المعضلات الأخلاقية أمام العولمة

 

لم تجد الشركات العالمية متعددة الجنسيات وخاصة تلك التي تديرها قيادات في الولايات المتحدة الأمريكية حرجا في الامتناع عن اتباع سلوك أخلاقي في تعاملاتها الخارجية . وتجدها في داخل الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية تتبع سلوكا صارما يكلف من يخالفه حياته الوظيفية حتى لو كان من المدراء التنفيذيين الهامين. وتعتمد الشركات العالمية متعددة الجنسيات القانون الروماني شعارا “عندما تكون في روما افعل ما يفعله الرومان ” . ولهذا السبب لم تتورع هذه الشركات في دفه الرشاوى بسخاء والتزلف والمحاباة وشقت طريقها عبر طرق غير شريفة واعتنقت المحسوبية وشجعتها ضمن مناخات غير أخلاقية. ومن يراجع تاريخ الشركات متعددة الجنسيات يجده حافلا بالفضائح والمشكلات القانونية والاقتصادية والأخلاقية .
وتواجه هذه الشركات بعد فضيحة ووترغيت بعض المعضلات في عملها خارج حدود دولها يمكن أن نلخصها بما يلي :

الفساد:
توسع تأثير الشركات العالمية متعددة الجنسيات في البلدان النامية ودول شرق أسيا والشرق الأوسط واليابان وكوريا وأفريقيا حيث نجد في هذه الدول مشكلة عدم الأمانة الناجمة عن الرشوة والمحسوبية ونجد أن كل شيء حتى الشرف قابل للمناقشة مقابل المال . ونجد أيضا أن كل الدول تقريبا التي نشطت فيها الشركات متعددة الجنسيات يكثر فيها التفكير المادي والمصالح الفردية وتفضيل الأنا . وقد تكون قضية لوكهيد في عام 1972 المثل الأقرب لفهم قضايا الفساد التي تقوم بها الشركات الكبرى والمتعددة الجنسيات حيث كانت شركة لوكهيد واقعة تحت ضائقة مالية تهدد بإفلاس الشركة فقام المدير التنفيذي للشركة الأمريكية بدفع مبلغ 12 مليون دولار لمسؤولين يابانيين مهمتهم كانت اقناع رئيس الوزراء الياباني كوكيو تاناكا بشراء طائرات ” تري ستار” التي تصنعها شركة لوكهيد وكانت قيمة الصفقة حوالي مليار وثلاثمئة مليون دولار أمريكي وتربح من خلالها شركة لوكهيد حوالي 400 مليون دولار أمريكي وفي مرحلة ما افتضح الأمر بعد دفع الرشوة وسيق اليابانيين للسجن وكان اليابانيون أكثر غضبا من الأمريكيين بسبب السمعة السيئة التي لحقت بهم . والحكايات الأمريكية في تشجيع الفساد في الخارج كثيرة مثل غسل الأموال والتسهيلات المصرفية والتعقيدات البنكية بغرض الابتزاز وصفقات السلاح السرية والمخدرات والتآمر على الدول الأخرى تحت شعارات مختلفة .

الديون :
يعد صندوق النقد الدولي مثالا صارخا لفساد المؤسسات والشركات العالمية متعددة الجنسيات. نشأ صندوق النقد الدولي في عام 1944 عقب الحرب العالمية الثانية وكانت غايته الأساسية مساندة أوروبا ومساعدتها في اعادة اعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية كما أوكلت له مهمة ضمان استقرار الاقتصاد العالمي وتنمية ومراقبة التنمية الاقتصادية في الأمم المختلفة وتزويد من يرغب بالقروض من الأموال التي توفرها الدول الأعضاء عند الضرورة والمساعدة في تخفيف الضرائب وتوسيع المصروفات الحكومية في حالات الكساد الاقتصادي . وهذا يعني أن صندوق النقد الدولي أنشأ في الأصل للمساعدة وتق\ديم الخدمات والعون في خالات حدوث المشكلات الاقتصادية . لكن ما الذي حدث في الواقع ؟ لقد تم توليد حالة فساد تقشعر لها الأبدان . لقد صار صندوق النقد الدولي مصيبة حقيقية لمن يتعامل معه بحيث لا يستطيع الافلات من قبضة المتحكمين به والشركات العابرة للحدود والقيود والعوائق المختلفة فقد اعتمد سياسة الافقار وتقديم القروض بفوائد عالية وفي حال التلكؤ في السداد يضع الصندوق يده على السياسات العامة للدولة ويتحكم بالاستثمار وتصبح فوائد الديون قرضا جديدا ثم تدخل الدولة في دوامة الدين وخدمة الدين بحيث تعجز هذه الدول عن السداد وتصبح رهينة لسياسات صندوق النقد الدولي التي تشجع رفع الفوائد زيادة الضرائب وبيع القطاع العام والسيطرة على موارد الدولة المختلفة وبيع مفردات الاقتصاد الوطني الواحد تلو الآخر ثم تبدأ السياسات الاقتصادية الانكماشية والتوفير وضغط النفقات وصولا إلى إفقار المواطن بشريحته الواسعة .

التوظيف :
وهذه مشكلة أخرى ومعضلة من معضلات الشركات العالمية متعددة الجنسيات لأنها تبحث دائما عن زيادة الأرباح وخفض التكاليف . وكانت هذه الشركات تبحث دائما عن أماكن التوظيف القسري للعمال حيث تتوافر سلطة مطلقة للدولة تسعى إلى زيادة الانتاج بأقل تكلفة ممكنة ولهذا السبب توجهت هذه الشركات إلى مناطق التكلفة الزهيدة الاجبارية مثل الصين وماليزيا وكوريا وسنغافورة وتايلاند وتايوان والهند حيث تتوافر العمالة الرخيصة ثم يعاد التصدير بأسماء مختلفة تحقق أعلى درجات الربحية . حاليا تتوجه هذه الشركات نحو المكسيك لأنها وجدت فيها سوقا جيدة واعدا قليل الكلفة . وتستفيد هذه الشركات من التوظيف الخارجي بطريقتين : الأولى هي الابتعاد عن قيود البيئة المستدامة في الدول المتقدمة والثانية هي اليد العاملة الرخيصة والضرائب القليلة . يقول جيمس غولدسميث أحد أهم الاقتصاديين في القرن العشرين : ” من المؤكد أنه من الخطأ تبني سياسة اقتصادية تجعلك غنيا إذا تخلصت من قوتك العاملة الوطنية وحولت انتاجك نحو الخارج والتي قد تفلسك إذا واصلت توظيف ابن جلدتك .” وتميل الشركات متعددة الجنسيات إلى توظيف الأجانب لأنها توفر الكثير وتستطيع أن توظف براتب موظف أمريكي ثلاثة مهندسين هنود على سبيل المثال وليس الحصر .

الأهمية القيمية :
لم تشعر الشركات العالمية متعددة الجنسيات يوما بالحاجة إلى اتباع سلوك أخلاقي في تجارتها الخارجية مع دول العالم المختلفة . وكانت تعتمد في عملها على الوكلاء المحليين الذين يساعدونها في فهم الأسواق المحلية وتطبيق سياسة ” إذا كنت في روما تصرف كما يتصرف الرومان . ” لقد كان ولاء الوكالات دوما للشركات الأجنبية أقوى من الولاء للحكومات الوطنية لأن الشركات الأجنبية ترى في الوكيل التجاري أكثر من الاطار القانوني للعلاقة فهو عينها في السوق الخارجي وقلبها الذي تتنفس به وعينها الساهرة على مراقبة حركة الأسواق التجارية ويدها الذي تصافح الحكومات المحلية وتقدم لهم الرشاوى والتسهيلات القانونية والمالية . وهذا ما يفسر سر فضائح الأغذية الفاسدة التي تنتشر بين الحين والآخر على صفحات الجرائد والمجلات كما يفسر سر انتشار صفقات الآلات المجددة والمعاد تصنيعها من مصانع وطائرات ومعدات ومضخات ولنفس السبب انتشرت حكايا المبيدات الحشرية الفاسدة والمواد الصيدلانية والسجائر والأسلحة والحليب المجفف ومبيدات الأعشاب الضارة بالبيئة والترويج لشركات صناعية وتجارية بعينها مثل الساعات السويسرية والقواطع الألمانية والنمساوية وأجهزة التحكم السويدية والمضخات الانكليزية وماركات الألبسة الدولية . ولكن علينا أن نسأل أنفسنا السؤال الهام . ما مدى مسؤولية الشركات العالمية عن المنتجات التي تصدرها وتصلنا باسمها ؟ الجواب سهل وبسيط إذ ليس هناك أدنى مسؤولية .

الاغراق:
تروج المؤسسات والشركات العالمية متعددة الجنسيات لمنتجاتها بطرق متعددة. فأنت إذا اشتريت منتج شانيل على سبيل المثال تكون من عليّة القوم ، وإذا لبست منتجات نايك ستكون من الرجال المميزين وهذه المنتجات ، بالمناسبة ، ليست الأفضل ناحية الانتاج والذوق الفني وهي ليست رخيصة ولا تساوي في معظم الأوقات القيمة المالية التي تدفعها مقابل الاسم . كما تتفق الحكومات والشركات العالمية المنتجة على ربط المعونات الخارجية بالسلع الأمريكية فالمعونة الزراعية الأمريكية لبلد ما تشمل سلسلة من المنتجات الزراعية الأمريكية من قمح وعصائر وحليب ومعدات صغيرة ومعدات ثقيلة من نوع البيع الاجباري للأخرين كما تعتمد هذه الشركات على انشاء المزادات المفتوحة على شبكة الانترنت للترويج لمنتجاتها وبيعها عبر قنوات محددة بحيث يغيب التنافس في بيع المنتجات ونصبح أنت و أنا أسير منتجات بعينها.

المجتمع :
تحاول الشركات العالمية متعددة الجنسيات في عملها هدم الاقتصاديات المحلية عن طريق اغراق الأسواق بالمنتجات الرخيصة وبالتالي تفقد المجتمعات المحلية هويتها التاريخية والثقافية والمؤسسات المنتجة والتنافس الشريف والذوق المحلي والكبرياء والانجاز الشخصي وهذا ما نجده في الكثير من المجتمعات المستهلكة للتكنولوجيا حيث يدفع المواطن الكثير من المال للحصول على أحدث جهاز محمول يصلك بعالم لا يخصك ولا يخص ثقافتك .وهذا ما تفعله الصناعات التي تأتي بصمت من الصين إذ أنها تغطي جميع متطلبات الحياة وبأسعار رخيصة وبالتالي وخلال فترة قصيرة تجد نفسك محاطا بعالم غريب بعيد عن ثقافتك مصنع في الخارج . ومع مرور الزمن تنتفي الصيغة الوطنية للمجتمع وتحل محلها أعراف وتقاليد جديدة كما يحدث حاليا في بعض مجتمعات الشرق الأوسط . الطريف في الأمر أن الشركات العالمية متعددة الجنسيات المتواجدة في الصين تعتمد على علم الاجتماع في صناعاتها فهي تصنع للهند مثلا كل ما يخص التراث المحلي الهندي وتصنع للشرق الأوسط كل ما يخص الثقافة المحلية وتصنع للروسي كل شيء بدءا من الدمية الخشبية الروسية إلى أصغر تفاصيل الحياة الروسية وتصنع للغرب وفق تقاليد كل شعب من الشعوب وبتكلفة رخيصة جدا لدرجة أنها توقف نمو الحركة الاقتصادية المحلية وتقضي عليها .

البيئة :
يتم تصدير الأطعمة المعلبة المصنعة في بعض دول شمال غرب أوروبا ومكتوب عليها مخصصة للسوق السوري أو العراقي أو المصري أو مكتوب عليها ” حلال ” ومذبوح على الطريقة الاسلامية أو خال من لحم الخنزير أو سجائر مخصصة للاستخدام خارج الأسواق المحلية وهذا ينطبق على المبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب والبذور المهجنة المعدلة وراثيا وبالتالي يتم التأثير على البيئة والمجتمع بمكوناته المختلفة ثقافيا وماديا وفكريا .

الصحة على المدى الطويل :
تؤثر الكثير من المنتجات التي تقدمها الشركات العالمية متعددة الجنسيات على صحة الانسان على المدى الطويل فالبذور المعدلة وراثيا تحمل في طياتها دعوة مفتوحة للأمراض المزمنة للدخول إلى المجتمعات المستهدفة مثل السرطان والسمنة والأمراض القلبية المختلفة وليست الأطعمة السريعة والهمبرغر والتاكوبيل والمقرمشات والدجات المقلي والمنكهات والطعمات والأصباغ الغذائية واللحوم المعلبة والقمح الأبيض ومنتجاته إلا في نفس السياق وتعزف على نفس الموجة نفس اللحن . ونجد على المدى الطويل ظهور أنواع جديدة وغريبة من الأمراض التي تنتشر في المجتمعات المستهدفة بمنتجات الشركات العالمية الكبرى .

القمامة :
هناك نوعان من الصناعة في العالم حاليا : الصناعة النظيفة والصناعة القذرة . الصناعة النظيفة هي التي تقوم على التصاميم والرسومات والابداعات الفكرية المختلفة وبراءات الاختراع وهناك الصناعات القذرة التي تسبب الانبعاث الغازي والحراري في الجو . تميل الدول المتقدمة وشركائها إلى الالتزام بأقصى شروط الأمن والسلامة والبيئة وقواعد منع التلوث في دولها وتعمل جاهدة إلى نقل المصانع التي تسبب الانبعاث الغازي والتلوث إلى الدول النامية الأقل اكتراثا بالأصول البيئية ثم تعيد تصدير المنتجات بشكلها النهائي إلى دولها . هناك مشكلة أخرى وهي النفايات النووية حيث تميل بعض الشركات العالمية متعددة الجنسيات إلى تصدير النفايات النووية المشعة إلى دول نامية وطمرها في صحارى تلك الدول مقابل مبالغ مالية وتبقى الدول النامية غير مدركة لخطورة هذه النفايات التي تهدد التنمية المستدامة ومستقبل تلك الدول ومستقبل الأجيال القادمة .

تقف هذه المعضلات حائلا في وجه الترويج الشعبي لمفهوم العولمة بل وتضع العولمة والشركات العالمية متعددة الجنسيات في وضع الخصم والتهديد لمستقبل الإنسانية .

لا تعليقات

اترك رد