، جاءته البشارة من أمه، أنَّ العَلَوية جاءت بالخَرَزة!! طلبت: أسمي وأسمك كي تختمها ..وغداً عند التحاقك سوف تكون في جيبك.

أتى الصباح وكانت العَلَوية عند وعْدِها، قالت وهي تُعطي الخَرَزة لأمه، خُذييها دون مقابل، فأبنك خالد صديق أولادي.

كانت الخَرَزة مغزلية الشكل كحبة اللوز داكنة، باطنها يُوحي رسمَ عين فيها ..وضَعَتها امُه بجيب قِماش، أخذَها من يدِها وركنها في جيب قميصه العسكري .

غادر بيتهم عند منتصف الليل ، كعادته يلوِّح مُودّعا أهله وشوارع مدينته عائداً الى جبهة القتال، تائهاً بعتمة أفكاره، ينفثُ بدخان سيجارته كاتماً حَسرَته، يشعر بمرارة الفِراق .. يجلس وحيداً مع سائق “التكسي” حتى يصل به الى المرْأبِ الكبير، ويصطدِم بأفواج الجنود الملتحقة الى جبهات القتال ؛ فينقطعَ عنه خيط أفكاره.. يبدأ بالبحث عن المرْكَبة التي توصله الى وحدته العسكرية في اطراف مدينة” العمارة ” فيجدها.. يتخذ مقعداً قرب النافذة ويجلس.. يرنو عبر الزجاج الى عتمة الطريق ويتيه بعيدا ، تتجسد كآبته، يُعيد شريط حياته ، يأخذه الحَيف ببعضٍ منها ويُنعم بدفء البعض الآخر.. يضعُ كفه على جيبه يتلمس الخَرَزة؛ فيطمأن قلبه ويغفو على أمَل ما ستفعله الخَرَزة السحرية له.

وصل الى وحدتهِ العسكرية عند الفجر .. كان رفاقه الجنود بانتظاره، جلس معهم في الملجأ تحت سَقْف الصفيح الممدود على الواح الخشب.. تبادل التحايا معهم واستعلمَ الأخبار منهم ،مدّ يده على حقيبته فتحها واخرج كيساً فاحت رائحة أكل البيت منه، واخذوا يتلذذون بما حمّلته به أمه من متاع ..

مع إطلالة الصباح صدَحَت صَّفّارةُ رئيس عرفاء الوحدة.. خرجَ الجنود من مواضعهم واصطفوا استعداداً لتلقي الأمر.

وقف معهم وبان حسن هندامه، وعلامات الراحة على وجهه إلا عينيه فقد غلَبَتها الحرقة والاحمرار….

برقية أتى بها ضابط السرية، تدعو إلى ارسال محطة لاسلكية الى فوج مغاوير الفيلق الرابع، وكالعادة وقع عليه الاختيار.. ذهبَ مأموراً قرب مدينة “الميمونة “مع أحد الضباط الى فوج المغاوير بصحبة جهازه اللاسلكي المحمول..

عند وصوله الى مقر الفوج وقف متكئاً جدار غرفةٍ مبنية بالطابوق، كانت تُشرِف على ساحة التدريب.. عند ركن الساحة البعيد انفَردَت غرفة جدرانها من الصفيح احاطتها بقعة صفراء مائلة للسواد تَشبَّعَ ترابها بالزفت الأسوَد ، سأل احد جنود المغاوير الواقفين عنها، أجابه: تلك ساحة العقوبات ،من يُعاقَب عقوبة ثقيلة من مختلف وحدات الفيلق يُؤْتَى به الى هنا، وتلك غرفتها، والجندي المُعاقَب يزحف ويتدحرج على الزفت حتى يهلك من التعب ، بَعدَها يستقر به الحال داخل غرفة الصفيح .. وفي لوعة الشمس و رجفة البرد كان بعض الجنود المعاقبين يَمرضون فيها ، وقد تصل حالتهم الى الموت!!

استغرَبَ هذا القول!! وقال في سره ، أهكذا يُعامَلون حماة البلاد كالحمير!!….

خرجَ آمر الفوج من غرفته، كان مربوع الجسم، متوسط القامة، ملامح وجهه جاحظة، حمل على كتفيه العريضين رتبة مقدم، يرتدي بزة مرقطة باللون الاخضر والجوزي، غطّت رأسه خوذة رمادية اللون، بدا جاهزيته لخوض المعركة، سارَ بجانبه ملازم مديد القامة وكان مُساعده، وخلفهما سار جنود الحماية، معلنين جاهزيتهم ، ركض الجنود مسرعين، وتسلقوا العجلتين المكشوفتين .. واحدة جلس فيها آمر الفوج والأخرى مساعده وانطلقتا . انخرط بسيارة أخرى سارت خلفهما. جلسَ فيها ثلاثة جنود مخابرين التابعين لآمر الفوج … كانت الساعة بحدود الثانية ظهراً، عند حدود الساعة الرابعة وصلوا الى مكانٍ عند اطراف مدينة “علي الغربي “، تجمعَت فيه عشرات المركبات العسكرية، حمَلَت جنود المغاوير ،عددهم بضعة مئات ، مترجلين عن مركباتهم، مدججين بالسلاح ،جاهزين للمعركة ،كانوا منتظرين لحظة قدوم آمر الفوج ليعطي أمر الحركة .. بعضهم كان مشغولاً بتكسير قوالب الثلج وتعبئته في زمزميته الصغيرة..

تقدَّمَ آمر الفوج بعجلته الى الصفوف الأولى من المركبات مستطلعاً قطعات الجيش ….عاد واعطى أمراء السرايا اشارة الشروع .

تشَعَب الفوج الى سرايا والسرايا الى فصائل صغيرة ..كان عريف خالد واقفاً قرب آمر الفوج مع طاقم الصحافة الذين حضروا، صوروا لحظة هبوط الجنود الى سهلٍ وعرٍ وهم يتشعبون اثناء المسير ؛فبدوا من الأعلى كجداول نهر تسري نحو السهوب.

– “على بركة الله” صاح الآمر وقال، لو كُتِبَ لنا النصر سوف تدخل التاريخ هذه المعركة…. !!!!!!

مَشْهد المسيرة الراجلة بدا رائعاً من الأعلى لم تره العين إلا بالأفلام ..

هبطَ آمر الفوج ومعه حمايته، وهبطَ عريف خالد معَهم ، لم يُسمع سوى خبُ أحذية الجنود الثقيلة “البساطيل” … قطَعوا مسافة طويلة حاملين اسلحتهم، وهو يحمل جهازه اللاسلكي على ظهره وبندقيته رفعَها على كتفه لا يعرف ما ينتظره كبقية الجنود ، ساروا بعيداَ واتْعَبَهم طوال المسير .. لبَسَت السماء حُلَّتها السوداء، التمَعَت النجوم وبان وجه القمر، وقَطَعات الفوج مازالت تتوغل بالمسير في الطريق الوعرة المشوبة بالقضض والصخور الصغيرة المبعثرة،

اشتدَّ التعبُ فيهم ونال العطش منهم ومنه؛ اذ لم يكُ متهيئاً لهذا، ولم يحمل سوى زمزميته التي نفَذَ ماؤها.. كانت السماء صافية، نجومها لامعة، أبراجها تنطر نصيب من اقترنَ يوم ميلاده بها ..

أمرَ آمر الفوج بالتوقف وأن تخلَد الجنود الى الراحة… ، بعدها تبدأ صفحة الانطلاق الثانية، حسب الخطة…

عند جثوم حماية الآمر ، حاول الاقتراب خلسة خلف مراسل آمر الفوج ،كان المراسل يحمل بيده كظيمة الماء المخصص للآمر ، بخفة مدَّ يده وفتح صنبور الماء فسال الماء البارد عليها، وضع فُوَّهة الزمزمية مسرعا في حلق الصنبور حتى امتلأت ، بلّل ريقه؛ فترطبت شفتاه وانتعشت نفسه حتى كاد ينسى محنته…

عند أول جلوس القطعات خرجَ صوت شَخير احد الجنود وقد نام من فوره من شدة التعب، باغَته المساعد بركلة على بطنه، يشتمه، يضرب بالخوذة على رأسه ويصيح ” أهذا وقت النوم يا حمار “.. اهتزَّ بقية الجنود وانتبهوا ولم يجرؤ احدٌ على الحديث وساد الخوف والهدوء ، غلَبَتْ عليهم سكينة المكان وخيال الجبال العالية؛ كأنها تخرج اشباحاً وعفاريتاً أحاطت بهم … سمع أحد الضباط يتحدث مع ضابط آخر بهمسٍ” ما هكذا اتفقنا ظُننا المسير اربع ساعات بعدها نأخذ مواضعنا، كيف يكون هذا وإلى الآن سبع ساعات سرنا وهناك الكثير منها…

جاء أمر الحركة ، نهض الجنود ونهض معهم، ساروا واعترضَت بِرْكة ماءٍ طريقهم. نزلوها وخاضوا الماء حتى غمر بناطيلهم…عشرون خطوة أو أكثر ساروها حتى وصلوا آخرها . كان ماؤها هادئاً.. خاف أول نزوله الماء ؛ لكنَ برودته أيقظت فيه نشوة أزاحَت حرارة قدميها لمشتعلة جرّاء طوال المسير الذي استمر ساعات أُخرى …خرج الجنود من البِرْكة يجصجصون بأحذيتهم.

بعد انتصاف الليل بساعة أو ساعتين .. جاء أمر اليقظة والحذر؛ لقد بلغوا أرض الحرام بينهم وبين العدو…

بخفةٍ وهدوء دون حدوث أصوات، أخذ الجنود يرتقون التلال متموضعين فيها.. كان يسير خلف الآمر وحمايته الذين انقسموا قسمين؛ فتاه أثر الآمر عنه، يسأل في أي اتجاه ذهب آمر الفوج وأي طريق سلكَ؟.. يا للحظ العاثر؛ سيظنُه تعمَد عدم اللحاق به …سكت ومكث مكانه مع بعض الجنود مقتنعاً بأنَّ طريق الحرب واحد وطريق الموت واحد، ونظر الى الجبال، رأى فيها حزناً قد غلَّف وجهها..

ساعة من الانتظار حتى قاربت الثالثة ليلاً. سمِع صوت الآمر يشتم ويسب ، يأمر بالانسحاب الى طريق العودة صوب الاراضي العراقية ..

رحَلتِ النجوم وذهبَ القمر ،والتقت السرايا عند ضوء النهار… في تلك المنطقة الآمنة بان الكدَر على الوجوه، والعرَق ينسال من الخدود، يغالبون التعب والعطش بحركة اجسامهم المرهقة . نفَذَ ماء زمزمياتهم ولم يبق سوى بِرَك الماء المسطحة والمتفرقة عند حذاء الجبل..صعب عليهم غرفها بيدهم، انحنى بعضهم عليها راكعين وعمل مثلهم وصاروا كالخراف بشفاههم يشفطون الماء ويمجُّونه، يا لمرورة طعمه؛ كماء البحر لا يشرب..

سأل أحد جنود حماية الآمر الواقفين جنبه :

– ما الأمر وما المهمة التي خرجنا من أجلها ؟

– أجابه ، كان من المفترض أن يأتي رتلٌ عسكريٌ ايرانيٌ من زرباطية نتلقاه بكميننا هذا وننقضّ عليه، قالوا إنَّ المسافة لا تبعد اكثر من اربع ساعات سيراً ، لكن لا احد يدري هل الرتل فات قبل وصولنا أم إنَّه غيّرَ وجهته؟؟ ..

قال في سِرِّه، الحمد لله سارت الأمور هكذا فلو كانت هناك معركة لهلكنا جميعاً لسوء التقدير .

ارتفعت الشمس في السماء، وصعب على الجنود طريق العودة ، ثقُلَت عليهم حتى احذيتهم …أمرَ الآمر مخابرهِ ان تتهيأ سرية الانقاذ التي تركها في الخلف، فعَل ذلك واتصل، وأدار وجهه نحوه وطلب منه الاتصال بقيادة الفيلق عسى أن تأتي طائرة مروحية تنقله، حاول الاتصال ولم يُفْلح لنفاذ بطارية جهازه، يا لخيبتي ومصيبتي التي وقَعتُ فيها واخذ يندب حظه ؛ لكن لحسن الحظ ترك آمر الفوج أمره ، سارَ ونَساه.!!

بعد مسير طويل لاحت لجحافل الجيش بِرْكة ماء ضحضاح واسعة، ركضوا نحوها مسرعين ، رموا اجسامهم المنهكة فيها حتى اضحوا كجواميس النهر.

عادت الجحافل تزحف على بطونها، تسحل أجسادها؛ وكأنها جحافل جيش “دون كيشوت ” لم تصارع سوى طواحين الهواء .

اثناء مسيره التفَتَ آمر الفوج إليه، قال لحمايته ساعدوا هذا العريف أراه يترنح؛ ركض اليه احد افراد حمايته وحمل الجهاز عنه.

من بعيد وفي أعالي الطريق حيث بدأت حركة الفوج بالأمس، لاحَ فصيل جنود الانقاذ ، يركضون مسرعين صوب الجنود المتعبين، حاملينهم بنقّالاتهم الى خيمة الاسعافات نُصِبتْ في اعالي الطريق ..فجأة سقَطَ آمر الفوج من طوله، فأسندَته حمايته وهرع إليه جنود المسعفون، حمَلوه بنقالة الاسعاف وركضوا به مسرعين ..

قبل نهاية الطريق بعشرات الأمتار دارت الأرض به، توقَفت قدماه عن الحركة ..دار على جنبه ساقطاً من طوله ، هرعَ احد المسعفين نحوه، حمله على كتفه وركض به نحو الأعلى .. قبل وصوله الى أعلى الطريق استجمع قواه وعقله.. يعيدُ شريط ما حدث له، وتذكر الخَرَزة أنها سبب بؤسه وشقائه ..رفعَ يده وادخلها في جيبه، ورأسه يتدلى خلف ظَهْر حامِله.. أخرج الخَرَزة من جيبها، رمَقها بنظرة حاقد، رماها لاعناً ما فعلَتهُ فيه، وضاعت متدحرجة بين الحصى الناعمة… .

في خيمة الاسعافات ، راجعَ نفسه بعد أن سحبَ انفاسه، أخذَته الشكوك وتذكر الخَرَزة ..

واذا بسؤال يقفزُ في ذهنه، لماذا رميتها؟ ..أكانت هي سبَبَ محنتي؟ أم هي التي حمَتني من معركة كادت تكون وشيكة الوقوع ؟؟

لا تعليقات

اترك رد